رؤى

نجيب الريحاني والمسرح.. من “الفصل المضحك” إلى “النقد الاجتماعي”

وقف نجيب الريحاني مع صديقه عزيز عيد عام 1911 على مسرح دار التمثيل العربي التابع للفرقة المشتركة التي كونها الشيخ سلامة حجازي مع عبد الله عكاشة ليقدما معا بعض المشاهد الكوميدية بعد إنتهاء الفرقة من التمثيل «الجدي» .. كان الشيخ سلامة حجازي قلقا على جمهوره الذي كان يرى أن تراجيدياته تحطم قلوبه وتستنزف دمعه، فتمنى أن يجد وسيلة ما يعيد بها جمهوره إلى بيته آخر الليل ضاحكا ولكنه لم يستطع أن يفعل، حتى التقى بنجيب الريحاني وعزيز عيد فأسند إليهما مهمة الترفيه عن جمهور مسرحه عن طريق فكرة «الفقرة الضاحكة»  .. لتبدأ رحلة نجيب الريحاني مع عالم المسرح وليشهد المسرح المصري بداية مرحلة جديدة في التحول من مسرح الإرتجال لمسرح «النص المكتوب» الكوميدي كبداية حقيقية لما يمكن أن نطلق عليه المسرح النظامي.

الدكتور علي الراعي مؤرخ فن المسرح المصري في كتابه «فنون الكوميديا من خيال الظل .. إلى نجيب الريحاني» .. يتتتبع رحلة نجيب الريحاني المسرحية التي بدأت بمسرح سلامة حجازي بالفقرة الضاحكة فالفصل الكوميدي ثم العمل الهزلي المتكامل من ثلاثة فصول عن نصوص مترجمة عن اللغة الفرنسية، فالإنفصال عن فرقة حجازي والدخول بمغامرة تأسيس فرقة مستقلة مع عزيز عيد ثم الإنتقال لفرقة أحمد الشامي وصولا للعمل مع رفيق دربه بديع خيري.

الشيخ سلامة حجازي جالسًا وسط فرقته في أحد العروض المسرحية بتونس
الشيخ سلامة حجازي جالسًا وسط فرقته في أحد العروض المسرحية بتونس

من عروض خيال الظل إلى السفاح والعشرة الطيبة

استهل الدكتور علي الراعي تتبع رحلة نجيب الريحاني بالإشارة إلى أن بدايته قد جاءت كبداية شعبية صرف استمدت وجودها من فصول الكوميديا المرتجلة التي عرفها المسرح المصري ومقاهي وأفراح مصر منذ أوائل القرن العشرين.

بعد انفصال الريحاني عن فرقة «الكوميدي العربي» التي كان قد أسسها مع عزيز عيد عقب خروجهما من فرقة سلامة حجازي، لجأ الريحاني للعمل مع الفرقة الجوالة التي أسسها أحمد الشامي فطاف مع الفرقة ربوع صعيد مصر ما أكسبه خبرة جيدة في التعرف على حياة فقراء مصر وطباعهم وعاداتهم ووجدانهم الأمر الذي ساعده فيما بعد على تطبيق الدرس الذي أكتسبه من خلال خبرة عمله مع عزيز عيد والخاص بضرورة أن يعمد الفنان الذي سيتستعين بنص أجنبي على أن يأخذ في إعتباره طبيعة الجمهور المقدم له العمل وهو ما يعني عدم الإكتفاء بترجمة النص وإنما هناك ضرورة لتمصير النص بما يتوافق مع وجدان الجمهور المصري، حيث جاءت تجربة عزيز عيد على جديتها مشوبة بالتشدد في التمسك بالحفاظ على روح النص المترجم كما هو بينما خبرة الريحاني بالفرقة الجواله جعلته يكتشف ضرورة تمصير النص بما يتوافق مع روح ووجدان الجمهور.

حين عرض «استيفان روستي» عام 1916 على الريجاني أن يشترك معه في تقديم عرض «خيال الظل» بكازينو «أبيه دي روز» لم يكن السبب الوحيد لقبوله العرض إفلاسه المادي بل دفعه للموافقة كونه قد وجد بذاك العرض فرصة ستمكنه من تقديم فنه بشكل مختلف عما هو مألوف. بعد فترة وجيزة من تقديم عرض «خيال الظل» تقدم الريحاني لإدارة الكازينو بفكرة تجسيد شخصية العمدة كشكش بك، عمدة كفر البلاص وما يتعرض له من استغلال على أيدي فاتنات الكازينو، وافقت إدارة الكازينو على الفكرة التي لاقت نجاحا باهرا.

نجيب الريحاني واستيفان روتسي تتوسطهم زينات صدقي من فيلم غزل البنات
نجيب الريحاني واستيفان روتسي تتوسطهم زينات صدقي من فيلم غزل البنات

واصل الريحاني رحلته الناجحة في تقديم فنون الكوميديا إلا أنه كان دائما ما يحن لتقديم الأدوار التراجيدية ففي عام 1921 نجده يقوم بتمثيل دور سفاح اسمه مرزوق بمسرحية «ريا وسكينة» التي أعدها عن وقائع عصابة ريا وسكينة والسفاح الغربي، إلى جانب الإنفاق من حر ماله على أوبريت «العشرة الطيبة» الذي مصره محمد تيمور عن الفرنسية وقُدم عام 1920، وفي عام 1926 أسس الريحاني فرقة للتمثيل التراجيدي اختار لها بعض نصوص الأدب الفرنسي والإنجليزي والألماني والروسي في محاولة للنجاح في كسب النظرة الجادة للمسرح المصري.

حمار وحلاوة وحكم قرقوش

لم يكن أوبريت العشرة الطيبة الذي انفق على تقديمه الريحاني هو الأوبريت الوحيد بحياته الفنية فقد قدم بالإضافة إليه العديد من النماذج الناجحة كان منها أوبريت «حمار وحلاوة» من تأليف أمين صديقي ونجيب الريحاني وأوبريت «حكم قرقوش» مع بديع خيري وبهما اتضحت معالم بدايات اهتمام الريحاني بطرح القضايا الإجتماعية بطريقة كوميدية خفيفة.

امتزج فن الريحاني وفكره مع أزجال بديع خيري الممهورة بروح الشعب وعبقه المتدفق وألحان سيد درويش التي قطفت وجدان الشعب وسكبتها بألحان مازالت مسكونة بضمير الشعب المصري حتى اليوم .. «يعوض الله، يهون الله، ع السقايين، دول غلبانين، متبهدلين، م الكبانية خواجاتها جونا، دول بيرازونا، في صنعة أبونا، ما تعبرونا يا خلايق».

اثمر التعاون الثلاثي ما بين «الريحاني وخيري ودرويش» أن بات المسرح كفن أقرب لروح الشعب خاصة مع استجابتهم وتضمين أعمالهم لمجمل شعارات الحركة الوطنية المنادية بالإستقلال عن الإستعمار البريطاني والمنادية بوحدة وترابط أبناء شعب مصر .. «لا تقولي نصراني ولا مسلم .. يا شيخ اتعلم .. عمر اللي أوطانهم تجمعهم .. الأديان ما تفرقهم» .. هكذا تحول الريحاني من كوميديا الهزل إلى ذلك الفن المسكون بشيىء من النقد الإجتماعي مع مواكبة مجمل الأحداث السياسية والإقتصادية التي تمر بها البلاد وعلى رأسها المطالبة بالإستقلال عن سلطة الإستعمار.

توفي الريحاني عام 1949 بعد أن خاض رحلة فنية عامرة بإرث الكوميديا المرتجلة الشعبية وكوميديا الفصل المضحك والكوميديا الأوربية التي استطاع أن يتفاعل مع أشهر نماذجها نتيجة إتقانه للغة الفرنسية إضافة لغوصه بعالم ألف ليلة وليلة والأدب الشعبي الذي ساعده في خوض غماره رفيق دربه بديع خيري ليقدما معا تجربة متميزة سطرت أولى معالم الكوميديا المصرية الإنتقادية من خلال تقديم عدد كبيرمن المسرحيات التي أمتعت الناس وأقنعتهم بأن ما يشاهدونه على المسرح جزء لا يتجزأ من واقعهم المعاش.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: