ثقافة

مسرح الدم والدموع.. من «صدق الإخاء» إلى «أولاد الفقراء»

يقال أنه حين سقط سجن الباستيل بباريس عام 1789 كان هناك عرض مسرحي يعرض تمكن الفنيون فيه من بناء قصور المسرحية من كتل خشبية ترص فوق بعضها البعض على طريقة مكعبات الأطفال حتى إذا حان وقت الهجوم عليها وأشعلت فيها «النيران» يدير النجارين المقابض الخاصة بالصف الأرضي منها فإذا بالقصور تتهاوى أمام الجمهور بين صيحات هتافهم الذي أصبح شهير فيما بعد «الحرب على أصحاب القصور.. الحرب على أصحاب القصور» .. بعد سقوط الباستيل احتفت باريس بذاك الحدث التاريخي بأن خرج للنور عمل مسرحي من أربعة فصول يحمل عنوان «سقوط الباستيل» وعلى الفور انتقلت المسرحية إلى لندن وأجريت محاولة لتقديمها على مسرح «كوفنت جاردن» غير أن السلطات منعت ذاك العرض خوفا من انتشار عدوى الثورة البارسية.

لوحة سقوط الباستيل
لوحة سقوط الباستيل

أعاد أهل الفن بلندن المحاولة مرة ثانية فتم عرض «سقوط الباستيل» في إطار أحد عروض السيرك بالاعتماد على فنون السيرك المختلفة، ثم جاءت المحاولة الثالثة كدراما خالصة تم تقديمها بمبنى «السيرك الملكي» فنجحت المسرحية نجاحا مبهرا فما كان من السلطات إلا أن ألقت القبض على ممثلها الأول «جون بالمر» وحكم عليه بالسجن بوصفه «وغد .. متشرد». تقدم ممثل أخر للقيام بدور البطولة ومن جديد نجح العرض المسرحي فألقت السلطات القبض على الممثل المذنب ودفعت به إلى غياهب السجون فتقدم مدير المسرح ليسد الفجوة وكان ذو خبرة وموهبة محدودة فلم تنل المسرحية النجاح الذي سبق أن نالته فمر الحدث دون أي اهتمام يذكر من قبل السلطات.

الدكتور علي الراعي مؤرخ فن المسرح في كتابه «مسرح الدم والدموع .. دراسة في الميلودراما المصرية والعالمية» يصحب قارئه في رحلة شيقة يطوف فيها داخل عالم الميلودراما المصرية والعالمية مستعرضا آليات تطور فن الميلودراما رغم كل ما تعرض له من ضغط ونقد وكيف تمكن هذا الفن من أن يلعب دورا محوريا في التعبير عن روح الشعوب المختلفة وآلامهم ومحنهم منذ نشأته الأولى.

«صدق الإخاء» .. أول ميلودراما مصرية

استهل دكتور علي الراعي تناوله لنشأة فن الميلودراما المصرية بالإشارة إلى أن الميلودراما الاجتماعية المصرية ولدت متواضعة على يد أحد المحامين وهو إسماعيل بك عاصم وكان من أشهرمحامي زمانه وذلك بمنتصف تسعينيات القرن التاسع عشر حين أخرج أول مسرحياته «صدق الإخاء» عام 1894 وأعقبها بمسرحية «حسن العواقب» عام 1895 وحملت مسرحيتة الثالثة عنوان «هناء المحبين».

استشهد الراعي بكتاب الدكتور محمد فاضل عن «الشيخ سلامة حجازي» والذي يروي فيه كيف شكا سلامة حجازي لإسماعيل بك عاصم من خلو المسرح العربي من المسرحية المصرية الميلودرامية ونعى إليه عدم إقبال المؤلفين المصريين على تأليف الميلودراما التي يجب أن تقدم على منصة المسرح المصري وهو ما شجع إسماعيل عاصم على تقديم نصوصه الثلاثة للشيخ سلامة حجازي بعد أن مزج بنصه ما بين الحوادث الميلودرامية وبعض المقاطع الغنائية التي قام الشيخ سلامة بوضع ألحانها وفقا لطابعه الخاص وذلك استجابة لرغبة الجمهور في مزج المسرحيات بالأناشيد حتى وإن كانت المسرحية تراجيدية الطابع.

قدم إسماعيل عاصم نصوصه المسرحية الثلاث للشيخ سلامة حجازي دون أن يتقاضي أي آجر عنها وذلك تقديرا منه لدور الفن في إرشاد وتوجيه المجتمع .. «نديم سكر وصبح بالهم .. وصار بتفليسه في غم .. وكم أقول لك يا ابن الناس .. فضك من الخمر والكاس .. وأوعا لنفسك والأنفاس .. واصحا من الغفلة يادم .. صبحت متعوس يا غارة .. محبوس وحبسك خمارة .. في نفسك أضرب عداره .. أحسن من العيشة بالغم .. ضيعت مالك في الإتلاف .. بين الخمورجي والصراف .. ما هكذا فعل الأشراف .. ابكي على روحك واندم».

الشيخ سلامة حجازي
الشيخ سلامة حجازي

أولاد الفقراء

بعد تقديم مسرحية إسماعيل عاصم «صدق الإخاء» توالي على المسرح المصري عروض الميلودراما المختلفة من تأليف فرح أنطون وعباس علام وغيرهم وصولا لمسرحية «أولاد الفقراء» التي كتبها وأخرجها يوسف بك وهبى عام 1932 وكانت بمثابة نقلة جديدة في عالم فن الميلودراما المصرية، فبطل مسرحية «أولاد الفقراء» لمعي يبدأ حياته شابا مجدا مجتهدا يواصل الليل بالنهار كي يحصل على شهادة ليسانس الحقوق لينقذ أسرته من شر العوز ومهانة الاعتماد على الأقارب الأغنياء، غير أن تحديات الحياة تدفعه نحو سلك طريق الإجرام والتشرد فيتحول المحامي المدافع عن الفقراء إلى طريد للعدالة، يتجول لمعي عبر فصول المسرحية ما بين قصور البشاوات وبيوت نظار العزب إلى حانات اللهو الفاسدة ومن شقة إلى أخرى بأحياء القاهرة المختلفة.

يقف لمعي مع بداية المسرحية مدافعا عن حقوق الفقراء، غير أن توالي الأحداث يجعلنا نكتشف حقيقة موقفه من قضية الفقر والفقراء، فهو ليس بثائر على الفقر كقضية عامة وإنما أبرز ما يسوؤه أنه فقير وعمه غني ولو أن حظه وحظ أسرته تساوى مع حظ عمه وأسرته لما شغلت قضية الفقر والفقراء باله وما اهتم بها.

تعرضت «مسرحية أولاد الفقراء» للمنع من قبل وزارة الداخلية ثم عادت «إدارة عموم الأمن العام» فأجازت عرضها بعد إدخال العديد من التعديلات التي اقترحتها «فرقة رمسيس» وكانت أهم العبارات المحذوفة عبارات تحاول طرح مشاكل الأفراد في صورتها العامة وليس الفردية في محاولة لربط فقر الناس بالنظام الاجتماعي الذي أنتج تلك الحالة من الفقر.

فرقة رمسيس المسرحية
فرقة رمسيس المسرحية

نجد من تلك العبارات التي تم حذفها من النص عبارة على لسان لمعي يقول فيها : «لعنة الله على الفقر ما أتعس المحتاج ما أبأس الفقير إذا سقط بين مخالب الغني، القاسي الشرير، وبيقولوا الشرف أغلى من المال، دا المال في الدنيا أتابيه كل شيىء، هو الاعتبار، هو المركز، هو الحسب، هو النسب، وأخيرا هو الشرف، عشان كده بيعبدوه ويقدسوه … ويتوجه بحديثه متهكما للباشا .. أدي سيدنا إللي اشترانا كلنا، أدي المالك لشعورنا والمتصرف في حياتنا، إللي في أيده إذلالنا وسعدنا، أهلا برب المال، إللي تكرم وتنازل أنه يناسب أولاد الفقرا» .. الجديد الذي جاءت به مسرحية «أولاد الفقراء» أنها تعرضت بشكل مباشر لقضايا المجتمع على نحو متقدم مقارنة بالتوقيت التي تم فيه عرضها عام 1932.

فن الميلودراما وهم الشعب

عالج كُتاب فن الميلودراما المصريين في أعمالهم العديد من القضايا الاجتماعية فحين كتب إسماعيل عاصم «صدق الإخاء» حرص على أن يستنهض همم الشعب المصري بعد أن تلقى ضربة قاسية نتيجة فشل الثورة العرابية واحتلال الإنجليز لمصر، وأدان فرح أنطون في مسرحيته «مصر الجديدة ومصر القديمة» الاستغلال البشع الذي كان مهاجرو الأوربيين يعرضون له بلاد الشرق عامة ومصر خاصة، وتطلع عباس علام ومحمد تيمور إلى الميلودراما الفرنسية، فأنتجا مسرحيتين لمعالجة موضوعين غاية في الأهمية وهما انفلات الطبقة الوسطى في مسرحية «أسرار القصور» ومفهوم الحرية عند جيل الإقطاعيين بمطلع القرن العشرين في مسرحية «الهاوية».

استوحى أنطون يزبك عن الميلودراما الفرنسية أعمال إبسن وكتب «الذبائح» واستطاع من خلالها أن يقدم واحدة من أقوى مسرحيات الميلودراما التي عرفها المسرح المصري وعرض فيها لقضية الزواج غير المتكافىء بين مصري متمسك بهويته القومية وتراثه وأجنبية ترغب وتحاول أن تجعله يتخلى أو «يتحرر» من هذا كله، وكتب ميخائيل رومان «الدخان» لمعالجة قضية الثورة المستحيلة وفيها رسم صورة ناجحة ومؤثرة لشباب الطبقة الوسطى الصغيرة الذين يطحنهم الفقر والخواء الروحي ويفتك بهم الضياع.

ميخائيل رومان
ميخائيل رومان

ما فعله رواد فن الميلودراما المصرية مع بداية نشأتها الأولى لهو بمثابة درس يمكن لكتاب فن الميلودراما الحاليين أن يستلهموا منه العديد من الدروس المفيدة التي تجعلهم يخوضون غمار العديد من القضايا الشائكة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي بات يعج بها مجتمعنا المصري والتي باتت في حاجة ماسة لطرحها بطريقة أكثر إبداعا وعمقا وفق رؤية إنسانية تقدمية تشعل خيال جماهير المسرح المصري وتعيد لفن المسرح بهائه وبريقه الذي خبأ نسبيا مع الزمن.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: