رياضة

ملاحقة «العنصرية» في ملاعب كرة القدم من أوروبا إلى مصر

«الاتحاد الدولي لكرة القدم لا يهتم بما يجري في الملاعب، هم فقط يتحدثون، كل فترة يخرج من يطلق تصريحات وهي مجرد هراء، ثم ماذا يحدث؟ لا شيء..إنهم يتحدثون باستمرار، لا أريد أن أقول إنني لست قلقًا، أنا مضطرب وما يحدث يزعجني كثيرًا، كيف لك أن تتعرض للعنصرية كلما مارست كرة القدم، ولا يوجد ما يحميك من هذا».

بهذه التصريحات عبر اللاعب الإيفوري يايا توريه عن ضيقه من تعامل الاتحاد الدولي لكرة القدم مع موجة العنصرية التي اجتاحت الملاعب الأوربية عام 2019، والذي وصفه العديد من المراقبين ووسائل الإعلام بـ «العام الأسود» في هذا الملف، فلم يمر شهر واحد دون أن تشهد ملاعب كرة القدم الأوربية حادثة مؤسفة، لاحقت فيها الجماهير بعض اللاعبين من أصحاب البشرة السمراء بهتافات عنصرية.

وفي حديث مع صحيفة «ليكيب» الفرنسية تناول خلالها الحديث عن هذا الملف الشائك، عبر لاعب برشلونة الإسباني ومانشستر سيتي الإنجليزي السابق عن معاناته من العنصرية التي لاحقته لسنوات، وهو ما أثر على حالته النفسية.

وكشف توريه الذي يلعب حاليا في فريق كينجداو هوانجهاي الصيني أنه عارض رغبة ابنه في ممارسة كرة القدم بشكل احترافي، «ابني لن يقتحم مجال كرة القدم بسبب العنصرية، فأنا حساس بشأن هذا الأمر، لأنه شيء يؤلم طوال الوقت.. ابني أراد أن يصبح لاعبا محترفا، لكني رفضت ذلك، وأبلغته بمخاوفي بشأن تعرضه للعنصرية في أي مكان».

توريه أضاف في الحوار الذي نُشر نهاية 2019: «اللاعبون عليهم اتخاذ خطوة في هذا الشأن.. يجب أن تؤخذ المشكلة على محمل الجد.. يجب على اللاعبين اتخاذ اجراءات حازمة حول ذلك.. وإلا سيستمر الشخص العنصري في المدرجات».

يايا توريه
يايا توريه

العام الأسود في ملاعب الكرة

تصريحات توريه كانت جزءا من حملة شنها عدد من اللاعبين الأفارقة ورفاقهم في بعض الأندية الأوربية ضد العنصرية التي تصاعدت وتيرتها خلال العام الماضي، كان أشهرها هتاف جماهير نادي تشيلسي في أبريل 2019 الإنجليزي ضد لاعب ليفربول المصري محمد صلاح بسبب معتقداته الدينية، عندما وصفوه بأنه «مفجر إرهابي»، وبعدها أسابيع قليلة من واقعة الهجوم على صلاح، توقفت مبارة فريق «أميان» ضد «ديجون» في الدوري الفرنسي بسبب هتافات عنصرية لاحقت اللاعب الفرنسي من أصل إفريقي برنس جوانو مدافع «أميان».

وفي أغسطس من نفس العام، تعرض مهاجم تشلسي الإنجليزي الأسمر تامي إبراهام، لهجمات عنصرية إلكترونية بعد إضاعته ركلة جزاء حاسمة أمام فريق ليفربول في كأس السوبر الأوربي، وهو ما أثر على أداء ونفسية اللاعب، وبعد تلك الواقعة بأيام تعرض مهاجم  إنترميلانو الإيطالي اللاعب البلجيكي الأسمر روميلو لوكاكو لهتافات عنصرية من جماهير فريق كالياري بالدوري الإيطالي.

تامي إبراهام
تامي إبراهام

وفي سبتمبر من ذات العام توقفت مباراة كرة القدم بين منتخبي إنجلترا وبلغاريا في تصفيات أمم أوروبا مرتين، إثر هتافات عنصرية لاحقت نجوم إنجلترا من أصحاب البشرة السمراء.

بعض اللاعبين الذين طالتهم تلك الهتافات العنصرية لم يستطيعوا التحكم في ردود أفعالهم وعبروا عن ضيقهم وغضبهم داخل المستطيل الأخضر، ففي الدوري الإيطالي ركل نجم فريق بريشيا اللاعب الإيطالي من أصل غانيماريو بالوتيلي الكرة إلى المدرجات بعد استهدافه بهتافات مهينة خلال لقاء فريقه مع فريق فيرونا، أما البرازيلي تايسون، لاعب شاختار دونيتسك الأوكراني فلم يتمكن من استكمال مبارة فريقه ضد فريق دينامو كييف، وترك الملعب وخرج باكيا إثر تعمد الجمهور إهانته بسبب لونه.

قبل أسابيع من توقف نشاط كرة القدم بسبب تفشي فيروس كورونا مطلع العام الحالي، تعرض موسى ماريجا مهاجم فريق بورتو البرتغالي لهتافات عنصرية من جماهير فريق فيتوريا جيمارايش بعد تسجيله هدفا في مباراة الفريقين في الدوري البرتغالي، ما دفع اللاعب إلى ترك المباراة ومغادرة الملعب رغم محاولات زملائه ومدربه إقناعه بمتابعة المباراة.

تضامن الرأي العام البرتغالي والأوربي مع ماريجا، وأثارت وسائل الإعلام قضية العنصرية التي تصاعدت في ملاعب كرة القدم، ورغم ذلك اكتفى اتحاد كرة القدم البرتغالي بتوقيع عقوبة مالية على نادي فيتوريا جيمارايس قدرها 714 يورو، وهو ما سخر منه اللاعب قائلا «لا.. هذا كثير جداً… هل يمكنني أن أدفعها بدلاً عنهم؟».

انتهاكات العنصرية وعقوبات «الفيفا»

وعلى وقع تضامن المجتمعات الأوربية مع ضحايات العنصرية من لاعبي كرة القدم خلال الأعوام القليلة الماضية، قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم مواجهتها، باعتبارها ظاهرة يجب أن تتوقف، فرفع شعاره الشهير «لا للعنصرية»، ثم أجرى مجموعة من التعديلات على لوائحه وقوانينه لحصار تلك الظاهرة في الملاعب.

وأصدر «فيفا» العام الماضي عددا من القرارت وُصفت بالجريئة، شدد فيها العقوبات ضد السلوك العنصري أو التمييزي، وتنص العقوبات التي تنحصر على المسابقات والبطولات التي تتبع الاتحاد، على فرض حظر جزئي على الجماهير التي تمارس انتهاكات عنصرية، وتتم مضاعفة العقوبة، لتصل إلى خصم النقاط أو الاستبعاد من المسابقات، حال تكرار السلوك التمييزي.

وأعلن «فيفا» تطبيق عقوبة منع دخول 10 مباريات على الأقل على أي شخص يسيء لكرامة أو سلامة أي بلد أو شخص أو مجموعة من الأشخاص من خلال كلمات أو أعمال تمييزية أو مهينة – بأي طريقة كانت – بسبب لون البشرة أو الأصل العرقي أو القومي أو الاجتماعي أو الجنس أو الإعاقة أو الميل الجنسي أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع أو سبب آخر.

وحسب قرارت «فيفا»، لدى حكام المباريات خطة من ثلاث مراحل في حال وقوع أي انتهاك عنصري، حيث من الممكن أن يتخذوا قرارا إذا لزم الأمر بإنهاء المباريات واعتبار الفريق الذي مارست جماهيره تلك الانتهاكات خاسرا، وتطبق تلك العقوبات التأديبية على جميع المسابقات التابعة لـلاتحاد الدولي لكرة القدم وكذلك المباريات الودية التي تشمل الأندية والمنتخبات الوطنية.

وإلى حد ما ردعت قرارات الاتحاد التأديبية الجديدة الجماهير التي تخرج عن النص، وحاصرت ظاهرة العنصرية في ملاعب كرة القدم، ومع استئناف الموسم الكروي في أوروبا اختفت تقريبا الهتافات العنصرية، خاصة مع تبني الاتحاد الأوروبي والاتحادات المحلية تلك القرارات.

أزمة «شيكابالا»

أما في مصر ونظرا لتأخر الاتحاد المصري لكرة القدم في تعديل لائحته وعدم تطبيق قرارت الفيفا الجديدة، فضلا عن غياب ثقافة حقوق الإنسان بشكل عام، وعدم تعامل المجتمع مع العنصرية والتمييز والكراهية باعتبارها جرائم ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون، حدثت بعض الانتهاكات العنصرية من قبل بعض الجماهير والمسئولين والإعلاميين.

أشهر تلك الانتهاكات ما تعرض له نجم نادي الزمالك محمود عبد الرازق الشهير بـ«شيكابالا»، والتي لحقته هتافات عنصرية من بعض جماهير النادي الأهلي بعد مباراة القمة الأخيرة، وهو ما أثار جدلا حادا في أوساط المهتمين والمراقبين.

وعلى إثر تحول أزمة الانتهاكات العنصرية التي تعرض لها شيكابالا إلى قضية رأي عام، تحركت السلطات المصرية وألقت القبض على عدد من جمهور النادي الأهلي الذين شاركوا في واقعة رفع «كلب أسود» يرتدي قميص لاعب الزمالك الأسمر وأحالتهم إلى جهات التحقيق، كما أوقفت عددا آخر من الجمهور اقتحم إحدى المقابر في محافظة البحيرة بغرض السخرية والتنمر باللاعب، وتعد تلك هي المرة الأولى التي تتحرك فيها السلطات المختصة لحصار ظاهرة العنصرية داخل الملاعب.

لم تكن تلك واقعة «الكلب الأسود» هي الوحيدة التي أثارت جدلا خلال السنوات الماضية، حيث تعرض نفس اللاعب «شيكابالا» إلى هتافات عنصرية أكثر من مرة، ووصلت الأمور إلى اقتحام بعض الجماهير حياته الخاصة عندما شككوا في نسب ابنه بسبب لون بشرته المختلف عن لون بشرة اللاعب، كما تعرض زميله في النادي الأهلي عماد متعب قبل سنوات إلى حملة مشابهة من قبل بعض جماهير نادي الزمالك التي تناولت علاقته بزوجته عارضة الأزياء السابقة. ولم تتوقف على مدار سنوات انتهاكات النائب مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك المستبعد من قبل وزارة الشباب والرياضة في حق لاعبين ورؤوساء أندية وشخصيات عامة.

«الخماسية» تحظر العنصرية في مصر

لم تستفز الحوادث السابقة أو غيرها المؤسسات والجهات المسئولة لاتخاذ قرارات رادعة ضد مشجعي الأندية التي ترتكبها، وبعيدا عن المساءلة الجنائية التي تخضع لقانون العقوبات وقانون مكافحة التنمر الذي صدر قبل شهور، لم يصدر عن اتحاد الكرة المصري أي تحرك من شأنه منع تلك الانتهاكات، فلائحة الاتحاد حتى أيام قليلة مضت ،خلت من أي عقوبات ضد مرتكبي جرائم التمييز والكراهية والعنصرية، رغم صدور قرارت الاتحاد الدولي التأديبية قبل عام تقريبا.

على وقع هذا الوضع، وإثر تفاعل الرأي العام ضد الانتهاكات العنصرية الأخيرة، أضاف اتحاد المصري لكرة القدم بندا جديدا على لائحته التي تم التصويت على تعديلها مطلع هذا الأسبوع يحظر العنصرية والكراهية.

ونصت المادة (4) في اللائحة المعدلة على: «حظر ممارسة التمييز والعنصرية من أي نوع ضد بلد أو شخص أو جماعة من حيث العرق أو اللون أو الجنس أو الأصل أو الإعاقة أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الثروة أو الميلاد، أو أية حالة أخرى، أو أي سبب آخر ويعاقب بالإيقاف أو الفصل أو بالتدابير التأديبية الأخرى كل من يمارس ذلك».

لم تذكر المادة المشار إليها عقوبات محددة على مرتكبي الانتهاكات العنصرية، لكن المادة (8) من ذات اللائحة أشارت إلى التزام الاتحاد المصري لكرة القدم بالقوانين والقرارت واللوائح التي يصدرها مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، بمعنى أن العقوبات التي أقرها الاتحاد الدولي ضد الجماهير التي تمارس انتهاكات عنصرية العام الماضي سارية في مصر حتى ولو لم تنص عليها صراحة لائحة الاتحاد المصري.

أخيرا، اللجنة الخماسية التي تدير كرة القدم في مصر مؤقتا، لحين انتخاب مجلس اتحاد جديد نهاية يناير المقبل، في اختبار بعد تعديل لائحة اتحاد الكرة وإضافة مادة تحظر الانتهاكات العنصرية، وسيحكم الرأي العام على مدى جدية اللجنة في اتخاذ قرارات تأديبية ضد أي منتهك أو متجاوز خلال الفترة المقبلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock