ثقافة

رحلة العائلة المقدسة.. عظمة الدلالة و تضاؤل الفن

ثلاث سنوات أو يزيد قليلا هى الفترة التى قضاها السيد المسيح –طفلا – فى مصر بصحبة أمه السيدة مريم العذراء ويوسف النجار وعدد من أفراد العائلة المقدسة

لتسطر تاريخا مضيء لرحلة استثنائية فى التاريخ الإنسانى بشكل عام وتاريخ الديانة المسيحية خاصة وجاء اختيار مصر لتلك الرحلة مليئا بالمعانى المهمة حول مصر وشعبها ومدى ارتباط ذلك بالشعور بالأمان وكرم المصريين وبالرغم من أهمية الحدث لم نر عملا فنيا سواء فى السينما العالمية أو المصرية يتناول تلك المرحلة من حياة السيد المسيح بإستثناء بعض الأفلام التسجيلية والوثائقية محدودة الانتشار وضعيفة الإنتاج .

بداية الرحلة

تحدث إنجيل ” متى ” قائلا : “خذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه، فقام وأخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودس “

لتبدأ رحلة لجوء العائلة المقدسة إلى بلد الأمان ويسجل التاريخ عن الشعب المصري مواقف عديدة فى كيفية حماية واستيعاب السيدالمسيح وعائلته .

ولد السيد المسيح فى “رام الله ” وعاش وتربى فى “الناصرة ” بفلسطين رغم بعض الاختلافات بين الكتب المسيحية المقدسة وحسب القس والباحث “مارك روبرتس ” أن “العديد من العلماء التاريخيين بوجهة النظر التقليدية أن روايتي الميلاد في الإنجيلين هما دقيقتان تاريخيا ولا تتعارضان مع بعضهما البعض، مشيرين إلى أوجه التشابه بين الروايتين “

ويرى كل من “جورج كيلباتريك ” و”مايكل باتيللا ” أن المقارنة بين روايتي الميلاد في “لوقا ” و” متى ” تُظهر العناصر المشتركة في مجالات الولادة العذرية، الولادة في بيت لحم، والتربية في الناصرة، وأنه على الرغم من أن هناك اختلافات في روايتي الميلاد في لوقا ومتى، يمكن تكوين سرد عام من خلال الجمع بين الاثنين “

وبعد ولادته بعامين تقريبا جاء بعض من الماجوس من المشرق على القدس قائلين أين هو المولود ملك اليهود فقد راينا نجمه وجئنا لنسجد إليه وذلك وفقا لإنجيل “متى ” وسألوا كهنة اليهود أين يولد المسيح وفقا للروايات اليهودية ؟

فقال الكهنة : في بيت لحم .

وعلم “هيرودوس ” – وكان حاكم يهودى بسط نفوذه على المنطقة الممتدة من هضبة الجولان شمالا إلى البحر الميت جنوبا – فدعاهم”هيرودوس ” إلى مجلسه وسألهم عن الأمر فقصوا عليه ما جاءوا من أجله فقال لهم اذهبوا وابحثوا عن الصبى وأخبرونى لكى أسجد له مثلكم .

هيرودوس العظيم
هيرودوس العظيم

ودخلوا البيت فوجدوا الصبى مع أمه مريم وقدموا له الهدايا ذهبا ولبانا ومرا وانصرف الماجوس ولم يبلغوا هيرودوس .

وهذا ما أغضب الملك وازداد قلقه على عرشه من النبوءات القديمة بمولد الملك الطفل في بيت لحم  فأصدر أوامره بذبح كل طفل يبلغ من العمر أقل من عامين فقرر حصر كل الأطفال الذين ولدوا فى هذا التوقيت .

وجاء النداء الإلهي إلى يوسف النجار  بضرورة الهروب إلى مصر وقام النجار بتنفيذ الأمر الإلهي وحمل متاعه وصحبته متجها إلى وطن الأمن مصر وتؤكد الروايات التاريخية  أنهم استخدموا الحمير فى الترحال فى تلك الزيارة وكانت هى وسيلة النقل المتعارف عليها حينذاك .

مسار الرحلة

استغرقت زيارة العائلة المقدسة في مصر 3 سنوات تقريبا وفى بعض المصادر فإنها استغرقت 3 سنوات وأحد عشر شهرا وقد رصد البابا “ثاؤفيلس” البطريرك رقم 23 في كرسي الكرازة المرقسية بمصر في الفترة ما بين( 385-412م ) وفقا لمخطوطة ” الميمر” وهى كلمة سيريانية تعني السيرة .

مسار رحلة العائلة المقدسة
مسار رحلة العائلة المقدسة

كانت مصر تحت حكم الرومان حين خرجت العائلة المقدسة من بيت لحم إلى غزة حتى محمية الزرانيق ” الفلوسيات” غرب العريش بـ ٣٧ كم ودخلت مصر عن طريق صحراء سيناء من الناحية الشمالية من جهة الفرما الواقعة بين مدينتى العريش وبور سعيد.ودخلت العائلة المقدسة مدينة تل بسطا ( بسطة ) بالقرب من مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية وتؤكد الروايات المسيحية أن  – فيها أنبع السيد المسيح عين ماء، وكانت المدينة مليئة بالأوثان، وعند دخول العائلة المقدسة المدينة سقطت الأوثان على الأرض فأساء أهلها معاملة العائلة المقدسة فتركت تلك المدينة وتوجهت نحو الجنوب –

غادرت العائلة المقدسة مدينة تل بسطا ( بسطة ) متجهة نحو الجنوب حتى وصلت بلدة مسطرد (المحمة)، وكلمة “المحمة” معناها مكان الاستحمام، وسميت كذلك لأن السيدة العذراء مريم أحمّت هناك السيد المسيح وغسلت ملابسه

وفى عودة العائلة المقدسة مرت أيضا على مسطرد.وانتقلت شمالا إلى بلبيس (فيلبس ) بمحافظة الشرقية، واستظلت العائلة المقدسة عند شجرة عرفت باسم شجرة العذراء مريم .

ومن بلبيس رحلت العائلة إلى منية سمنود، داخـل الدلتا، ثم مدينة سخا..ومن مدينة سخا عبرت نهر النيل (فرع رشيد ) إلى غرب الدلتا وتحركت جنوبا إلى وادى النطرون، ومن وادى النطرون ارتحلت جنوبا ناحية مدينة القاهرة وعبرت نهر النيل إلى الناحية الشرقية متجهة ناحية المطرية وعين شمس. ومن منطقة المطرية وعين شمس سارت العائلة المقدسة متجهة ناحية مصر القديمة

وتعتبر منطقة مصر القديمة من أهم المناطق والمحطات التى حلت بها العائلة المقدسة فى رحلتها إلى أرض مصر ، ويوجد بها العديد من الكنائس والأديرة. وقد تباركت هذه المنطقة بوجود العائلة المقدسة ولم تستطع العائلة المقدسة البقاء فيها إلا أياما قلائل نظرا لتحطم الأوثان فأثار ذلك سخط والى الفسطاط فأراد قتل الطفل يسوع.وارتحلت العائلة المقدسة من منطقة مصر القديمة متجهة ناحية الجنوب حيث وصلت إلى منطقة المعادى، وأقلعت فى مركب شراعي، وعبرت العائلة المقدسة إلى النيل فى رحلتها إلى الصعيد، ومنها جاء اسم المعادى

وبعد ذلك وصلت العائلة المقدسة قرية دير الجرنوس(ارجانوس) مركز مغاغة، وقرية البهنسا، وبلدة سمالوط، ومنها عبرت النيل ناحية الشرق حيث يقع الآن دير السيدة العذراء بجبل الطير.

وغادرت العائلة المقدسة منطقة جبل الطير وعبرت النيل من الناحية الشرقية إلى الناحية الغربية واتجهت جنوبا حوالى ٢٠ كم ناحية ديروط الشريف (فيليس).ثم من ديروط الشريف إلى قرية قسقام ( قوست قوصيا ) حيث سقط الصنم معبودهم وتحطم فطردهم أهلها خارج المدينة وأصبحت هذه المدينة خرابا

وهربت العائلة المقدسة من قرية قسقام واتجهت نحو بلدة مير غرب مركز القوصية، وقد أكرم أهلها العائلة المقدسة أثناء وجودها بالبلدة ومن مير ارتحلت إلى جبل قسقام حيث يوجد الآن دير المحرق .

وتمثل منطقة الدير المحرق، أهم المحطات التي استقرت فيها العائلة المقدسة حتى سمى المكان  (بيت لحم الثانى). يقع هذا الدير فى سفح الجبل الغربى المعروف بجبل قسقام نسبة إلى المدينة التى خربت و القريبة من القوصية التابعة لمحافظة أسيوط

ومكثت العائلة المقدسة ستة أشهر وعشرة أيام فى المغارة التى أصبحت فيما بعد هيكلا لكنيسة السيدة العذراء الأثرية فى الجهة الغربية من الدير ومذبح هذه الكنيسة حجر كبير كان يجلس عليه السيد المسيح وفى هذا الدير ظهر ملاك الرب ليوسف النجار فى حلم قائلا : “قم وخذ الصبي وأمه واذهب، فقد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي “

وفى طريق العودة سلكوا طريقا آخر انحرف بهم إلى الجنوب قليلا حتى جبل أسيوط المعروف بجبل درنكة، جنوب غرب أسيوط. ثم وصلوا إلى مصر القديمة ثم المطرية ثم المحمّة ومنها إلى سيناء ثم فلسطين حيث سكن القديس يوسف والعائلة المقدسة فى قرية الناصرة بالجليل

وهكذا انتهت رحلة المعاناة التى استمرت أكثر من ثلاث سنوات ذهابا وإيابا، قطعوا فيها مسافة أكثر من ألفي كيلو متر، ووسيلة مواصلاتهم الوحيدة ركوبة ضعيفة إلى جوار السفن أحيانا فى النيل وبذلك قطعوا معظم الطريق مشيا على الأقدام فكانت رحلة شاقة تحملها السيد المسيح وهو طفل مع أمه العذراء والقديس يوسف .

وقد نشرت جامعة كولون بألمانيا بردية أثرية ترجع إلى القرن الرابع الميلادي تتحدث عن فترة وجود السيد المسيح والعائلة المقدسة في مصر وقد كُتبت البردية باللهجة القبطية الفيومية، وتقول البردية “إن البركة قد حلت بمصر ” وأن شهر “بشنس” في التقويم القبطي والذى يعادل شهر الفترة من 9مايو حتى 7يونيو هو أكثر شهور السنة بركة .

رحلة العائلة المقدسة

الرحلة المقدسة والسينما

رغم أهمية تلك الرحلة للمسحيين فى العالم باعتبارها أنقذت “يسوع ” وأمه ” مريم العذراء ” من القتل على يد ملك اليهود فى رام الله ورغم أهميتها لمصر حيث جسدت تفاصيل الرحلة ومسارها عظمة الشعب المصرى ومعدنه الإنساني الثمين والنادر رغم كل ذلك فلم نرى عملا فنيا يليق بذلك الحدث الكبير .

اهتمت السينما العالمية بالجزء الأخير من حياة السيد المسيح والذى يتضمن تعذيبه وصلبه بينما مرت سريعا على مرحلة طفولته وهربه بصبحة أمه إلى مصر منذ فيلم “حياة وعذاب المسيح” عام 1897 من إخراج الأخوين “لوميير” حتى ” السيد المسيح ” 2004

وانحصر تناول تفاصيل رحلة العائلة المقدسة على عدد من الأفلام الوثائقية والقصيرة التى سيطر عليها الطابع التسجيلي وأضر بها الإنتاج المتواضع واقتصارها على جمهور الكنيسة من أقباط مصر .

ومؤخرا قامت كنيسة دير الشهيد مار جرجس للراهبات بمصر القديمة بإنتاج فيلم من إخراج بيتر ميمي، وكان التعليق الصوتى للفنان ماجد الكدوانى .

الفيلم فى 46 دقيقة، يعتمد على البحث فى نفائس المخطوطات، ومأثورات آباء الكنيسة فى قرون مختلفة، وكتب التاريخ، والشواهد الأثرية، وسجل محطات رحلة العائلة المقدسة من الأماكن الأصلية التى مرت بها فى حرفية فنية عالية .

مشروع لم يكتمل

فى عام 2009 وبعد اتفاق مع الماكيير “محمد عشوب ” منتج الفليم  انتهى الكاتب ” يوسف غالى ” من سيناريو فيلم بعنوان “المسيح ” ليكون أول عمل روائي مصري يروي تفاصيل رحلة العائلة المقدسة إلا أن المشروع تعرض لمعوقات وعراقيل منعت تنفيذه .

و فى 2014 رحل الكاتب فايز غالى ويبقى هذا العمل حبيس الأدراج، ويترك المهمة الثقيلة لتحويله إلى فيلم سينمائى عالمي، لابنه الإعلامى والممثل فادى غالي الذى بدأ صراعًا جديدًا داخل أروقة المحاكم، حتى انتزع فى النهاية 4 أحكام قضائية تؤكد ملكية والده للسيناريو، وحق الورثة فى تنفيذ السيناريو وتحويله لعمل فني

وظل الفيلم يواجه تلك الأزمة، وتتلقفه أيادى المنتجين من هنا وهناك، وفى كل مرة يتوقف المشروع ويتحول إلى حلم صعب المنال، إلى أن تصدى المخرج المصرى الشاب هشام عبدالخالق، الذى يعيش فى فرنسا لهذا الأمر وتعاقد بالفعل مع المنتج البلجيكى والنجم العالمى جون لوك فان دام، للمشاركة فى الإنتاج، كما تعاقد مع شركة فادى غالى للشراكة أيضًا فى العملية الإنتاجية بعد أن تغير اسم الفيلم ليصبح “المسيح وآخرون ” ومازال حلم ” غالى “صعب التنفيذ حتى الآن.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock