رؤى

الهجوم الإرهابي على جدة.. الدوافع والتداعيات

تزامن الهجوم الإرهابي الذي استهدف تجمعا لعدد من الشخصيات الدبلوماسية بمدينة جدة السعودية في 11 نوفمبر الجاري، مع إعلان هيئة كبار العلماء جماعة الإخوان كجماعة إرهابية قبلها بيوم واحد. أثار الهجوم العديد من التساؤلات حول الدوافع الكامنة وراء هذا الحادث الذي أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنه، بالإضافة إلى بحث تداعيات ذلك الحادث على استقرار المملكة، والإجابة على التساؤل حول ما إذا كان هذا الحادث يمثل بداية لسلسلة هجمات تجعل المملكة مسرحا لعمليات التنظيم في الفترة القادمة، في محاولة لاستعادة الزخم عبر البوابة السعودية؟، وهو ما يُمكن الإجابة عليه من خلال المحاور التالية.

الدوافع والأسباب الكامنة للهجوم

يمكن تفسير الدوافع والأسباب التي تقف وراء هذا الهجوم من خلال النقاط التالية:

1. تطورات السياق الإقليمي وزيادة التنسيق السعودي – الإسرائيلي

سبق الهجوم الأخير على مدينة جدة بأيام قليلة هجوم تنظيم داعش عبر تسجيل صوتي للمتحدث الرسمي باسم التنظيم “أبو حمزة القرشي” في 28 أكتوبر الماضي، ضد كل من الإمارات والبحرين على خلفية “اتفاقات إبراهام” التي تم توقيعها مع إسرائيل. كما هاجم السعودية نظرًا لسماحها لإسرائيل باستخدام أجوائها لعبور الطيران الإسرائيلي إلى دولة الإمارات. وقد يفسر ذلك بعض دوافع التنظيم لمهاجمة المملكة في إشارة ردع لعدم الهرولة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل على النحو الذي سيجعلها تدخل في بؤر استهداف التنظيم ضمن مسرح عملياته في المنطقة اعتمادًا على البنية السلفية المتشددة داخل المملكة التي تسمح بتجنيد عملاء له هناك.

2. تصاعد (الإسلاموفوبيا) ضد المسلمين في المجتمعات الغربية

ساعدت موجة العداء والكراهية في بعض الدول الغربية تجاه عناصر الإسلاموية في مجتمعاتها إلى تهيئة البيئة لتنظيم داعش لتحديد الهدف المستهدف من العملية (بحيث يشمل مسؤولين غربيين)، خاصة مع تصاعد الحملة الحالية التي تقودها بعض المنظمات والمؤسسات المجتمعية في عدد من الدول الإسلامية لنصرة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهو ما يحقق للتنظيم هدفه الأساسي في عملياته من ناحية زيادة الزخم الإعلامي حولها. ومن ثم، كسب تعاطف جديد في أراضي جديدة لدى مواطنيها القابلية لتبني فكر التنظيم الذي يحرص على وضع نفسه في صورة المدافع عن قضية “المظلومية الإسلامية” تجاه الغرب، وهو ما قد يتهيأ في المجتمع السعودي أكثر من غيره من المجتمعات الإسلامية الأخرى.

وانعكس ذلك الدفع من خلال ما أعلنه التنظيم في بيان صادر عنه أعلن فيه مسؤوليته عن الهجوم، وأوضح أن “مفرزة أمنية” من “ولاية الحجاز” زرعت عبوة ناسفة في مقبرة لغير المسلمين في جدة، حيث فجَروها بعد أن تجمعت “أهداف أجنبية”، مما أدى إلى إصابة عدد منهم “نُصرة” للنبي محمد(ص).

3. تخلخل العلاقة فيما بين السلطة الحاكمة والهيئات الدينية

في إطار التحولات المجتمعية والفكرية التي تشهدها المملكة من ناحية تراجع أدوات السلطة الدينية وتهميش دورها المجتمعي على نحو أخل بمعادلة الحكم التي ظلت حاكمة للعلاقة بين الأسرة الحاكمة (آل سعود) التي يكون لديها السلطة السياسية في مقابل أن تكون السلطة الدينية لأسرة (آل شيخ “نسل الشيخ محمد بن عبد الوهاب”). ساعد هذا الوضع الجديد على إيجاد حالة من الفراغ الذي تسعى التيارات المتشددة داخل المملكة على غرار (اتباع التيار السروري) لملئه.

التداعيات والمآلات المحتملة

يضيف هذا الهجوم الإرهابي حلقة جديدة من حلقات تعقيد المشهد الداخلي للمملكة، من ناحية كونه كاشف لحالة السيولة التي يعيشها المشهد السعودي وسهولة اختراقه، خاصة في ظل تحولات مجتمعية وفكرية متسارعة لم يترافق مع حدوثها تطوير لأدوات الضبط المجتمعي. ومن ثم، قد يقود ذلك الهجوم إلى حدوث جملة من الإجراءات والتداعيات المحتملة التي يُمكن إجمالها على النحو التالي:

1. تجفيف منابع تيارات الإسلام السياسي

وذلك ارتباطًا بقرار هيئة كبار العلماء السعودية في 10 نوفمبر الجاري، بتصنيف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية، وتحذيرها من الانتماء إليها أو التعاطف معها، وهو القرار الذي تزامن معه الهجوم الإرهابي الذي وقع في اليوم التالي لهذا البيان ، ليفرض بدوره تسريع وتيرة إجراءات السلطة السياسية لمحاصرة النشاط الخيري والدعوي والإغاثي لعناصر تيارات الإسلام السياسي التي تتغلغل داخل هيئات الإغاثة ومنظمات المجتمع الأهلي السعودي، وتفريغ الحاضنة المجتمعية لهذه العناصر، من أجل تحجيم نفوذ تلك العناصر وتقليص قدرتها على الحشد الذي يُمكن أن يستغل في أية محاولات لزعزعة استقرار النظام السياسي.

2. تعزيز نشاط التيارات المتشددة داخل المملكة

قد يسهم هذا الهجوم في تعزيز نشاط عناصر التيارات المتشددة خاصة تلك التي خضعت للتضييق الأمني والممارسات الأمنية الخشنة، سواء كان ذلك بشكل مستقل أو في إطار المبايعة لتنظيم داعش.

3. زيادة درجة أمننة المجال العام السعودي

وذلك من خلال تعزيز سيطرة ونفوذ الأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة نشاط التنظيمات والعناصر المتطرفة، وإطلاق يدها لمراقبة المجال العام داخل المملكة من أجل إحكام السيطرة على أية محاولات لزعزعة الاستقرار.

4. احتمالية تجدد نشاط العمليات الإرهابية

يظل هذا الاحتمال قائماً في إطار تطورات السياق الإقليمي الخاصة باتفاقات السلام مع إسرائيل وتقاطعات المملكة مع هذه التطورات خلال الفترة القادمة، على النحو الذي يهيأ المناخ لتعزيز عملية الاستقطاب والتجنيد داخل صفوف التيارات السلفية المتشددة داخل المملكة للانضمام لتنظيم داعش ومبايعته لتنفيذ عمليات جديدة في الداخل السعودي على النحو الذي يجعلها ضمن بؤر الاستهداف لتنظيم داعش، وقد تكون تلك العمليات المحتملة في مناطق تركز الشيعة في شرق المملكة والقطيف بشكل سيكون له تداعياته الوخيمة على درجة الاستقرار الداخلي للمملكة.

ختامًا، يمكن الإشارة إلى سعي المملكة خلال الفترة الراهنة لتعميق حضورها ضمن الاستراتيجية الإقليمية لمواجهة تيارات الإسلام السياسي،خاصة مع انتقال الإدارة الأمريكية إلى المعسكر الديمقراطي بعد فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، والمعروف بتقاطعه مع تيارات الإسلام السياسي إبان فترة توليه العمل كنائب للرئيس أوباما، ضمن أدوات التغيير الذي سعت إدارة أوباما لتوظيفها لتغيير المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما قد يدفع المملكة في المرحلة القادمة للعمل على قطع الطريق أمام محاولات الإدارة الأمريكية الجديدة لتخفيف التوتر في منطقة الخليج عبر الضغط لعقد مصالحة خليجية مع دولة قطر التي تشكل مركز الدعم اللوجيستي والمادي لعناصر تيارات الإسلام السياسي – وخاصة جماعة الإخوان – في المنطقة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock