رؤى

هارون الرشيد و التاريخ المغلوط

مقدمة

يعتبر هارون الرشيد من أكثر الخلفاء الذين تعرض تاريخهم للتشويه و التزوير ،فهو من أكثر الشخصيات الإسلامية إثارة للغط و الجدل. وقد ارتبط اسمه في أذهان العامة من الناس بحكايات ألف ليلة و ليلة ،كما اقترن اسمه باللهو والمجون والخمر والجواري والقيان. ولقد عمد المستشرقون و المستهترون و الأعداء إلى تشويه صورة الرجل الذي أذل كبرياء أجدادهم و غاظهم بفتوحاته و شدته على المخالفين لسنة النبي صلى الله عليه و سلم. ولعلنا نشير هنا إلى أن الغرض النهائي لهولاء هو تشويه الخلافة الإسلامية ،وتشويه الدين الإسلامي نفسه.ومثل هولاء الحاقدين على التاريخ الإسلامي و الخلافة الإسلامية قد تلقفوا روايات أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب (الأغاني) وأخرجوها في أعمال درامية جعلت هارون الرشيد سكيرا وعربيدا و أراجوز تتلاعب به الغواني.حاول هؤلاء تشويه صورته الحقيقية و الافتراء عليه وأنه بمجرد ذكر اسم هارون الرشيد إلا و ذكرت الخلاعة و الفجر و المجون و معاقرة الخمر و القصور و الضياع و البساتين . فهل كان حقا هارون الرشيد كما يدعي هولاء و أمثالهم من الحاقدين و الأعداء ،أعداء الإسلام ؟ هل هو فعلا بطل ألف ليلة و ليلة و شهر زاد و ليالي بغداد؟ هل هو الخليفة الفاسق الفاجر الذي لا يجالس إلا الجواري و الغلمان و لا يعاقر إلا الخمر؟ وصار اسمه مقرونا بالملذات باحثا على المتعة سواء كانت حلال أم حرام؟ هل هو سيد الليالي الحمراء ،وأمير العشاق الذي يغلبه سلطان الهوى و النزوات ؟ الإجابة لا و ألف لا ما يذكره التاريخ المحايد عن هارون الرشيد عكس تلك الصورة القاتمة الباهتة المجحفة. لقد كان رجل دولة عظيم  ،يواجه قوى غاشمة ،ويحمل رسالة طاهرة،وصلت الدولة الإسلامية في عهده إلى أزهى عصورها في الدعوة و نشر الدين  و الأعمار و الثراء. عصره هو الذي اكتملت فيه أزهى عصور الدولة العباسية من ناحية كل مظاهر العظمة و القوة و المجد و الهيبة و الاستقرار.فهو الخليفة الذي كان يحج عام و يغزو عام. ولعلنا نشير إلى شهادة الغربيين عن هارون الرشيد وهي شهادة (ريتشارد كوك) قال حظي هارون الرشيد بصيت عريض قل أن سجله التاريخ لغيره من الملوك و السلاطين.كما قال السيوطي أن أيام هارون الرشيد كانت كلها أيام خير و كانت في حسنها أعراس .

كتاب الاغاني
كتاب الاغاني

عبادته و زهده

 كان هارون الرشيد ورعا يخاف الله يبكي عند ذكر الموت. ذكر الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد أن هارون الرشيد كان يصلي في اليوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا. كما كان يتصدق كل يوم من ماله الخاص بألف درهم ،وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء و أبنائهم ،وإذا لم يحج احجج في كل سنة ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة و الكسوة الظاهرة. قال منصور بن عمار ما رأيت أغزر دمعا عند ذكر الله من هارون الرشيد. كما كان هارون الرشيد يحب العلماء و يعظم حرمات الله و يبغض الجدل . قال القاضي الفاضل في بعض رسائله ما أعلم أن لملك رحلة في طلب العلم إلا الرشيد فأنه رحل بولديه الأمين و المأمون لسماع الموطأ على مالك.

عصر الرشيد أزهى العصور  يعتبر عصر هارون الرشيد أزهى العصور بلغت الفتوحات مداها شرقا و غربا ، وشمل الرخاء أنحاء الإمبراطورية الإسلامية،وعم الخير الوفير. إلى حد قال هارون ذات يوم مخاطبا سحابة أمطري حيث تشائين فخراجك سيأتي لي،وهذا دليل على اتساع ملكه و فتوحاته. فقد كانت حكومة الرشيد مهيبة الجانب في الداخل و الخارج ،وشاعت العدالة بين الناس،واتصلت بغداد بتجارة واسعة مع بقاع العالم التي كانت مرموقة في ذلك الحين. ويمتاز عصر هارون الرشيد في الحكم أنه بالإضافة إلى حماية رعيته و توفير الأمن و الأمان و الاستقرار أنه أحدث تقدم هائل في المدنية و الحضارة في جميع الفنون و الآداب و العلوم،ووصلت بغداد إلى قمة العظمة و الأبهة و التقدم في العلوم و العمارة،شاهد على ذلك بيت الحكمة منارة العلم في ذلك العصر. و قد تألقت بغداد في عصر هارون الرشيد في المباني و العمارة و في الفنون و الآداب. هذا هو هارون الرشيد التقي السخي مرهف الحس ،رقيق القلب قوي العزيمة الذي يحب في الله و يبغض في الله و أقام دولته على الحق و العدل فسما ملكه و ذاع صيته و دانت له الأرض.كما شاع في فترة حكمه التسامح الديني و التعايش السلمي بين جميع الطوائف الإسلامية.

أكاذيب و افتراءات لا أساس لها  لعل من أشهر الافتراءات على هارون الرشيد تلك التي روج لها أعداءه  هي كثرة الغلمان و الخدم في قصور هارون الرشيد و أنه كان يمارس معهم الرذيلة. وتلك فرية عظيمة و كذبة واهية كذبها المؤرخون المنصفون. لأن الخدم و الغلمان بصفة عامة كانوا منتشرين في العصر العباسي الأول و الثاني،يتم جلبهم من صقلية و تركيا و الأصقاع المفتوحة، ومع ظهور حركة الزندقة التي كانت تدعو إلى الفسوق و المعاصي زاد استخدامهم ،فهو أمر شائع لم يأتي به هارون الرشيد. أيضا كذب المؤرخون تلك الفرية عليه و أرجعوها إلى البرامكة أعداء هارون هم الذين رموه بها و هم منها برئ،وذلك للانتقام منه . كيف هذا الافتراء برجل يجالس العلماء و الشعراء و الفقهاء. فكان يجالس أبو العتاهية من الشعراء،والأصمعي في اللغة ،وأبو يوسف تلميذ أبو حنيفة في الفقه،والواقدي في التاريخ. فهل يعقل برجل كهذا ينحط إلى الدنايا من الأفعال.أيضا اتهامه بمعاقرة الخمر و اتهامه بالسكر و العربدة. لقد دافع عنه في هذا القول أبن خلدون و قال فحاشا له ما علمنا عليه من سوء.

صفوة القول

 أن هارون الرشيد كان من أكثر الشخصيات في التاريخ الإسلامي تعرضا للافتراء و الكذب عليه،ولعل هذا راجع إلى أعداء الإسلام سواء في الداخل أو الخارج. لكن نظرة موضوعية حيادية أنه رجل دولة له ما له و عليه ما عليه، ليس قديسا و ليس فاجرا ، بل جمع بين ملذات الدنيا و نعيمها بحكم ما فاضت عليه الدنيا بنعيمها، و أيضا كان له نصيب و حظا من أعمال الآخرة و فعل الطاعات،ونحن لا نعصمه من الخطأ تماما، و لا نحط من شأنه تمام. بل نحاول أن ننظر له نظرة معتدلة متوازنة تجمع بين خير الدنيا و الآخرة. كما نحاول أن نضعه في سياق عصره و ظروفه الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية بدون إفراط و تفريط،كما فعل البعض حينما جعله فاجرا فاسقا، و البعض الآخر جعله قديسا لا يقترف الذنوب و المعاصي و كأنه قد عصم من ارتكاب الأخطاء. و هذا دائما خطأ المؤرخون أن ينظروا للشخصية من أقصى اليمين أو من أقصى اليسار يجب أن يكون فيه اعتدال و حكم بموضوعية  بعيدا عن التعصب سواء بالإفراط أو التفريط. هارون الرشيد في النهاية إنسان له ما له و عليه ما عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock