فن

محمود حميدة …. “الطاووس ” الذى أحب السينما

فى حقبة الثمانينيات من القرن العشرين كانت السينما المصرية يتصدرها عدد من نجوم “الشباك ” يملاؤن السمع والبصر ويمثلون مدارس متبانة فى فن التمثيل واستقرت الأمور على هذا النحو سنوات طويلة بعد أن تراجع عدد من ممثلى فترة السبعينيات الذين سيطروا على أدوار البطولة فى معظم الأعمال كان أبرزهم ” محمود ياسين “

فى تلك الأثناء كانت السينما على موعد مع موجة جديدة عرفت بالواقعية الجديدة أو الوقعية السحرية على يد عاطف الطيب ورافت الميهي وخيرى بشارة

وكان لهذا الجيل أبطاله حيث جلس عادل إمام متربعا على قمة النجاح الجماهيرى بالإضافة إلى نور الشريف ومحمود عبد العزيز أما ” أحمد زكى ” فقد استطاع أن يكسر القواعد التقليدية المستقرة لنجم “الشباك ” ويقفذ ببشرته السمراء وشعره المجعد نحو صدارة المشهد

بدايات واعدة

كان الشاب ” محمود حميدة ” يخطو بقوة نحو عالم التمثيل يمتلك مقولات دفعت البعض يشبهه بالراحل “رشدى أباظه ” ,لفت الأنظار بقوة في عام 1986 عندما أسند المخرج التليفزيوني أحمد خضر إليه دور البطولة في مسلسل تليفزيوني هو ” حارة الشرفا ” وكان قبل ذلك بسنوات قدم دورا فى مسلسل ” أحمد بن ماجد ” عام 1980

لم يكن من من السهل على وجه آخر اختراق هذا العالم شبه المغلق بعد أن كان أحمد زكى أخر الوجوه التى اقتحمت عالم الكبار ويتمكن “حميدة ” من فرض وجوده خطوة تلو الأخرى .

ثم جاء دوره المميز فى مسلسل ” الوسية ” للمخرج إسماعيل عبد الحافظ عام 1990 والذى حقق نجاحا كبيرا بمثابة بوابة مرور نحو العمل فى السينما

مولده ودراسته

منذ أيام وفى 7 ديسمبر احتفل “محمود حميدة بشمعته السابعة والستين قضاها عاشقا للتمثيل وراهبا فى محرابها وتنوعت طرق تعبيره عن عشقة من التمثيل إلى الإنتاج أو الصحافة الفنية مرورا بالتثقيف والتدريب الفنى

لكن حميدة الذى يمتاز بقدر كبير من التصالح النفسى والوضوح والقدرة على التعبير عن أفكاره بكل جراة ظل دائما ممثل وفنان مختلف سواء فى أدئه التمثيلى الذى يغوص فى التلقائية والبساطة فى الآداء فلم يسقط يوما فى مبالغات أو إدعاء فنى .

هو ممثل لا يخطئه العقل ولا تغيب عن المتابع له ثقافته الموسوعية وحرصه الدائم على التعلم والإنفتاح على عوالم متعددة .

في عام 1970 التحق بكلية الهندسة واستمر بها 7 سنوات وفشل في دراسة الهندسة ثم غير مساره التعليمي ليلتحق بكلية التجارة وكان عضوا بفريق التمثيل بالكلية إلى أن أتم دراسته الجامعية بعد تخرجه من الجامعة عام 1981 التحق بإحدى الشركات العالمية بإدارة المبيعات وفي نفس الوقت مارس أيضا التمثيل والرقص من خلال فرق الهواة .

فى السينما استطاع أن يخلق “حميدة ” لنفسه مساحة خاصة ومكانة لا ينافسه فيها أحد فالإضافة لامتلاكه مقومات دور البطولة من حيث الشكل والوسامة فقد امتلك حميدة حضورا طاغيا على الشاشة جعله يتمكن من مجاراة نجم بحجم أحمد زكى فى سرقة الكاميرا فى أحيان كثيرة .

من التلفزيون إلى آفاق السينما

وكانت بداية ظهوره فى أدوار البطولة عام 1986  مع المخرج أحمد فؤاد فى فيلم الأوباش  مع يحيى الفخرانى وميرفت أمين ثم جاءت خطوات مهمة فى مسيرته منذ عام 1990عندما وقف أمام “أحمد زكى ” فى فيلم “الإمبراطور ” للمخرج طارق العريان والذى يعد البداية الحقيقة لنجم كبير يمتلك أدواته الفنية باقتدار

وفى العام 1991 شارك مع النجم “عادل إمام ” فيلم “شمس الزناتى ” كما قدم فى نفس العام احذروا هذه المرأة وعصر القوة والغرفة 12 وكيد العوالم والمساطيل

لكن العام 1993 كان فارقا فى مسيرة ” حميدة ” بالسينما حيث عاد للعمل مع أحمد زكى وقدما فيلم الباشا والذى يعد واحدة من محطاته الفنية المهمة من حيث الانتشار والجماهرية كما شارك حميدة فى أفلام يوم حار جدا وبوابة إبليس وإنذار بالطاعة الثعالب وديسكو ديسكو وفرسان آخر زمن والغرقانة واللعب مع الأشرار وفارس المدينة ومجانينو والذئب

سينما مختلفة

ولعل الانتشار الواسع الذى حققه حميدة فى مطلع تسعينيات القرن العشرين قد مكنه مستعينا بوعيه العام وثقافته السينمائية من تقديم أعمال تمثل علامات مضيئة فى مسيرتنا الفنية

ففى في عام 1996 قام بتأسيس شركة البطريق للإنتاج الفني والخدمات السينمائية بحثا عن تقديم أعمال مختلفة بلغة سينمائية أخرى لم يكن سوق الإنتاج يساعد على إنتاجها و قدمت الشركة العديد من الأعمال الفنية سواء من إنتاجها الخاص، أو القيام بأعمال المنتج المنفذ لجهات فنية أخرى. ويعتبر فيلم “جنة الشياطين” إخراج أسامة فوزى 1999

والذي قامت الشركة بإنتاجه من أهم الأعمال السينمائية التي أنتجت في مصر والذي اعتبره النقاد واحدا من أهم مائة فيلم منذ قيام صناعة السينما في مصر حتى يومنا هذا، وقد نال العديد من الجوائز في مختلف المهرجانات التي شارك فيها وجسد “حميدة ” شخصية رجل ميت  “طبل ” ومن المعروف أنه اضطر للتضحية بأسنانه لخدمة هذا الدور الإستثنائى فى مسيرته الفنية

كما قدمت الشركة عام 2005 فيلم “ملك وكتابة ” للمخرجة كاملة أبو ذكري والذى حصد العديد من الجوائز وقدمت فيلم “جمال عبد الناصر” إخراج أنور القوادرى وبطولة ” خالد الصاوى ” 1998

والفيلم تسجيلى “جلد حىّ” إخراج فوزى صالح 2010 حصل على عدة جوائز وعرض في أكثر من مهرجان دولي، ويعتبر أول فيلم تسجيلى مصري يباع على أقراص مدمجة للجمهور

وساهمت الشركة في مشروع الشباب مع الوكالة الألمانية للتعاون الفنى ووزارة التخطيط لدعم المواهب الفنية وإنتاج مسرحية “ألوان رقع بقع” 2002

 ونتيجة ولع “حميدة ” بالشاعر فؤاد حداد واهتمامه الكبير بتراثه الشعري فقد قامت الشركة بإنتاج عددا من الأمسيات الشعرية للشاعر الكبير “فؤاد حداد” بتكوين فرقة عمل كاملة لتقديم تلك الأمسيات بدار الأوبرا ومعرض الكتاب الدولي ومكتبة الإسكندرية .

محطات فارقة

فى عام 1994 كان محمود حميدة على موعد مع المخرج “خيرى بشارة ” فى تقديم شخصية شديدة التفرد والإبداع وهى “حمادة السوهاجى ” فى حرب الفراولة وهو أحد روائع بشارة وكشف مبكرا عن موهبة “حميدة ” الكبيرة ومتعددة الجوانب  فى نفس العام استعان المخرج الكبير ” يوسف شاهين ” بالفنان محمود حميدة فى فيلم ” المصير ” وكان هذا هو أول تعاون بين كل منهما والذى تواصل فيما بعد من خلال فيلم ” المهاجر ” وفيلم ” الآخر ” و “اسكندرية نيويورك “

وكان التعاون بينهما مختلفا عن شكل التعاون بين “جو ” وبين أبطال أعماله ويعتبر “حميدة “أحد القلائل الذين استطاعوا الإفلات من سطوة “جو ” على الممثل ولم يسقط فى هيمنة المخرج الكبير على آدائه وتحرر تماما من تلك السطوة فلن تجده يتحدث على طريقة شاهين كما حدث مع عدد من النجوم من بينهم ” نور الشريف ” نفسه إضافة إلى آخرين ليس منهم محمود المليجي أو محمود حميدة

وفى عام 1996 قدم حميدة واحد من أهم أعماله وهو ” عفاريت الأسفلت ” مع المخرج “أسامة فوزى” ثم التقيا فى رائعة “باحب السيما ” عام 2004 هذا الفيلم الذى أثار جدلا واسعًا قبل وبعد عرضه وتعرض لهجوم عنيف من جانب بعض المسحيين ورفض حاد من الكنيسة المصرية ولم يتردد “حميدة ” فى الدفاع عن العمل بقوة وجسارة

وتعتبر تجربة “حميدة – فوزى ” هى التعبير الواضح عن سينما مغايرة وهى التى سعى إليها الممثل ووجد فى المخرج الراحل ضالته وكان التعاون بينهما خلاقا

ومن أهم محطات حميدة أيضا تجرية ” تلك الأيام ” عام 2010للمخرج أحمد غانم عن رواية بنفس الاسم للكاتب ” فتحي غانم”

صناعة الوعى

وبدافع حرص “حميدة ” على التَعلم دائما والإستفادة من خبرات العالم فى فن التمثيل أسس في عام 1996 قام استوديو الممثل مستعيناً بأهم المختصين لجعل هذا الاستوديو كمركز لتدريب وصقل المواهب الشابة إيمانا منه بضرورة امتزاج الموهبة والمنهج العلمي ليكون نتاج هذا تمويل هذه الصناعة بهذه الكوادر الفنية والمؤهلة وذلك لمسايرة التطور السريع والهائل لهذه الصناعة في أوروبا وأمريكا وبلدان العالم المختلفة.

   ويعتبر “حميدة ” الممثل الوحيد الذى انشغل بنشر الثقافة السينمائية واهتم بالجانب النظرى والبحثى حول الفن السابع وهذا ما دفعه لخطوة جريئة فى عام 1997 وهى تأسيس وإصدار مجلة “الفن السابع” وهي أول مطبوعة عربية سينمائية متخصصة بصناعة السينما في الشرق الأوسط. والتى تعتبر من أهم المراجع النظرية وأرشيف تاريخى الأعمال سواء كانت محلية أو عالمية .

“محمود حميدة ” ممثل متصالح مع نفسه تماما واضح بشدة إلى درجة قد تزعج البعض لكنه يدرك بوعي حكمة الزمن ودور التاريخ لذلك تجده لا يعانى من عقد النجوم عندما يتقدم بهم السن ويصبحون غير قادرين على تقديم دور الفتى الأول وقد ضرب “حميدة ” مثالا فى تعاونه مع الأجيال الشابه ليس بحثا عن فرص للعمل بل إيمانا راسخا لديه بأن هذه هى طبيعة الأمور وقدم أعمال عديدة مع شباب السينما المصرية مثل أحمد حلمى وأمير كرارة وتامر حسني وغيرهم

وفى الدراما التلفزيونية قدم “حميدة ” عدد من الأعمال منها “الأب الروحى ” و”أبيض واسود ” ومؤخرا قدم مسلسل لما كنا صغيرين ” وتبقى تجربة “حميدة ” فى الدراما التلفزيونية أقل كثيرا من حجم موهبته ومن عطائه فى السينما

ويمثل “محمود حميدة ” برؤاه التقدمية المستنيرة وثقافته المميزة وقناعاته التقدمية وامتلاكه مرونة ذهنية نادرة وتفاعل لا يتوقف مع المتغيرات

إضافة إلى موهبة قادرة على تطوير إمكانياتها دائما . كل ذلك جعل منه نموذجا فريدا للممثل المعجون بالفن والطاووس الذى عشق السينما لدرجة الولع .

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock