ثقافة

موسوعة “وصف مصر”.. إعادة اكتشاف المحروسة

“لم يسبق لأي بلد آخر أن خضع لأبحاث بمثل هذا الشمول والتنوع، كما أنه لا توجد بلاد أخرى جديرة بأن تكون موضوعًا لأبحاث كهذه. فمعرفة مصر أمر يهم كل الأمم المتحضرة في حقيقة الأمر، نظرًا لأن هذه البلاد هي مهد الفنون والنظم الدينية، وبإمكانها اليوم أن تصبح مركزًا للعلاقات الدولية وتجارة الإمبراطوريات، كما ترك الشعب الذي كان يسكنها آثارًا تدعو للإعجاب بعظمتها وقوتها ونفوذها”.

من مقدمة الطبعة الثانية لموسوعة وصف مصر. بقلم “فورييه” (عالم فرنسي في الرياضيات والفيزياء، سكرتير المجمع العلمي، أحد العلماء الذين صحبوا بونابرت في حملته على مصر)،

الحملة الفرنسية.. وما بعدها

في ﺷﻬﺮ أﻛﺘﻮﺑﺮ ﻣﻦ ﻋﺎم 1801م ﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ مصر الحملة الفرنسية، أول ﺣﻤﻠﺔ اﺳﺘﻌﻤﺎرﻳﺔ على الشرق تُرغَم على الانسحاب مهزومة، حاملة معها جثة “كليبر” في صندوق من الرصاص، وأخذت معها أيضًا مخطوطات لكتاب “وصف مصر” اﻟﺬي وﺿﻌﻪ ﻋﻠﻤﺎؤﻫﺎ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺳﻠﻤﺖ للإنجليز “ﺣﺠﺮ رﺷﻴﺪ” اﻟﺬي ﺳﻴﺆدي ﻓﻚ ﻃﻼﺳﻤﻪ، ﺑﻌﺪ ﺳﻨﻮات، إلى إزاﻟﺔ ﺳﺘﺎر اﻟﻐﻤﻮض واﻟﺠﻬﻞ ﻋﻦ أﻋﻈﻢ وأﻋﺮق ﺣﻀﺎرات الإنسان اﻟﻘﺪﻳﻢ.. ﻟﻜﻦ هذه اﻟﺤﻤﻠﺔ ﺗﺮﻛﺖ وراءﻫﺎ، فيما تركت، روح المقاومة اﻟﺘﻲ أﺛﺎرﺗﻬﺎ، واﻟﺜﻘﺔ في اﻟﻨﻔﺲ، واﻛﺘﺸﺎف اﻟﺬات، ﺑﻌﺪ ﻗﺮون من الاستسلام واﻟﺨﻨﻮع واﻟﻀﻴﺎع، كما تركت الحملة وراءها أيضا عددًا ﻣﻦ اﻟﺮﺟﺎل اﻟﺬﻳﻦ ﺻﺪﻣﻬﻢ اﻟﺘﻔﻮق اﻟﺤﻀﺎري، اﻟﺬي كانت تمثله، ﻓﺄﻳﻘﻆ اﻟﺘﺤﺪي ﻋﻘﻮﻟﻬﻢ.

وصف مصر
إحدى النسخ الأصلية من وصف مصر

شكلت الحملة الفرنسية على مصر (في الفترة بين عامي 1798 و1801) بقيادة نابليون بونابرت، أهم المنحنيات في تاريخ مصر الحديث، فكانت نتائج الحملة تمثل مفترق طرق بين ماض مظلم فرضت فيه الخلافة العثمانية التخلف على البلاد، ومستقبل تفتحت فيه الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية والعلمية. وتبلور وعي القيادات الشعبية، ما أدى إلى فرض إرادتها بتعيين من تراه مناسبًا لحكم البلاد (سواء اختلفنا في صحة هذا الاختيار من عدمه، فقد كان في نهاية الأمر اختيارهم الحر) فأجبرت الباب العالي على إصدار الفرمان الذي وضع الألباني محمد علي باشا على تخت الحكم، متخطية بذلك قرونًا من الخنوع لرغبات وإرادات غير مصرية في تعيين حكام البلاد، وهو حدث لو تعلمون عظيم.

كان يرافق بونابرت في حملته الحربية المسلحة عددًا من العلماء والفنانين، اختارهم بعناية مستعينًا في ذلك بعدد من الخبراء على رأسهم “الجنرال كافاريللي”. كانت هذه الكتيبة غير العسكرية تضم مهندسين وأطباء، وعلماء آثار، وفنيين وفلكيين، ومعماريين وكيميائيين، وعلماء في التاريخ الطبيعي والمعادن، وموسيقيين وشعراء ومستشرقين. وبعد فترة لا تزيد على الخمسين يوما من دخول بونابرت مصر، أنشأ “المجمع العلمي”، معتمدًا في تأسيسه على العلماء والفنيين الذين جلبهم معه، وكانوا نحو 160 عالمًا فرنسيًا وأكثر من 2000 متخصص من خيرة الفنانين والرسامين والتقنيين…

ففي 23 أغسطس عام 1798 أمر نابليون بونابارت بتأسيس المجمع العلمي بالقاهرة، وجاء أمر التأسيس متضمنًا ست وعشرين مادة، ما يهمنا منها المواد المتعلقة بالغرض من إنشاء المجمع التي كانت على النحو التالي: “تقديم ونشر العلوم والمعارف في الديار المصرية…. بحث ودراسة وطبع المباحث الطبيعية والصناعية والتاريخية لمصر…. تقديم المشورة في المسائل المختلفة التي ترى الحكومة عرضها عليه.” ومن هنا يتضح أن المجمع أنشئ ليؤدي وظيفتين: علمية استكشافية بحتة، وإدارية حكومية لتسهيل مهمة القائمين بإدارة البلاد.

المجمع العلمي.. كما وصفه الجبرتي

“قوبل المجمع العلمي في بداية عمله بدعاوى التحريم والتكفير من غالبية علماء الدين لكن بعض علماء الأزهر أعجبوا به كثيرًا وكانوا يترددون عليه مثل الشيخ العطار (شيخ الجامع الأزهر فيما بعد، في عصر محمد علي باشا).” والشيخ عبد الرحمن الجبرتي.. الذي يروي في شهادته عن المجمع العلمي في بداية نشأته، فيقول: “….. وأفردوا حارة الناصرية، للفلكيين وأهل المعرفة والعلوم الرياضية كالهندسة والهيئة والنقوشات والرسومات والمصورين والكتبة والحساب والمنشئين…..” ويصف البيت الذي خصص للمكتبة فيقول: “…. فيه جملة كبيرة من كتبهم وعليها خزان ومباشرون يحفظونها ويحضرونها للطلبة ومن يريد المراجعة، فيراجعون فيها مرادهم فتجتمع الطلبة منهم كل يوم قبل الظهر بساعتين، ويجلسون في فسحة المكان المقابلة لمخازن الكتب على كراسي منصوبة موازية لتختاة (منضدة) عريضة مستطيلة، فيطلب من يريد المراجعة ما يشاء منها، فيحضرها الخازن فيتصفحون ويراجعون ويكتبون، حتى أسافلهم من العساكر….. ولقد ذهبت إليهم مرارًا، وأطلعوني على ذلك، فمن جملة ما رأيته كتاب كبير يشتمل على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم…. وفي صفحة أخرى صورة لإسلامبول (إسطنبول) وما بها من المساجد العظام كآيا صوفية،وجامع السلطان سليمان، وهيئة صلاة الجمعة فيه، وأبي أيوب الأنصاري وهيئة صلاة الجنازة فيه. وصور البلدان والسواحل والبحار والأهرام وبرابي الصعيد، والصور والأشكال والأقلام المرسومة بها، وما يختص بكل بلد من أجناس الحيوان والطيور والنبات والأعشاب. وعلوم الطب والتشريح والهندسيات وجر الأثقال. ولهم تطلع زايد للعلوم وأكثرها الرياضة، ومعرفة اللغات واجتهاد كبير في معرفة اللغة والمنطق، ويدأبون في ذلك الليل والنهار.”

ويستمر الجبرتي في رواية وتدوين ما يراه من أعاجيب (من وجهة نظره)، فيروي عمن يطلق عليه “توت الفلكي” وتلامذته، ومن يدعوه “أريجو المصور”وتلامذته، وكيف أنهم (الفلكيون والمصورون) يبرعون في عملهم، واستخدامهم للآلات العجيبة (على حد قول الجبرتي). ويعرب عن دهشته من أنهم يصورون صور الآدميين تصويرًا “يظن من يراه أنه بارز في الفراغ مجسم يكاد ينطق”. ثم يتطرق الى مصورين آخرين يصورون الحيوانات والحشرات، وآخرين يصورون الأسماك والحيتان بأنواعها وأسمائها “كما ينطقها أهل البلد، يكتبون الأسماء بأحرف فرنسية…. ويأخذون الحيوان أو الحوت الغريب الذي لا يوجد ببلادهم فيضعون جسمه بذاته في ماء مصنوع حافظ للجسم، فيبقى على حالته وهيئته لا يتغير ولا يبلى، ولو بقي زمنًا طويلًا.”

الجبرتي
الجبرتي

ثم يذكر أنهم (الفرنسيون) “أفردوا أماكن للمهندسين وصناع الدقايق… وأفردوا سكن الحكيم (رويبا) ببيت ذي الفقار كتخدا…. وأفردوا مكانًا في بيت حسن كاشف جركس لصناعة الحكمة والطب الكيماوي…. وأفردوا أيضًا مكانًا للنجارين وصناع الآلات والأخشاب، وطواحين الهواء والعربات، واللوازم لهم في أشغالهم وهندساتهم وأرباب صنايعهم. ومكان آخر للحدادين وبنوا فيه كوانين عظامًا وعليها منافيخ كبار يخرج الهواء متصلًا كثيرًا…”، ويكتب ما يراه من تجارب كيميائية شاهدها وعاينها بنفسه، ورأى فيها العجب العجاب حتى يقول: “ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتايج لا يسعها عقول أمثالنا.”

مصر أكثر متاحف الدنيا ثراء

صورت الموسوعة في مقدمتها مصر باعتبارها: “أكثر متاحف الدنيا ثراء في العالم أجمع”. وقد ورد في الطبعة الأولى منها اسم الموسوعة على النحو التالي: “موسوعة وصف مصر، أو مجموعة الملاحظات والأبحاث الموضوعة في مصر أثناء حملة الجيش الفرنسي والمنشورة بأمر صاحب الجلالة الإمبراطور نابليون المعظم”.

استغرق العمل في هذه الموسوعة ثلاثة عشر عاما، في الفترة بين عامي 1809-1822، وقد ظهرت الموسوعة في طبعتين. صدرت الطبعة الأولي على تسعة مجلدات، طُبع منها ألف نسخة فقط، ما بين عامي 1810 – 1826، ويطلق عليها “الطبعة الإمبراطورية”، وكتب على غلافي المجلدين الأول والثاني من الطبعة الأولى: “طبع بأمر صاحب الجلالة الإمبراطور نابليون الأكبر”. وجاءت هذه الطبعة مكونة من 9 مجلدات للنصوص (قطع متوسط)، يصل كل منها إلى 800 صفحة، و11 مجلدًا للّوحات، تتضمن كلها أكثر من 3000 لوحة، بعضها ملون، فضلًا عن خريطة لمصر وفلسطين جاءت في 47 صفحة. تنقسم هذه المجلدات حسب الدراسات الموجودة بها كالتالي: مجلدين لدراسة التاريخ الطبيعي لمصر، ويشتملان على دراسات عن النباتات والحيوانات والأسماك والحشرات في مصر…. وأربعة مجلدات لدراسة العصور القديمة، منهم اثنين للدراسات، والاثنين الآخرين لوصف أثار العصور لقديمة…. وثلاثة مجلدات لدراسة الدولة الحديثة، أو الحالة الحديثة لمصر التي تبدأ تقريبًا منذ الفتح الإسلامي (وإن كانت في الحقيقة منذ الخلافة العثمانية) حتى مجيء الحملة الفرنسية.

أما الطبعة الثانية فتسمى “طبعة بانكوك”، ولم يصدر منها أكثر من ألفي نسخة فقط خلال الفترة بين عامي 1821 إلى 1826، وهي طبعة تتميز بسهولة الاستعمال وأقل ثمنا، تكونت من 26 مجلدًا للنصوص (قطع صغير)، و10مجلدات للوحات (قطع متوسط)، وأطلس جغرافي. ونشير إلى أن محتويات الستة وعشرين مجلدًا بالطبعة الثانية، هي نفس محتويات المجلدات التسعة في الطبعة الأولي، ولكن بحجم أصغر. وبينما كانت الطبعة الأولي مهداه إلى الإمبراطور نابليون، فإن الطبعة الثانية كانت مهداه إلى الملك “لويس الثامن عشر”.

إحدى اللوحات من داخل كتاب وصف مصر
إحدى اللوحات من داخل كتاب وصف مصر

“الشايب”، والنسخة العربية الكاملة

في أبريل عام 1974، عقدت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية مؤتمرًا دوليًا عن المؤرخ المصري “عبد الرحمن الجبرتي”، حضره عدد من المؤرخين الأجانب، وكان “زهير الشايب” ضمن الحضور، وتضمنت توصيات المؤتمر، توصية بترجمة موسوعة وصف مصر، وأسندت التوصية مهمة الترجمة إلى “المجلس الأعلى للفنون والآداب”. لكن المشروع تعثر في دهاليز “المجلس”، هنا أخذ “الشايب” على عاتقه مهمة ترجمة الموسوعة منفردًا، وهو جهد يحتاج فريقًا كاملًا من المترجمين المتخصصين، ومؤسسات كبيرة تضطلع بمهمة نشر هذه الموسوعة الضخمة.

وفي يناير 1979، صدرت الطبعة الثانية من المجلد الأول للموسوعة في نسختها العربية، ترجمة زهير الشايب، وقد استهل هذه الطبعة بمقدمة جاء فيها: “…. أحب أن أربط جهد هذه الترجمة، بتلك الحركة التي دبت في مصر، منذ يونيو 1967، والتي زادت بعد أكتوبر 1973، في محاولتها التفتيش والبحث عن الذات، ساعية إلى استقراء كافة تاريخها، لاسيما تاريخها الحديث الذي بدا في بعض فترات حياتها المعاصرة، وكأنه لا يلقى الاهتمام الكافي.”

الطبعة العربية الكاملة من وصف مصر
الطبعة العربية الكاملة من وصف مصر

أصدر زهير الشايب في حياته سبعة أجزاء من ترجمة موسوعة وصف مصر،أما الجزئين الثامن والتاسع فكانا معدين للطبع وصدرا بعد وفاته في الخامس من مايو 1982.. في حين ترك الجزء العاشر في صورة مسودة، جمعته وراجعته ابنته الدكتورة “مني الشايب” وأصدرته (بالتعاون مع والدتها الصحفية والقاصة “عفت شريف”) باسمه، مع مقدمة طويلة كتبتها ابنته دكتورة منى،واستهلتها بهذه الكلمات: “هذا هو المجلد العاشر من الترجمة العربية الكاملة لموسوعة وصف مصر، يخرج للنور بعد أن ظل مخطوطًا أكثر من عشر سنين. فقد عاش والدي وكله أمل وإصرار على إتمام ترجمة هذه الموسوعة، لكن قضاء الله كان أسبق، فوافته المنية بعد صدور سبعة أجزاء….”.

أصبحت هذه الترجمة التي اضطلع بها الكاتب زهير الشايب منفردا، هي الترجمة الكاملة الوحيدة المعتمدة لجميع الطبعات العربية للموسوعة.

المصادر:

زهير الشايب، ومنى الشايب، و عفت شريف، مقدمات أجزاء مختلفة من موسوعة وصف مصر.

أحمد حافظ عوض، نابوليون بونابارت في مصر، مؤسسة هنداوي للتعليموالثقافة، 2012.

عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، الجزء الرابع، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013.

روبير سوليه، علماء بونابرت في مصر، الهيئة العامة للكتاب، ترجمة فاطمة عبدالله محمود.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: