رؤى

الكتب المؤسِسة للعنف.. نقد الإخوان لأفكار المودودي وتيارات التكفير (5-5)

انتقد كتابات المودودي كتاب” دعاة لا قضاة” الذي ألفه المرشد  الثاني للإخوان المسلمين والذي نُشر في مصر عام 1977 وكان قد وُضع في السجن بعد كتابات سيد قطب في السجن التي تأثر فيها بأفكار صديقه الهندي الباكستاني أبي الأعلي المودودي ، والتي قادت إلي الحكم علي الحكام والمجتمعات والناس بالكفر لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله بالنسبة للحكام ولأنهم يتحاكمون إلي الطاغوت بالنسبة للمجتمعات ، وكانت حجج المودودي وقطب أن الجاهليين الذين بُعث فيهم النبي كانوا يعلمون معني المصطلحات الأربعة الإله والرب والعبادة والدين ويعلمون معني شهادة الحق أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، بينما المسلمون في المجتمعات المسلمة لم يكونوا يعرفون هذا المعني الذي علمه الكفار قبل بعثة النبي صلي الله عليه وسلم ، وأن علماء المسلمين ومفسريهم قد ضيقوا المعاني الواسعة التي تدل عليها تلك المصطلحات الأربعة ، فقصرت بهم تلك المعاني عن تحقيق معني الشهادة الصحيح ، ولذلك وجب التوقف والتبين في إثبات الإسلام لهم جميعا حتي التأكد من العلم بما يدل عليه صحيح تلك الكلمات كما بينها المودودي في رسالته المصطلحات الأربعة” وجاراه علي ذلك سيد قطب في الظلال وفي المعالم .

دعاة لا قضاة يوضح أن تلك المعاني واضحة وقد بينها القرآن الكريم أكمل توضيح وفسرها المفسرون أحسن تفسير ، وتفسيرهم أوفي وأحسن من التراجم اللغوية فبيان القرآن وتوضيحه أغني من كل ذلك ، والمجمع عليه أن المسلم يثبت له الإسلام بمجرد شهادته أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله ، ومع إثبات الإسلام له يدخل في معني العصمة التي تعصم دمه وماله وتعصمه من إجراء أحكام الردة والتكفير عليه بمجرد التوهم والظن أو بمجرد الافتراض العقلي الذي لم يثبت وهو مخالف لصريح القرآن والسنة والإجماع بإجراء أحكام التكفير علي المسلمين لمجرد الظن أنهم لم يكونوا لاهم ولا مفسروهم ولا علماؤهم يعرفون معاني المصطلحات التي كان يعرفها المشركون والكفار أفضل منهم.

حسن الهضيبي دعاة لا قضاةالحاكميه مصطلح وضعي

يقول دعاة لا قضاة ” ونحن علي يقين أن لفظ الحاكمية لم ترد به آية من آيات الذكر الحكيم ، وفي بحثنا في الصحيح من أحاديث الرسول لم نجد منها حديثا قد تضمن تلك اللفظه ،،،، وينتهي إلي القول وقد لا يمضي كثير من الوقت حتي يستقل المصطلح بنفسه في أذهان الناس ويقر في آذانهم أنه هو الأصل الذي يُرجع إليه ، وأنه الحكم الكلي الجامع الذي تتفرع عنه كافة الأحكام التفصيلية ، وينسي الناس أن الآيات والأحاديث التي لوحظ فيها المعني الذي وضع المصطلح عنوانا له هو الأصل الذي يتعين الرجوع إليه ، بل قد يغيب عنهم أن مراد واضعي المصطلح لم يكن غير التعبير عن معاني عامة أرادوا إبرازها وجذب انتباه الناس إلي أهميتها ، دون أن يقصدوا وضع أحكام فقهية خاصة التفصيلية منها .

وهكذا يجعل بعض الناس مصطلحا لمعتقدهم لم يرد به نص من كتاب ولا سنة ، ومن كلام بشر غير معصوم وأرد عليه الخطأ والوهم.

وفي سياق الحاكمية أشار دعاة لا قضاة إلي أن هناك فرق بين الاحتكام إلي أمر الله ورسوله كمرد ومرجع لمعرفة حكم الله ورسوله في مسألة ما ، وبين وجود من ينفذ هذا الحكم ،، فالاحتكام اعتراف بمرجعية الله والرسول والرد إليها ، وإقامة الحكومة التي تنفذ هذا الحكم مسألة أخري فالمسلم مخاطب بالاحتكام والرد ولكن إذا قام مانع من وجود من ينفذ ذلك الحكم في الواقع فإنه ليس مطالبا بزوال ذلك المانع فهاتان قضيتان مختلفتان ، ” وليس كل تكليف بأمر يتضمن حتما تكليفا برد العدوان المانع من تنفيذ ذلك الأمر ، فالأمر بإقامة الصلاة لا يتضمن تكليفا برد عدوان مانع من إقامتها ، والأمر بأداء فريضة الحج لا يتضمن أمرا بمقاتلة ومدافعة منع مانع  من أدائها ، فالأمر والخطاب الوارد بتكليف ما قضية ورد العدوان المانع من تحقيق الأمر والتكليف قضية أخري وشريعة أخري يقوم الدليل علي  وجوبها من نصوص أخري .

وأبطل الكتاب ما ذهب إليه تيار التكفيريين أن الناس يكفرون مالم يقيموا الحكومة الإسلامية استنادا لقوله تعالي ” فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ” ، وأوضح أن قاعدة مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب مصطلح من وضع البشر وليس مصطلحا جاء به القرآن أو السنة ، وإنما هي من لوازم الأيديولوجيا التي تُلزم الناس بلوازم أرادها واضعو تلك الأيديلوجيا ليحملوا الناس رهقا من أمرهم ويكلفوهم مالا يطيقونه ، كما أن القول بضرورة تكفير الحكام لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله وأن ذلك معلوم من الدين بالضرورة وأن من لم يفعل ذلك فهو كافر فذلك مخالف لما عليه إطباق أهل السنة والجماعة من أن ذلك ليس معلوما من الدين بالضرورة ، وأن الجحود لحكم الله وإنكاره هو ما يكفر به الحاكم ، وأن اعتقاد تكفيره من الناس أو أن مخالفته لحكم الله دون جحده خروج من الملة فذلك كله أوهام تيار أيديولوجيا التكفير ، وكذلك قولهم الكفر بالطاغوت مقتضاة الحكم بكفره وأن لم يعتقد ذلك بقلبه وينطقه معلنا إياه بلسانه بأنه لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ، ومن لم يحكم بكفر هذا الأخير فهو كافر وهكذا فيما عُرف عن أيديولوجيا التكفير بدور التكفير الذي ينتهي بتكفير آخر مسلم في العالم لأنه لم يتفق معهم في ضرورة تكفير الطاغوت والحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله.

الحاكمية
الحاكمية

أيديولوجيا يتحمل واضعوها مسئوليتها

نحن أمام أيديولوجيا عقلية وضعها منظروها من عند أنفسهم وانطلقوا في تأسيسها بوضع افتراضات غير مسلمة لا علي المستوي العقلي ولا الفطري ولا الشرعي ولا الواقعي ومن ذلك مثلا ما أوضحناه أن المصطلحات الجديدة لتلك الأيديولوجيا كما عند المودودي وقطب هي نتاج أفكار هؤلاء المنظرون وقادتهم إلي استنتاجات خطيرة فيما يتعلق بإلزام الناس بنتائجها والحكم عليهم بالخروج من الإسلام ، وهو ما جعل تلك الأيديولوجيا عنصرا للانقسام داخل الأمة المسلمة وليست سببا لتوحيدها ، وبصرف النظر عن عدم اتفاقها تماما مع أيديولوجيا الخوارج  القديمة إلا أنها كانت سببا في الانقسام الرأسي داخل الأمة وفاتحة لظهور تيارات تغذت من هذه الأيديولجيا واستخدمتها لإحداث مزيد من التمزق والتهديد لنسيج المجتمعات الإسلامية وضرب تماسكها ووحدتها واستقرارها عبر التوسع في مفاهيم الردة الجماعية والتكفير ومن ثم التفجير والقتل والقتال المريع كما لا حظنا في تطور الكتب المؤسسة للعنف من النظريات العامة التي وضعها المودودي وقطب في الحاكمية والجاهلية  ثم التوسع فيمن جاء بعدهم بالحكم علي الناس بالردة الجماعية ثم الولاء والبراء ثم القتل والقتال ثم التوحش وإدارة مناطقه كما حدث مع داعش ثم إلزام الناس بأحكام التكفير عليهم فيما أطلق عليه الفعل السلبي بعدم قيامهم علي حكامهم ،  وكل ذلك نتاج لأيديولوجيا ثبت عدم قدرتها علي البقاء أو الفاعلية أو الصلاح أو الإصلاح وهو ما يعني أنها انتهت إلي طريق مسدود ولا بد من التأسيس لفكر ديني جديد يفتح الباب للإصلاح والمصالحة ويفتح الطريق للوحدة والالتئام بين مكونات الأمة وينبذ العنف والجاهلية والحكم علي الناس ويهدي إلي الخير وإلي صراط مستقيم  ما الذي يجعلنا نقول بتحمل أيديولوجيي الإسلام المعاصر مسئولية ما كتبوه بشكل رئيسي ، بينما نحمل مسئولية الاجتزاء والتوظيف لمن استظهروا بن تيمية واتخذوه سبيلا لتحقيق مآربهم الأيديولوجية ، ما أشرنا إليه سابقا من أن أيديولوجيي الإسلام المعاصر كانت لديهم أفكارهم المسبقة وافتراضاتهم العقلية والنفسية التي استقامت في أنفسهم  وعقولهم  ووجدانهم قبل أن يكتبوا وينظروا لها ، فالافتراض بأن المسلمين اليوم لم يفهموا القرآن ولا مصطلحات العقيدة فيه كما فهمها المشركون الذين بعث فيهم النبي قام في نفس المودودي من خلال ملاحظته لمسلمي الهند الذين يغلب عليهم التصوف والمنسك العبادي الطقوسي كما هو حال أغلب المسلمين في العالم ، وحتي يثورهم ويطرح نظريته عن الانقلاب الإسلامي في حياتهم كان لا بد من الحديث عن هذا الافتراض الخاطئ الذي لم يُختبر وتكذبه الدلائل والوقائع  والردود التي أوردناها عليه من قبل.

سيد قطب والمودودي
سيد قطب والمودودي

أن الافتراضات حول ضرورة إقامة الحكومة الإسلامية والخلافة التي تقوم بمصالح الناس دينا ودنيا وُضعت من جانب هؤلاء الأيديولوجيين في مجال العقيدة وليس في مجال الحركة والعمل والجهد والاجتهاد البشري ، وإنما اعتبرت أمرا عقديا يكفر من لا يعتقد به ويؤمن بضرورته والعمل لتحقيقه ،  وأن مسألة الحاكمية السياسية هي مركز النسق الإسلامي كله التي يتصاغر معها فرائض كالصلاة والصوم والحج ، لقد تصور هؤلاء الأيديولوجيون أن قيام الحكومة الإسلامية سيحل علي الفور كافة المشاكل الأخري المتعلقة بغياب التشريع الإسلامي وغياب نمط الحياة للنموذج الإسلامي الأول ، ومن ثم يكفر من لا يؤمن بهذه الافتراض من المسلمين .

أن الحكومة الإسلامية والانقلاب الإسلامي  لكي تتحقق لا بد من وسائل لذلك ومنها التنظيم الطليعي الصلب الذي يتولي هذه المهمة نيابة عن الناس في مواجهة الحكومات القائمة التي لا تحكم بالشريعة ومن ثم فإن سبيل الخروج عليها بقوة السلاح وتأليب الناس هو السبيل الذي لا سبيل سواه ، ومن ثم التغيير بالقوة المسلحة ومن أعلي ، ولم ينتبه واضعو تلك الأيديولوجيا المتوهمة أبدا إلي قدرات الناس والمجتمعات وطاقتهم وعامل امتلاكهم للأسباب التي تمكنهم من تحقيق هذه العقيدة التي فرضوها عليهم فرضا بلا هدي  ولا بينة ولا كتاب منير.

إحدى التفجيرات الإرهابية في شمال سيناء
إحدى التفجيرات الإرهابية في شمال سيناء

أن هذه الأيديولوجيا ومناهجها ثبت من الواقع فشلها  فقد كانت الرسائل تكتب لتنظيمات ضيقة كحال الجماعة الإسلامية في باكستان وحال التنظيم القطبي الذي حاول سيد قطب تأسيسه عام 1965، أو لجماعة الإخوان المسلمين ممن آمنوا بأفكاره الأيديولوجية الجديدة .

هنا الأيديولوجيون من أصحاب الكتب المؤسسة للعنف هم من وضع هذه الأيديولوجيا وهي محض تخليق خاص بأفكارهم  وقراءتهم للواقع والنصوص ، وسعيهم لبناء تنظيم يؤمن بهذه الأيديولوجيا التي وضعها أولئك الأيديولوجيون

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: