رؤى

فاطمة بنت الفهري…سيدة القرويين

يصعب على الباحث عادة الوصول إلى الإسهامات التي قامت بها النساء المسلمات في حضارة وثقافة بلادهن لسببين: الأول هو التهميش الذي قام به عدد من المؤرخين والفقهاء المسلمون لهذه الإسهامات والثاني هو التعتيم الذي قام به لقرون الاستعمار الأوروبي على هذه الإسهامات لتكريس فكرة مفادها أن هذه الأقطار التي استعمرها لم تعرف مفهوم “حقوق النساء” قبل وصول الأوروبيين إليها.

إلا أن المدقق في تاريخ بلاد الإسلام لا يلبث أن يقع على دور مميز لعبته نماذج نسائية بارزة ومن بين هذه النماذج على سبيل المثال لا الحصر الدور الذي لعبته فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية في تأسيس واحد من أقدم وأبرز مراكز العلم في بلاد المغرب وهو جامع – وجامعة – القرويين.

يعود نسب فاطمة الفهرية إلى ذرية عقبة بن نافع فاتح بلاد الشمال الإفريقي والذي استشهد بعد جهاد طويل لنشر الإسلام في هذه البلدان وبعد أن أسس مدينة القيروان في تونس.

ولدت الفهرية في تلك المدينة التي أسسها جدها الفاتح لأسرة ذات نسب وعلم غزير وكان والدها حريصًا على تعليمها هي وأختها مريم منذ سن مبكرة.

ومع نزوح الأسرة من مدينة القيروان إلى مدينة فاس في المغرب٫ استقرت الفهرية وبقية أفراد أسرتها في “عدوة القرويين” أو الحي المخصص لهؤلاء المهاجرين وكان ذلك في عهد أسرة الأدارسة التي حكمت بلاد المغرب وأسست أول الدول المستقلة في تلك المنطقة.

وبعد وفاة كل من زوجها وأبيها٫ ورثت فاطمة الفهرية ثروة طائلة فنذرت أن تضع هذه الثروة في خدمة العلم خاصة بعد أن رأت ضيق المسجد بالمصلين فيه فأسست جامعا أسمته “القرويين” نسبه إلى أهلها القادمين من القيروان.

ووضعت الفهرية حجر الأساس لهذا المسجد في شهر رمضان الفضيل في عام ٨٥٩ للميلاد ومن الطريف حقًا وفقًا لبعض المؤرخين أنها نذرت أن تصوم شكرا لله تعالى حتى اكتمل البناء.

لكن الفهرية لم تأسس مجرد مكان لأداء الصلاة بل أسست ما أسمته كل من منظمة اليونسكو موسوعة جينيس للأرقام القياسية بأنها “أقدم جامعة في العالم”.

ويشير المؤرخ عبد الهادي التازي في كتابه “جامع القرويين” أن المؤرخين يشيرون إلى القرويين بوصفه “أقدم جامعة” بمعنى أنه المعهد الوحيد الذي لم ينقطع دوره العلمي حيث لم يتعرض لفترات انقطاع تاريخية كما حدث للأزهر الشريف في مصر أو لجامع الزيتونة في تونس.

وعرفت القرويين وفقا للتازي نظاما دقيقا للدراسة في مختلف فروع المعرفة سواء العلوم الدينية أو غيرها حيث عرفت أروقة الجامعة الحلقة ذات الأستاذ الواحد والحلقة ذات الأستاذين والحلقات لا يحضرها سوى المعممين.

وفي أروقة الجامعة أيضا التقى المغرب العربي بالمشرق حيث اعتمد المعلمون والأساتذة في هذه الجامعة على مؤلفات المشارقة في مختلف العلوم كمناهج للطلبة في مرحلة التأسيس ثم ما لبثوا أن أضافوا إلى مناهج الدراسة مؤلفاتهم هم المتنوعة.

كما اشتهرتْ جامعة القرويين بمكتبتها التي أنشئتْ كذلك في العصر المريني وضُمت إليها فيما بعد مكتبة السلطان الـمُوحدي يوسف بن عبد المؤمن لتضاهي مكتبة قرطبة التي كانت تحوي ما يزيد عن 600 ألف مجلدٍ من الكتب.

وتدل أسماء بعض طلبة القرويين على المكانة الرفيعة التي بلغتها هذه الجامعة في العالم الإسلامي حيث وفد إليها طلبة من كافة الأركان يبتغون العلم والمعرفة وفي مقدمتهم المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون الذي عُرف بمقدمته الشهيرة لكتابه “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر” الذي رصد فيه أسباب قيام وانهيار الدول والمجتمعات البشرية.

ولم يقتصر فضل الجامعة على العلماء من الرجال بل امتد٫ كما يوكد التازي٫ إلى “الفضليات من سيدات مدينة فاس” اللواتي كن يقصدن الأروقة الخاصة التي تشرف على المجالس العلمية فكانت “العرائس في خدورهن على بينة من أمر دينهن ودنياهن”.

وحتى يومنا هذا لا يزال منبر جامعة القرويين منتصبا شامخا في قلب مدينة فاس ليكون شاهدا على المكانة التي وصلت إليها المرأة المسلمة بعد قرنين فحسب من هجرة النبي الكريم وعلى ما استطاعت سيدة مثل فاطمة الفهرية أن تنجزه في ظل مجتمع كان يشجعها على الأخذ بزمام المبادرة والابتكار ويقدر قيمة العلم والمراكز التي تنشره بين العباد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: