رؤى

برامج الفتاوى الدينية.. التفاهة والتلذذ!

التافهون هم المكثرون من الاتصال ببرامج الفتاوى الدينية ليسألوا أسئلة، من المفروض أن إجاباتها بديهية وليست من الصعوبة بمكان، وأنهم مروا بها مرارا وتكرارا في الكتب المتخصصة، لو كانوا على درجة عالية من التعليم والثقافة، وفي الصحف اليومية والبرامج الشبيهة ودروس المساجد ومحاورة المعارف والأصدقاء لو كانوا من العوام.. والحاصل أن هناك قطاعا كبيرا من الناس يستهويه التواصل مع هذه البرامج، يحبذون الثرثرة مع الفقهاء التلفزيونيين، وغالبا ما يرفعون أصوات الأجهزة في بيوتهم لسماع مداخلاتهم التي تحوي استفسارات تافهة بكل معنى الكلمة (الأمثلة فوق الحصر؛ فمثلا سأل أحدهم شيخته مرة: هل أطلق زوجتي الجريئة في الفراش؟ وسألت إحداهن شيخها: هل أطلب الطلاق من زوجي الذي يحثني على مشاهدة أفلام البورنو عند الجماع؟)

من جهة أخرى، لا يصحح نجوم هذه البرامج للسائلين مسارهم بتة؛ لكنهم يبدون كمتلذذين بالركاكة واللاقيمة وقلة العقل وعدم الاتزان، نعم يجدون ما يقال لذيذا ويظهر عليهم الشعور العميق بالارتياح إليه، ولو ادَّعوا القرف والامتعاض، فيما يتأملهم المتأمل النبيه؛ فبالنسبة لهم هي، فيما يبدو، فرص لا تعوَّض لاستعراض المحفوظات الدينية التي عندهم، وليمعن الواقع البائس الذي تكشفه أسئلة السائلين نفسها في الغرق بعد ذلك.. فالمهم أن البرنامج مستمر، ويحقق نسب مشاهدة عالية، ونجومية من يقدمه آخذة في الصعود، وحسابه البنكي متخم بالنقود!

YouTube video

الواقع وبرامج الفتاوى الدينية

بين الواقع المعاش المحبط وبرامج الفتاوى الدينية بونٌ شاسع حقا؛ فبينما الواقع مكتظ بالمشكلات الكبرى التي صارت مع الوقت معضلات حقيقية، كالأزمات الاقتصادية المتفاقمة والقضايا السياسية المعقدة والموضوعات ذات البعد الاجتماعي المحيِّر، وما إلى ذلك؛ بينما الأمر كذلك وزيادة ينطلق السائلون، في أغلبيتهم، من أعضائهم الجسدية وينتهون إليها، كأن الحياة هي الجنس ومسائله!

للفراش أهميته بالطبع، له أهميته القصوى ربما، لكنه لا يمثِّل الواقع كله بالطبع، ولم يكن يصح أن يصير الجزء الصغير، بالاهتمام البالغ به والتركيز الشديد عليه،

كما لو كان هو كل الأشياء، مع التوقير الكامل للجسد كما للروح..

برامج الفتاوى تحتاج إلى فتاوى

لا أدري ماذا ستكون الفتوى؛ لو سأل أحدهم فقيها معتبرا: ما حكم الدين في إهدار الوقت والمال في الفتاوى الدينية الفضائية؛ في حين أنها متوفرة في كل مكان كما أن الناس لا يلتزمون بها ولا يقيمون لها وزنا في حيواتهم العامة ولا الخاصة؟!

من لا عمل له الآن يعمل بالفتوى، وفي كل مطبوع ومجلة وموقع إلكتروني صفحات للفتوى، وفي دور العبادة متسع للحوار والمناقشة، في كل شارع وحارة وناد ومقهى ومواصلة، من يتكلمون في الدين بدراية وبغير دراية، وضغوط الواقع أقوى من كل الفتاوى في الوصف الأخير الدقيق، وإذا قال قائل إن برامج الفتاوى مطلوبة لتصويب أخطاء الأدعياء من المغرمين بحديث الدين؛ قلنا إن كثيرا من الفتاوى الصادرة من متخصصين لا يرضى عنها متخصصون آخرون لا يقلون عنهم كفاءة، وقلنا إن في الذهاب إلى المؤسسة الموثوق فيها كالأزهر أو اللواذ بصفحتها الإلكترونية، والعالم بالطريق والطريقة هنا يساعد الجاهل بهما، فيه ما فيه من الغناء عن كافة الوسائل الأخرى.

الأزهر الشريف
الأزهر الشريف

كيف نحاصر فوضى الفتاوى الدينية

إن حصار هذه الفوضى العارمة يتجلى ابتداء في خلق جهة وحيدة للفتوى، جهة لا خلاف عليها كالأزهر الشريف الذي سبق وحددناه، ومن رجاله من يتولى أصلا منصب مفتي الجمهورية، وله دار الفتوى التي شوَّشها سيل برامج الفتاوى للأسف وقلَّل هيبتها، ولا بأس بأن يكون من بين علماء الأزهر الأجلاء رجل وامرأة يملكان برنامجين قيِّمين، والشرط عدم التوسع في أمثال هذه البرامج، لكن الأزهر نفسه يجب أن ينقي أرضه أولا من التشدد الذي طاله والدخلاء البائسين الذين صاروا يكسبون قواعد بدعوى الانتماء إليه، وأن يلعب دورا توعويا تنويريا بالغ الخطورة والأهمية، بجانب إصدار الفتاوى، وهو إرشاد الناس من الأصل لما هو جدير بالذكر والإيضاح.. على الناس أن يسألوا عن كل شيء يشغلهم بالتأكيد، لكن ليس عليهم أن يكونوا تافهين فيما يسألون عنه، وليس على العالم الجليل الذي يملأ كرسيه أن يستريح لتفاهتهم لو أصروا عليها..

أيهما أولى: فكرة التغيير والإصلاح أم الإفتاء بالكلم الطيب في الدائرة الخربة؟

هذا العنوان الذي حمل صورة التساؤل يجب أن يكون مرفوعا باستمرار في أذهان الجميع، وفي وجدانهم، لأن تغيير الواقع إلى الأحسن، بالأعمال القويمة والأقوال السديدة، وإصلاح الأحوال جميعها، والحث على ذلك، بلا أدنى إبطاء ولا تقصير؛ إولى فعليا من أن تصدر الفتاوى وراء الفتاوى، في أشكال كلامية طيبة، لكن أصوات الحروف ميتة لأن الواقع خرب والحياة لا تطاق..

سهل أن يقول رجل صالح لامرئ جائع: لا تسرق؛ فالسرقة محرمة! وصعب للغاية أن يكف الجائع عن السرقة؛ لا سيما وظروفه قاسية ومحيطه البائس غير رحيم به (يمكنكم القياس على هذا المثال في نواح شتى). إننا في حاجة إلى رجال دين مختلفين؛ يعرفون المتطلبات الحقيقة للبشر، ويحيطون بالأرض علما، بجانب السماء، ولا يضيعون في ظلمات الكتب القديمة ويتركون أنوار العلوم الحديثة ولا يمالئون حاكما على حساب محكوم ولو أفقدهم الأمر مناصبهم.

الأزهر الشريف وتجديد الخطاب الديني

تكوين الضمير الواعي سيحجِّم الفراغ الهائل

بالنظر الثاقب إلى معنيي الضمير والوعي(يعني الأول حالة نفسية توجه الإنسان نحو الخير بعد إدراكه أو الشر بعد إدراكه ويعني الثاني الفهم وسلامة الإدراك)؛ ثم الاجتهاد في محاولة تكوين الضمير الواعي بناء على ذلك، بصدق وصبر كبيرين، ستسقط التفاهة وينقشع تلذذ المتلذذين بها؛ سنجد أنفسنا بإزاء سائل حاذق يريد خيرا لنفسه وبلده والدنيا وإزاء مجيب عبقري على السؤال المحكم المدهش، يبغي، أول ما يبغي، تبديد حيرة السائل الذي يمثل ألوفا وربما ملايين، والمساهمة الفعلية في صنع عالم أغنى وأقوى لا مجرد تقديم حل فردي لشخص في مأزق ويود أن يطمئن، وإنما باتساع اليابسة والجماعة الإنسانية.

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock