رؤى

الكتب العشرة المؤسِسَةُ للعنف (5): قولٌ على قول 

أثارت سلسلة مقالات “الكتب العشرة المؤسسة للعنف” نقاشا واسعا على بعض صفحات السوشيال ميديا ، وكان موقع “أصوات” قد نشر السلسلة مؤخرا والتي كتبها الدكتور كمال حبيب الباحث المرموق في العلوم السياسية وشؤون الجماعات الإسلامية،  وهو من أخبر الناس في هذا الحقل المعرفي وأكثرهم نزاهة ومصداقية.

 قدمت المقالات تحليلا عميقا للدور الهام الذي لعبته الأفكار، كتابا بعد كتاب، في تقديم التبرير الشرعي والفقهي  لحالة التوحش والتوسع في العنف والقتل من قبل هذه الجماعات طوال العقود الأخيرة، بداية من كتب المودودي ثم سيد قطب وصالح سرية  حتى كتب سيد إمام الشريف وما تلاها من كتب اعتمد عليها تنظيمي الجهاد وداعش وغيرها من التنظيمات العنيفة في تجنيد الكثير من شبانا حتى يومنا هذا.

مثّل هذا الاهتمام والجدل من قبل القراء حول الموضوع نوعا من الخرق الملفت لحالة العزوف العام عن النقاش الفكري، بما فيه ما يخص الإسلام السياسي عموما والحركات التي ترفع راية الدين لتبرير استخدام العنف ضد مخالفيها خصوصا.

واستجابة لهذا الاهتمام، سيوالي الموقع نشر عدد مختار من المقالات المهمة التي علقت على سلسلة د. حبيب، تأييدا أو اختلافا أو تصحيحا أو تطويرا من أجل المزيد من الفهم لهذه الظاهرة المعوقة لأى أمل في استعادة تماسك مجتمعاتنا واستئناف نهضتها المؤجلة.

ثم سننشر في النهاية تعليقاً ختامياً إضافياً للدكتور كمال حبيب كاتب السلسلة يستوعب ويتفاعل مع هذا الجدل وهذه التعليقات، ويضع رؤيته الخاصة كخبير في هذا الملف عن خطر هذه الكتب وانحرافها العقدي..
وهذا هو المقال الخامس في تلك التعليقات.. لـد.محمد عبدالله الشرقاوي


اعتزمتُ منذ مدة أن أكتب دراسة أكاديمية عن مؤلفات جماعات العنف التي وُصفت باطلا أنها( إسلامية )حيث إنه لا علاقة بينها وبين حقيقة الإسلام الذي هو في روحه وجوهره ( دين الرحمة )، وهوالذي رسالته مكرسة ، بل هي مقصورة – من أولها لآخرها – علي تأسيس الرحمة في هذا الوجود ( وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين).

قلت :لقد اعتزمت إنجاز بحث علمي عن فكر هذه الجماعات المسطور في كتبها ومنشوراتها ، ويشكل أدبياتها ؛ ذلك لأننا في قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم \ جامعة القاهرة معنيون بدراسة عموم المذاهب والفرق والاتجاهات والحركات ؛ قديمها وحديثها ، وقد نوقشت في القسم أُطروحة دكتوراه لباحث جاد ( هاني نسيره )درست حقيقة العلاقة بين فكر ابن تيمية وفكر هذه الجماعات المتطرفة ، وهل كان ابن تيمية حقا ملهما لها في توجهها نحو العنف والقتل وسفك دماء الأبرياء ، لكن الدكتور كمال حبيب – وهو كاتب مرموق متخصص في العلوم السياسية وعلم الاجتماع الديني وخبير بالحركات والجماعات – قد نشر على ( أصوات أُونلاين ) عددا من المقالات القصيرة عن هذه الكتب التي عنون لها ( الكتب العشرة المؤسسة للعنف ).

ابن تيمية
ابن تيمية

والحق أن كتابات الدكتور كمال حبيب جاءت رصينة موضوعية موثقة ، وقد استرعت نظري لأنها غطت الجوانب المهمة من الموضوع بمنهجية علمية سديدة ، كما أنه لفتنا إلى عناصر مهمة في هذه الكتب ، لكني لاحظت أن مقالات الدكتور كمال حبيب جاءت وجيزة غير وافية ، وعليه فإني أرجوه أن يتوسَّع في دراسة هذه الكتب وينشر حصيلة بحثه في كتاب  تشتد حاجتنا وحاجة الناس له ، وأحسبه سيفعل ذلك بحول الله.

مما يستوقفك في تلك الكتب عناوينها التي اختيرت بدقة لكي توهم المتلقي غير المتخصص بأنها كتب من صميم الفكر الإسلامي العقدي والفقهي .ومما يلاحظ على تلكم المؤلفات كذلك أن أصحابها يفتقرون إلى الرصانة المنهجية ، ويتسمون بالضحالة والسطحية والفجاجة ، وكثير من التناقض ، كما أن وِهاء استدلالاتهم وقياساتهم أمر مضحك مخجل ، ويُلاحظ أن هؤلاء الكتاب قد استدبروا حقائق الشرع الثابتة في أكثر ما ساقوه ،وأنهم قد انطلقوا من ( ظنونهم وأهوائهم )لتأسيس ( عقيدةٍ وفقهٍ للعنف والإجرام ( إنْ يتَّبعون إلاَّ الظنَّ وما تهْوى الأنْفُسُ )، فضلوا وأضلوا.

      كما أن هؤلاء المؤلفين لتلك الكتب المؤسسة للعنف ، قد اقتلعوا مصطلحات علمية صحيحة دقيقة ، كان قد سكَّها الفقهاء وعلماء العقيدة ، وحمَّلوها بمعان غريبة عجيبة لا تحتملها بحال من الأحوال ، وبثوها في تلافيف كتبهم .

إدارة التوحش - محمد خليل الحكايمة
إدارة التوحش محمد خليل الحكايمة أحد الكتب العشر

ومن ذلك كذلك ، أنهم قد انتزعوا بعض الفتاوي التي أفتى بها العلماء الثقات الخُلَّص ، في سياقات تاريخية معينة ، وفي لحظات محددة ، وحاول هؤلاء تنزيلها على حوادث مختلفة… في ظروف مختلفة ، تحيط بها سياقات مختلفة .

وختاما فإنه مهما يكن من أمر فساد هذا الفكر وخطورته ، فإني أؤكد وأشدد على أن هذه الكتب وأمثالها ، مالم تجد البيئة والتربة الملائمة والسياق المحفِّز ؛ سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ..محليا وإقليميا ودوليا ، تبقى تلك الكتب مهملة هامشية لا يؤبه بها ، ولا ينتبه لها أحد من الناس.

وملاحظتي أن تلك الكتب العشرة ليست سواءً في تحفيزها وحضها على العنف والتطرف ، فبعضها أهون من بعض ، وبعضها أكثر ضحالة وسطحية من بعض .

وأتوقع من الدكتور كمال حبيب أن يضطلع بهذا الواجب الكفائي  فيكتب دراسة أوفى وأوسع .

الوسوم

د.محمد عبدالله الشرقاوي

أستاذ الفلسفة الإسلامية ومقارنة الأديان جامعة القاهرة                  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: