رؤى

كورونا وملامح الشخصية المصرية .. لماذا لا يعبأ المصريون بالجائحة؟

منذ أن حلّ علينا وباء كورونا ضيفًا ثقيلًا، وقد ترك آثاره على الحياة كلها فتغير شكلهابصورة كبيرة عن ذي قبل، وأرغم الجميع في العالم كله على أن يغيروا من نمط حياتهم اتقاءً له وهروبًا منه، فقد أُغلقت شركات ومصانع، وعُطلت حركة الطيران وتم فرض قيودعلى حرية انتقال البشر، وفقد العديد وظائفهم ومصادر دخولهم، كما فقد الكثيرون أقاربهم وأصدقاءهم، وأُنهكت المنظومة الصحية في أكثر الدول تقدمًا، منذ ذلك الحين وهناك سؤال يراودني حتى اللحظة، وهو: لماذا لا يعبأ المصريون بالجائحة؟ لماذا يتعامل المصريون على نحو من اللامبالاة وعدم الاكتراث مع خطر داهم كهذا؟ هل لايدركون حقيقة الأمر، أم أنه قد أصابتهم حالة مفاجئة من الزهد فلم يعودوا راغبين في الاستمرار في الحياة! ولو كان هذا متفهمًا في حق بعض ذوي الحظ التعس في هذه الدنيا ممن لم يحوزوا أسباب السعادة المادية وأرهقتهم الحياة فأضحت هي والموت متساويين في نظرهم، فماذا عن الذين يمتلكون أسباب الاستمتاع بالحياة ودوافع التمسك بها؟

ربما من يسير في شوارع مصر على اختلافها وتنوعها دون أن يكون لديه علم بوجود وباء، قد لا يجد فارقًا كبيرًا في شكل الحياة ونمط التعامل اليومي بين المصريين، فكل شيء يسير طبيعيًا بدرجة كبيرة، اللهم إلا بعض تغيرات وإجراءات غير معتادة هناوهناك. يواجه المصريون الوباء بأساليب متنوعة، تارة بالتجاهل الذي يأتي بعضه بشكل طبيعي نابع من الجهل بقدر الأزمة وخطورتها، كما يأتي بعضه الآخر بشكل مصطنع نابع من الرغبة في الابتعاد عن دائرة من القلق والخوف الذي يعطل الحياة،وتارة بالتحايل الذي يستخدمه البعض في التفلت من بعض الإجراءات التي تتخذهاالدولة حيال الوباء، المثير في الأمر أن هذا النمط في التعامل لا يقتصر على طبقة دون طبقة، ولا على بيئة فرعية داخل المجتمع دون أخرى، ولا على مستوى من التعليم دون الآخر، بل هو نمط عام لا يخلو من بعض استثاءات.

كورونا في مصر

سوف نعمل من خلال السطور القادمة على محاولة تفسير هذه الحالة التي تظهربجلاء في السلوك اليومي في المجتمع، وذلك بردها إلى خمسة أسباب أو عوامل:

1- العامل السياسي:

يتمثل هذا العامل في طبيعة الواقع السياسي المستقر في المجتمع منذ عقود،وفي بعض السياسات التي يتم ممارستها والتي كان لها آثار على الحياةالاجتماعية؛ فقد أدت سياسات التهميش وعدم المشاركة الحقيقية في الحياة السياسية إلى ترسيخ حالة من السلبية تتسم بها شريحة كبيرة من الناس تجاه أي شأن عام، فصاروا لا يعبأون كثيرًا بما يحدث حولهم، ولا يشعرون أنهم المعنيون أو المخاطبون بما تقوله الحكومة أو تفعله، كما ساهم مناخ الفساد خاصة منذ فترة السبعينيات وحتى ثورة يناير في خلق حالة من الفردية لدى أفرادالمجتمع، جعلت الأولوية لديهم للخلاص الفردي، وقللت كثيرًا من شعورهم بالمسؤولية الجماعية، فصار كل فرد يبحث عن مصلحته الخاصة فقط، أيًا كانت النتائج أو الخسائر التي من الممكن أن يتحملها المجتمع الذي هو في النهاية جزء منه، كما كان لأحداث الربيع العربي وما بعدها من صراعات وأزمات تأثيرها الكبير؛ فلم تعد الكوارث مفزعة، ولم يعد للموت رهبته، وصار بين الناس وبين الأحداث الجسام ألفة، فلم تعد تثير فيهم دهشة ولا خوفا ولا اهتماما.

2- العامل الديني:

هناك قناعات مصدرها الدين راسخة في عقول البعض، بعضها نفهمه على وجه خاطئ، والآخر نطبقه في غير موضعه، ومنها: الاعتقاد بأن كل شيء بقدر، وأن لكل أجل كتاب، وأن المسلم ينبغي أن يكون راغبًا في لقاء الله غير متعلق بالدنيا، وقد أدت هذه القناعات إلى حالة من السلبية نتيجة الشعور بعدم القدرة على مواجهة الوباء لأنه قدر لا مفر منه، كما أدت إلى عدم وجود رغبة في المقاومة لدى البعض خوفًا من تناقض ذلك مع متطلبات الإيمان باليوم الآخر، كما توجد قناعة بأن المسلم لأنه يتطهر بالوضوء خمس مرات يوميًا فهو ليس بحاجة إلى وسائل وقائية أكثر من هذا، كما أن الأوبئة هي غضب من الله وقد تكون علامة من علامات الساعة، وبالتالي التعامل معها يكون بالتوبة لا بالعمل على الهروب منها واتقائها، كما يوجد قناعة لدى البعض بأن الإسلام يحارب من الجميع في الداخل والخارج، ولذلك كان رفضهم لقرار غلق المساجد مثلًا بناءً على هذاسببًا في تحايلهم على القرار بإقامة الصلاة في أماكن أخرى، ولا يقتصر خطأالقناعات التي مصدرها الدين على المسلمين السنة فحسب، ولكن الشيعة أيضًاحيث كان لديهم اعتقاد بأن انتشار الأمراض وكثرة الموت والمشاكل الاقتصادية مؤشر على قرب ظهور المهدي، لذلك فهو أمر لا يجب الخوف منه من وجهة نظرهم لأنه أمر منتظر، المسيحيون أيضًا ساهمت قناعاتهم الخاطئة في حالةاللامبالاة؛ فقد رفض كثير منهم قرار الكنيسة بوقف طقس تناول القربان بسبب الوباء بحجة أنه طقس ديني ولا يمكن أن يكون مصدرًا لأذى، وعلى ذلك فقد أدت هذه القناعات الخاطئة في الركون عن الأخذ بالأسباب والاتكالية والتسليم بأي مصير، والاقتناع بعجز الإنسان عن مواجهة أزماته.

كورونا في مصر

3- العامل الثقافي:

يتمثل هذا العامل في أمرين، درجة الوعي ونمط التفكير السائد؛ أما مسألة الوعي فتتعلق بمستوى معين من الإدراك والثقافة تمكن الفرد من فهم ما يدور حوله وتكسبه الإمكانية والمهارة اللازمة للتعامل معه بشكل سليم، وقد أدى غياب هذا الوعي إلى تعميق الأزمة الخاصة بالوباء، لأنه حتى في بعض الحالات التي يرغب الفرد فيها أن يتعامل بصورة صحيحة؛ فإن ثقافته لا تساعده على ذلك،فتراه مثلًا يتخذ وسائل للوقاية غير مهمة في حين يهمل أخرى أكثر أهمية، أو يقوم بها على وجه خاطئ، وأما عن نمط التفكير فإن لدينا بعض هذه الأنماط التي تؤثر على طريقة تعاملنا مع الوباء، فهناك حالة ذهنية سائدة تقوم على التفرقة بين المستوى النظري والمستوى العملي أو الواقعي، ومن مظاهرها أنك تجد استهانة بالأفكار والتنظير واعتباره مضيعة للوقت، فالعلم لدينا هو ما في “الرأس” لا ما في “الكراس” كما يقال، فهناك قناعة مثلًا بأن ما يتم دراسته في الكتب لا علاقة له بشكل كبير بالواقع، فالكلام النظري شيء والواقع شيء آخر، ومن مظاهر ذلك أيضّا أننا قادرون على وضع العديد من الخطط والإجراءات والسياسات والقواعد بشكل جيد على الورق، لكن عند التنفيذ قد لا يتم تطبيق ذلك مطلقًا، أو يتم التطبيق بشكل مختلف بدرجة كبيرة، كل ذلك دون أن نشعر أن ثمة مشكلة في الأمر، وهناك بعض الأمثلة على ذلك من واقع التعامل مع الوباء؛ فقد تجد هناك بعض الإجراءات والقواعد التي وضعتها الحكومة للتعامل مع الأمر، لكن في الواقع لا تجد لها تطبيقًا، وإن تم فإنه يكون بصورة متحايلة، كأن يرتدي الفرد الكمامة حتى يمر على لجنة المرور أو عند دخوله من بوابة مصلحة حكومية ثم ينزعها، وقد تجد الشخص المسؤول عن مراقبة تنفيذ الإجراءات الوقائية نفسه لا يلتزم بها، كما تستطيع رؤية ذلك بوضوح في محطات مترو الأنفاق التي لا تكف عن إذاعة تسجيل صوتي متكررطوال اليوم عن خطورة الفيرس وطرق نقل العدوى وأهمية ارتداء الكمامة، لكن ترى الأفراد يدخلون المحطة بدون الكمامة دون اعتراض أو توقيف من أحد من الإدارة!

كورونا في مصر

4- العامل الاجتماعي:

على خلاف العلاقات الاجتماعية في الغرب التي تتسم بالطابع الفردي، فإنها في المجتمع العربي تتسم بطابع جماعي، فهي قوية ومتداخلة وشديدةالحميمية، الأمر الذي يجعل لدينا العديد من الأوقات والمناسبات والأسباب التي تجعل الأفراد يتجمعون ويختلطون ببعضهم باستمرار وبأعداد كبيرة، وقد ترتب على هذا أن كان هناك صعوبة بالغة في التقيد بما فرضه الوباء من قيود وما تطلبه من إجراءات، فوجد الكثيرون صعوبة في الالتزام بالتباعد الاجتماعي وعدم الخروج من المنزل إلا للضرورة والتقليل من التجمعات، كما كانت هناك صعوبة في الاستغناء عن بعض العادات الاجتماعية التي تتطلب الاختلاط والتجمع بصورة كبيرة، مثل إقامة الأفراح والمآتم والزيارات المتبادلة في المناسبات المختلفة، حرصًا على استمرار العلاقات الاجتماعية وخوفًا من تأثرها بذلك.

5- العامل الاقتصادي:

لا شك أن الظروف الاقتصادية تساهم في وجود صعوبة لدى البعض في الالتزام بالإجراءات الوقائية، فالكثيرون مجبرون على الخروج من المنزل والاختلاط رغم أي ظروف سعيًا وراء الحصول على الدخل لإشباع حاجاتهم الأساسية، ورغم أن هذا العامل هو الأكثر شهرة حيث يتم الاستناد إليه بشكل كبير لتبرير تلك الحالة من اللامبالاة وعدم الالتزام بحجة الضغوط التي تسببهاالظروف الاقتصادية ومتطلبات الحصول على الدخل، إلا أنه أضعف الأسباب؛لأن العبرة ليست في عدم الاختلاط بشكل كامل بقدر ما هي في وجود الوعي والرغبة في الالتزام بالإجراءات التي من الممكن اتخاذها في أية ظروف ومن أهمها وأسهلها ارتداء الكمامة، هذا بجانب أن الكثيرين يمارسون الكثير من أنشطتهم غير الضرورية ودون أي التزام.

كورونا في مصر

خاتمة:

إن كل أزمة تكشف عن بعض جوانب القصور ومظاهر الخلل في المجتمع، وقد كشف الوباء عن كثير منها، وإني أظن أننا بحاجة في هذه الظروف إلى اكتشاف أمراضنا الاجتماعية والتفكير في طرق علاجها، قدر حاجتنا إلى البحث عن لقاح أو علاج للوباء.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: