فن

حالمون ومحبَطون.. نجاة علي: حرمها الغناء من طفولتها .. فتركته على أعتاب مجدها (٤)

كان يمكن  لنجاة علي صاحبة الموهبة  الغنائية المتفردة والمتفجرة أن تصبح  المطربة الأكثر شهرة ونجومية وجماهيرية بعد أم كلثوم مباشرة ، ذلك أنها امتلكت إمكانيات  هائلة  من حيث الصوت ومساحته وقراره وجوابه للدرجة التي دعت أم كلثوم بكل عظمتها إلى الإعجاب بها  وإعلان انحيازها لصوتها  في أكثر من مناسبة ،  لكن نجاة علي نفسها لم تكن تمتلك القدرة  الكافية على استثمار تلك الموهبة المتدفقة التي حباها الله بها أو لم تكن تريد

طفلة معجزة في الغناء

كانت موهبة الطفلة الصغيرة نجية علي أحمد صيام المولودة في قرية بردين بمحافظة الشرقية عام 1913 لأب  كان يعمل موظفا بسيطا  موهبة طاغية منذ سنواتها الأولى وكانت معروفة في قريتها وما جاورها من قرى بصوتها الجميل وغنائها الشجي الذي كان يتعجب له أهلها وأبناء قريتها والقرى المحيطة بها ، وقد انتقلت مع أسرتها إلى  مدينة دكرنس بالدقهلية حيث عمل والدها ناظر زراعة هناك لمدة ثلاث سنوات ، وقدر لها وهي طفلة أن تلتقي بأم كلثوم وجها لوجه وأن تستمع لها في إحدى حفلاتها في قرية ميت ظريف المجاورة لدكرنس ، وفي عمر العاشرة عادت نجية مرة أخرى لقريتها بردين ، وكثيرا ما كان غناؤها مثار حديث أهل قريتها والقرى المجاورة الذين   استولت على آذانهم  تلك الطفلة الموهوبة في الغناء التي   تشبه أم كلثوم في طفولتها .. وفي ذلك الوقت كانت العائلة الأباظية بمحافظة الشرقية تستقدم مطربين ومطربات من القاهرة لإحياء حفلات وليلي غنائية ، وكانت الطفلة نجية تشارك بالغناء فيها ، وفي إحدى الحفلات التقت نجية بالمطربة فتحية أحمد التي أعجبت بصوتها ونصحتها بضرورة الذهاب للقاهرة .. في تلك الحفلة رافق فتحية أحمد  أحد الموظفين بشركة أوديون يدعى محمد سعيد .. انبهر هو الآخر بالطفلة الصاعدة ولما عاد إلى القاهرة أبلغ شركة أوديون  بأنه عثر على موهبة غنائية لا مثيل لها وأرسلت الشركة في طلب الطفلة نجية  واستأجرت لها  ولأسرتها شقة متواضعة  لتبدأ مسيرة مطربة   ذات إمكانيات صوتية وطربية  استثنائية

  بدلا من نجية أصبح الاسم الفني للطفلة النابغة هو نجاة  وعهدت شركة أوديون إلى كل من داوود حسني وصفر علي  بتعليم نجاة علي دروسا يومية في الموسيقى والغناء صقلت موهبتها ورسمت لها معالمها الغنائية فصارت الموهبة الفطرية مسلحة بالعلم والتعليم والفهم الصحيح لقواعد الغناء

واتفقت الشركة مع  نجاة  على أن تسجل لها عشرة اسطوانات كل عام لمدة اربعة أعوام كاملة مقابل عشرة جنيهات عن الاسطوانة الواحدة وسجلت نجاة اول اسطوانة  بعنوان سر السعادة من كلمات حسين حلمي المانسترلي الذي كان شديد الحماس لتبني موهبة نجاة ومن ألحان محمد القصبجي

وحققت الاسطوانة الأولى نجاحا كبيرا شجع الشركة على التمسك بالتعاقد مع نجاة علي  التي كانت قد بدأت تحقق شهرة وذيوعا   بعد أن أدرك الجميع  أنها تتمتع بصوت ساحر له حضوره  الخاص ، وفي  الحادي عشر من أبريل عام 1929 أحيت نجاة أولى حفلاتها الغنائية الكبرى بحديقة الأزبكية وهي  صبية صغيرة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها .. وقد شجعها على إحياء تلك الحفلة التي أضافت نجاحا جديدا لها المثال الشهير محمود مختار الذي أكد لها أنها ستحقق مكانة عظيمة في عالم الغناء اذا  رعت موهبتها ووجدت من يساعدها ويقف بجوارها  وفي الحفلة غنت نجاة مونولوج سر السعادة من  ألحان ىالقصبجي  ودور حسن الجميل لداوود حسني  ودور  حقك أنت المنى والطلب للشيخ أبو العلا محمد ورافق نجاة علي في تلك الحفلة تخت موسيقي عظيم   تصدره كل من رياض السنباطي كعازف عود وفاضل الشوا كعازف كمان  وحققت الحفلة نجاحا هائلا ومنها انطلقت الفتاة الصغيرة كمطربة معروفة  وانضمت كمغنية إلى محطة فؤاد الأول  لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها

مطربة الريف

كانت نجاة علي تمتلك  صوتا عذبا رقيقا مرنا يطاوعها في الانتقال بين المقامات كما تشاء  وفي نفس الوقت هو صوت قوي يقارب بين القرار والجواب ..  فقد كانت حنجرتها قوية  سليمة ونطقها للكلام أثناء الغناء صحيحا ولذلك كانت تبدع في الحفلات  التي    يتاح لها فيها الوقت الكافي للغناء والسلطنة ذلك أن صوتها كان واسع المساحة  قادرا على أداء القوالب الغنائية المختلفة لذلك كانت نجاة تبدع كثيرا في حفلاتها التي تقام في الريف حيث لا وقت محدود وحيث  لا أماكن ضيقة فقد كان البراح في المكان والزمان يطلق حنجرة نجاة على بأعذب  وأروع وأشجى الغناء لذلك أطلق عليها “مطربة الريف”.. وقد قالت نجاة علي في حوار نادر لها لمجلة الكواكب  عام 1980 إن ” الغناء القديم كان يمتاز بالصوت القوي لأنه لم يكن هناك ميكروفون مثل الآن ، وكان الصوت القوي يصاحبه حسن التصرف والذوق ، والمطرب كان يغني في شادر به آلاف المستمعين من غير ميكروفون، وفي أغلب الأحيان كان الفجر يطلع وما زال يغني على المسرح .. نجاة علي أعربت في ذلك الحوار النادر عن إعجابها بغناء  ليلى مراد وأسمهان وبأصوات  حورية حسن وعائشة حسن وسعاد مكاوي وعن إعجابها الشديد بصوتي ْ  سعاد محمد ومحمد قنديل ورأت أنهما لم ينالا ما يستحقانه من مجد غنائي لأن سعاد شغلت بحياتها العائلية ومحمد قنديل ليس له علاقات في  الوسط الفني  كما أعربت عن عدم تقبلها  لموسيقى وغناء الفرق الموسيقية الجديدة  التي انتشرت آنذاك وانتقدت اعتمادها على موسيقى الجاز الغربية .. وهذه المطربة “نجاة علي” التي لقبوها بمطربة الريف كانت تذهب إلى أحد النوادي بمصر الجديدة لتمارس لعبة التنس وكانت  تمارس رياضة المشي يوميا لتحافظ على صحتها ولياقتها وكانت تقود سيارتها ، وتحرص على زيارة المدن الأوربية الكبرى مثل باريس ولندن وقد عرض عليها في لندن التي أقامت بها أربعة أشهر في إحدى زياراتها لها  أن تتعلم الغناء الغربي  لكنها رفضت هذا العرض وتلك الفكرة رفضا تاما ..

كثير من الغناء قليل من السينما

بدأت نجاة علي تحقق شهرتها الفنية على نطاق واسع حين  شاركت محمد عبد الوهاب بطولة  ثاني أفلامه ” دموع الحب بناء على ترشيحه لها عام 1935  و الذي قام فيه عبد الوهاب بدور سائق لأحد البشوات يقع في غرام ابنة شقيق الباشا  التي أدتها نجاة  بشكل رائع ويكتشف أن الباشا يقوم بسرقة ابنة شقيقه ويريد تزويجها لابنه ويتصدى السائق له  وفي النهاية ينتصر الحب ويجتمع الحبيبان ، وفي هذا الفيلم غنت نجاة  مع عبد الوهاب ديالوج  “ما أحلى الحبيب” و وديالوج  صعبت عليك من كلمات أحمد رامي وألحان عبد الوهاب

وفي عام 1938 شاركت نجاة    المطرب عبد الغني السيد  بطولة فيلم شئ من لا شئ وغنت فيه  عددا من الأغاني  التي كتبها بديع خيري ولحنها زكريا أحمد ثم شاركت المطرب محمد أمين بطولة فيلم  “حب من السماء ” عام 1943  ثم شاركت حسين صدقي بطولة فيلم الحظ السعيد عام 1945  إخراج فؤاد الجزايرلي وفيه وضح نضجها الفني وقدراتها الغنائية وغنت عددا من الأغنيات الرائعة كانت كلها من تأليف أبو السعود الإبياري فغنت شفت الهنا من  ألحان محمد القصبجي و والحظ السعيد الحان محمود الشريف وأغنية اللي واعدني ألحان فريد غصن وأغنية يا دنيا فين النصيب  ألحان رياض السنباطي  ويافرحة قلبي ألحان فريد الأطرش  ولنا أن نتخيل قدر الإبداع الفني لنجاة وهي تتغنى في فيلم واحد  على ألحان كل هؤلاء الكبار ثم قامت نجاة علي ببطولة فيلم  الكل يغني عام 1947  مع محمد سلمان وكاميليا من إخراج عز الدين ذو الفقار وفيه شاركت لأول مرة الطفلة نجاة حسني وتمييزا لها عن نجاة علي  أطلقوا عليها نجاة الصغيرة ولم تكن نجاة على تتخيل أن نجاة الصغيرة ستصبح واحدة من كبيرات الأغنية العربية وأنها ستفوقها شهرة ونجومية أما آخر أفلام نجاة علي فكان فيلم الشاطر حسن مع سراج منير وإخراج فؤاد الجزايرلي

وقد شاركت نجاة  في إحياء الحفلات التي كانت  تنظمها الإذاعة المصرية  مع  أم كلثوم و محمد عبد الوهاب وصالح عبد الحي  وفتحية أحمد كما غنت في افتتاح إذاعة الشرق الأدنى ضمن وفد مصري رسمي برئاسة مصطفى رضا  مدير الإذاعة المصرية آنذاك

وقد غنت نجاة علي ما يقرب من 400 أغنية  منه العش المهجور التي اشتهرت ب ها نساك ومش فاكراك ونصيبي كدة  ودموع وآهات ويوم الوداع ويا نديم الروح ويا نحيف القوام ويا قلبك  يا قلبك  ووأنا أحبك وانت ليه ما تحبنيش وازاي يطاوعك قلبك وتصدق اللى قالوه والأولة حبيته واتمخطري يا حلوة يا زينة  وسجلت حوالي 90 اسطوانة غنائية

اعتزال قبل الأوان

وهكذا كان لنجاة علي  حصيلة سينمائية قليلة لكنها حققت رصيدا عظيما من  الأغاني كان قابلا للزيادة  الكبيرة لولا أنها  قررت في أوائل الخمسينيات و بعد أن تجاوزت عامها الأربعين بقليل أن تعتزل  وتنسحب وتودع الحياة الفنية وتترك العيش ىفي القاهرة لتقيم بالأسكندرية بعد  رحلة غنائية ناجحة جدا شهدت لها أم كلثوم حين  قررت نقابة المهن الموسيقية تكريمها بمناسبة حصولها على لقب صاحبة العصمة فاشترطت كوكب الشرق أن تحيي نجاة علي حفل تكريمها ..وهي شهادة عظيمة و شرف كبير من سيدة الغناء العربي لنجاة.. فلماذا إذن اعتزلت نجاة ولم تكمل مشوارها وآثرت الإنزواء والاختفاء وتركت مكانها المرموق  على أعتاب صدارة نجمات الغناء في عصرها إلى حيث صارت مطربة معتزلة لا يتوقف  عندها تاريخ الغناء بما يليق بموهبتها ؟ وكان يمكنها الغناء لمدة لا تقل عن عشرين أو ثلاثين عاما أخرى قياسا على قدراتها الصوتية الفريدة

الشاهد أن نجاة علي تعاملت مع الفن والغناء يمنطق هاوية محبة وليس بمنطق محترفة ترى أن الغناء هو مهنتها وحياتها  فلم تكن لديها رغبة مؤكدة في احتراف الفن والغناء وربما يعود السبب الرئيسي لهذا الأمر إلى أن نجاة بدأت طريق الغناء مبكرا جدا وهي طفلة صغيرة لا تتجاوز السابعة من عمرها فهي لم تعش طفولتها على أي مقياس ولم يساعدها أحد من أسرتها أو أهلها على التعايش مع كونها طفلة فنانة  تتمتع بصوت استثنائي بعكس ما حدث قبلها مع أم كلثوم حيث كان أبوها وشقيقها لا يفارقانها  ويساندانها في كل  حياتها الغنائية ولهذا كانت نجاة علي تفضل حين كبرت الحياة الأسرية المستقرة بعيدا عن الأضواء التي جاءتها مبكرا قبل الأوان وربما كان من أهم ما احبطها وجعلها تسحب هو أنها كانت ترى الساحة الفنية قد تغيرت وتبدلت للأسوأ وأن أهل الفن لم يعودوا كما كانوا ..

تزوجت نجاة علي ثلاث مرات أولها استمرت خمس سنوات من الضابط مهندس أنيس الطوبجي وأنجبت ابنها ممدوح   والثانية من الأمير فؤاد الأطرش شقيق فريد وأسمهان واستمرت الزيجة سبع سنوات وانتهت بالطلاق بعد اصرار نجاة على عدم الانجاب و الثالثة من المهندس فايق السيوفي وانجبت ابنها الثاني محمد و قد تمت الولادة بعملية قيصرية وهذه العملية يمكن أن تؤثر على الصوت وتجعل نفس السيدة التي تجرى لها قصيرا خاصة أن  هذا النوع من العمليات كان في بداياته آنذاك في مصر وكان صعبا جدا

كانت هناك محاولات بسيطة لإعادة  نجاة للغناء مرة أخرى واستجابت مثلا لطلب يوسف السباعي بأن تغني للسد العالي في  نهاية الخمسينيات مع البدء في تنفيذ المشروع كما عادت للغناء  مرة أخرى عبر مسرحية ياسين وبهية من إخراج كرم مطاوع عام 1965 ..قد رحلت نجاة علي في السادس والعشرين من ديسمبر عام 1993 عن عمر ناهز الثمانين عاما

اعتزلت نجاة علي وهي على أعتاب مجد فني كبير فأضاعت على نفسها فرصة ذهبية في تاريخ الغناء المصري والعربي ربما لأنها لم تدرك أن موهبتها كانت قادرة على تحدي الزمن وعلى التصدي لرغبتها القوية في أن تعيش حياة هادئة لم تنعم بها منذ كانت طفلة في السابعة من عمرها

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: