ثقافة

الأمثال الشعبية..دساتير الفقراء “وإللي ميعرفش يقول عدس”

« اجري جري الوحوش، غير رزقك لن تحوش .. وفينك يا خشب لما كنا نجارين .. ولحد ما يطلع الجريد، يفعل الله ما يريد .. النجمة البدرية، تبان من المغربية .. وإللي ميعرفش يقول عدس .. ويا صابت يا اتنين عور » .. من الأمثال الشعبية الشائعة لدى أهل الواحات.

الأمثال الشعبية في كل مكان وزمان تعد أحد أشكال التعبير عن خلاصة تجارب أفراد المجتمع فالمثل حصيلة خبرة وتجارب البشر وهو نوع من الأدب الشعبي يمتاز بالإيجاز والكناية وبلاغة التعبير ولا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات البشرية منه، ولكن هل تختلف طبيعة الأمثال الشعبية من منطقة إلى أخرى بمعنى هل الأمثال الشعبية بالمناطق الريفية تختلف عن أمثال المدن وبدورها هل تختلف عن أمثال المناطق الحدودية والواحات؟

الباحثان طارق فراج وأيمن نور في دراستهما التي حملت عنوان: «لمحات من الأمثال الشعبية .. في الواحات» غاصا بعمق واحة الداخلة في محاولة منهما للبحث عن طبيعة الأمثال الشعبية الشائعة بها وهل تختلف عن الأمثلة الشعبية بغيرها من المناطق ومن ثم خرجا بخلاصة تجربة أهل الواحة الذين غرست الطبيعة بقلوبهم جذور المحبة وينابيع الود الصافي.

لمحات من الأمثال الشعبية في الواحات

الأمثال الشعبية .. مكمن الحكمة وروح الشعوب

استهل الباحثان الكتاب برواية عن سيدة عجوز سمراء اللون، ذات فكين بارزين، قصيرة وخفيفة الظل، كانت تسير بأنحاء قريتها وهى تردد على مسامع الناس مثلا بعينه: «يا ريتني بيضا ولي ضب أصل البياض عند الرجال يتحب، ياريتني بيضا ولي عرقوب أصل البياض عند الرجال محبوب»..العجوز ذات «الضب والعرقوب» إضافة لكونها ذات بشرة سمراء اللون كانت تتمنى لو أنها من ذوي البشرة البيضاء لاعتقادها بأن بياض البشرة كان سيمنحها حظا أوفر مع الرجال متناسية المثل الشائع بقريتها «البياض على الحيطان والفلفل بالوقية!» والذي يعني أن بياض البشرة دون خفة الظل التي كانت تتمتع بها تلك العجوز لا فائدة منه ولا وزن له مثله في ذلك مثل بياض الجير على حوائط بيوت القرية، بينما الفلفل غالي الثمن ولذا فهو يوزن «بالوقية».

استشهد الباحثان بالباحث الألماني فردريك زايلر الذي عرف المثل في مقدمة كتابه «علم الأمثال الألمانية» بكونه «قول جاري على ألسنة الشعب يتميز بطابع تعليمي وشكل أدبي مكتمل يسمو على أشكال التعبير المألوفة» وبذلك يتسم المثل بكونه ذو طابع شعبي تعليمي وشكل أدبي يتردد على أفواه الناس غير أنه يسمو على كلامهم المألوف.

يتناول الباحثان مجتمع الواحات المصرية وكيف ظلت على اختلافها حتى وقت قريب تحتكم إلى الأعراف دون الرجوع لقسم الشرطة أو المحاكم فيما يعرف بالتحكيم العرفي فأهل الواحات يحتكمون إلى عاداتهم وسننهم الشعبية التي توارثوها أبا عن جد جيل بعد جيل ما جعل المثل الشعبي يحتل وزن وقيمة أعلى من قيمته ووزنه بالعديد من المناطق الجغرافية الأخرى، ولأن للواحات مفرداتها اللغوية ورموزها الخاصة فكان من الطبيعي أن تطرح تلك البيئة الخاصة مجموعة من الأمثال الشعبية الخاصة التي تختلف عن أمثال غيرها من المناطق الجغرافية بمصر سواء كان ذلك بالريف أو بالمدن، غير أن هذا لا يمنع من وجود بعض الأمثال الشعبية المشتركة التي جاءت تحمل ذات الرسالة وإن تغيرت بعض الفردات الدالة على مضمون رسالة المثل.

واحة سيوة
واحة سيوة

«زي ما قالك داك»

اعتاد الناس بالقاهرة وغيرها من محافظات مصر على ترديد الأمثال الشعبية مصحوبة بمقدمة: «على رأي المثل» غير أن أهل الواحات يستهلون أمثالهم بقولهم «زي ما قالك داك» وداك تعني ذاك أو ذلك وهى مقولة تعني أن المثل مروي نقلا عن إنسان آخر أكثر دراية وحكمة ويظل لمجمل الأمثال الشائعة بالواحات طابعها الخاص فمثل: «البير اللي ما لكش فيه ما ترميش حجر فيه» بمفرداته الخاصة «البير .. الحجر» لابد وأن يكون نابع من بيئة كالواحات غير أن سمو معنى المثل جعله يصلح لكل زمان ومكان لأنه يحث على احترام ملكية الغير وعدم الإضرار بها.

تتناقل الأمثال دون شك من منطقة لأخرى ومع تنقلها قد تتغير بعض مفرداتها كي تتواكب مع البيئة الجغرافية الجديدة ومع هذا فلا مجال أمام دارس الأمثال الشعبية أو النصوص الشعبية بصفة عامة أن يطرح قضية تشويه النص أو تحريفه ذلك أن تلك النصوص إذا ما شابها التشويه أو التحريف فقدت وظيفتها الاجتماعية ومن ثم باتت عرضة للاختفاء، فالمثل أو النص الشعبي قد يتعرض للإضافة أو الحذف غير أنه يظل يحمل ذات الرسالة التي من أجلها نشأ.

الحواجز الجغرافية آذن لا تقف حائل أمام انتقال الأمثال الشعبية أو النصوص الشعبية بصفة عامة وليس أدل على ذلك من انتقال السير الشعبية بين البلدان العربية المختلفة فها هنا المنشدين المصريين ينشدون تلك السير التي أنشدها أهل المغرب العربي والعكس صحيح، على أن كل بيئة قد تتدخل على النص الشعبي بالإضافة أو الحذف كي يتلائم مع خصاص البيئة المحلية التي يعاد إنتاجه فيها مع الإحتفاظ بذات المدلول الشعبي.

الأمثال الشعبية من الميلاد للممات

الأمثال الشعبية بما تحتويه من منظومة قيم وأعراف تعد بمثابة دساتير بديلة للفقراء تحكم مسار حياتهم من الميلاد للممات فها هم عند الزواج يحددون للزوج سمات وخصائص الزوجة المرغوب فيها «يا واخد البيضا يا معدي الزمان فرحان، ضيعت مالك على فُله وعود ريحان .. يا واخد السودا يا معدي الزمان حزين، ضيعت مالك على كُسبه وجالوص طين» .. يرتكن المثل هنا على جمال الشكل الخارجي للأنثى البيضا ورفض شديد للأنثى السمراء، وفي المقابل يردد محبي الأنثى السمراء «البياض ع الحيطان والفلفل بالوقية» ومع حرص المجتمع على أن يوصي الرجل باختيار الزوجة الجميلة حذرت الأمثال الشعبية الرجل من الوقوع بفخ الجمال الزائف «لا تنقي في عيد ولا في فرح» وبشكل عام فالأمثال الشعبية لم تترك شكلا للأنثى إلا وتعرضت له بالنقد فالبيضاء والسمراء والنحيفة والممتلئة كلهن تعرضن للنقد المجتمعي عبر منظومة الأمثال الشعبية بمختلف بقاع مصر.

بعيدا عن الخصائص المتعلقة بالشكل فإن الأمثال الشعبية بالواحة تعادي الزواج من المرأة التي سبق لها الزواج «اتجوز البكر وإن بارت، وعيش في المدن ولو جارت» ويتمهل أهل الواحة في الموافقة على زواج بناتهن «خلي العسل في قنطاره لما تجيه أسعاره .. يوزنوه بالقباني يعرفوا مقداره» ويميل أهل الواحة إلى استهجان وتأنيب كل من يحاول الزواج خارج إطار واحتهم «القريب أولى من الغريب» و«زي القرع يمد لبره» و«نسيب بناتنا زي الطراشي، ونجيب بنات المواشي» والطراشي هنا عبارة عن إناء يشبه «الزير» لتخزين البلح حتى يصبح «عجوة» وتحث الأمثال الشعبية الرجل على أن يكتفي بزوجة واحدة فقط «اللي يعملهم تجارته يا خسارته».

الواحات البحرية
الواحات البحرية

تحتفي الأمثال الشعبية بالواحات بإنجاب الأطفال خاصة الذكور منهم وتستفيض في مدح النساء اللاتي لديهن قدرة عالية على الإنجاب أكثر من مرة «حبلة ورضاعة وشايلة أربعة وطالعة الجبل تلاقى الحبل» .. تفرح نساء الواحة عند إنجاب الذكور ويرددن «ليلة قالوا دا ولد أتشد قلبي واتسند .. قالوا دحي بالزبد وقالوا لي كلي يا أم الولد» أما من تنجب البنات فتردد «لما قالوا دي بنيه هدوا ركن البيت عليه .. وقالوا لي دحي بميه وقالوا لي كلي يا أم البنية» ..التمييز بين الذكور والإناث يصل حد التفرقة فيما بين طريقة التغذية التي تتلقاها من تنجب الذكر عن طريقة تغذية من تنجب الفتاة فأم الذكر يقدم لها الطعام الشهي بالزبد أما أم الفتاة فيقدم لها الطعام بالمياه.

الأمثال الشعبية بالواحة تتطرق لكل مناحي الحياة توصي الناس بالصبر والحذر «لف سنة ولا تنط قنا» وتطمئنهم على أرزاقهم «رزق تسعى له ورزق يسعى لك» و«لما تكون جايه تيجي على أهون سبيبة» كما تحذر الناس من مغبة الطمع «الطمع يقل ما جمع» ولأن الزراعة هى الحرفة الأساسية بالواحة فإن الأمثال الشعبية تحتفي كثيرا بمواسم الزراعة «امشير يقول للزرع سير والصغير يلحق الكبير واللي ميلحقش الكبير نحشه ونرميه للحمير» و«هزيلة الصيف تموت في الشتا».

الغريب في أمر الأمثال الشعبية السائدة بالواحة أنه على الرغم من شيوع روح التعاون بين أهل الواحة إلا أن بعض أمثالهم توصيهم بالحرص على الملكية الفردية والابتعاد عن الشراكة «يغور الشرك ولو في معلقة» و«حمارة ملك ولا بقرة شرك» وربما تنبع تلك الأمثال من حرص كبار الواحة على الحد من المشاجرات والخلافات التي قد تنجم عن أعمال الشراكة.

الأمثال الشعبية بالواحات لم تترك صغيرة أو كبيرة لم تتطرق لها فهى حاضرة بينهم في السراء والضراء بأوقات الوئام ووقت الشجار فهى بمثابة دستور ينظم حياة أهلها ينصتون إليها ويتبعونها بتراضي شديد لكونها نبعت منهم وسادت بينهم بشكل عفوي كتعبير عن روحهم وضميرهم الجمعي

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: