رؤى

بعيدا عن الأخطاء القاتلة.. ما يلزم الناس لتحريك قضايا التحرش والاغتصاب

في الآونة الأخيرة، كثر الحديث في موضوعات التحرش والاغتصاب، برزت حالات جديدة لافتة للنظر من حيث شهرة المتهمين ودوائر أعمالهم، وتتالت شهادات الفتيات اللواتي يزعمن اغتصاب هؤلاء الرجال لهن أو تحرشهم بهن أو محاولة ذلك.. في العادة لا يكون رد الفعل عاقلا من الجماهير التي تتابع هذه الموضوعات في الصحف والمواقع والمدونات والسوشيال ميديا، لا يكون رد الفعل رزينا ولا حكيما بالمرة، لكن ينقسم الناس حينئذ إلى قسمين، والانقسام ميراث مؤسف طاغ ظهر أكثر ما ظهر مع صخب الميادين وإشتعال الأحداث الثورية في المجتمع المصري.. ينقسمون إلى فريقين متناقضين تماما؛ ففريق يبرئ المتهمين من الجريمة المشينة تبرئة قطعية بلا دليل يخص الواقعة المذكورة نفسها؛ ويردُّ ما يقال كلُّه إلى رغبة شريرة في تفتيت الكتلة الواحدة، سيما كتلة المثقفين، فهم ضمن المدانين دائما أبدا، للأسف، في مثل هذه الموضوعات اللاأخلاقية المثارة بقوة حاليا، وطبعا تلويث سمعتهم وفض الناس من حولهم؛ حتى ينفرد من يفعلون ذلك بالمشهد وحدهم، ضامنين سكوت المثقفين الفياضين بالمعرفة والميالين إلى المعارضة، سكوتهم الناجم عن الشعور بالحرج البالغ والخجل العظيم.. وأما الفريق الآخر النقيض فيمعن في إدانة من لم تدنهم المحاكم بشيء بعد، ويتزيد في الأمر، ويسخر ويستهزئ، وينتصر للضحايا الذين لا يملك ما يؤكد صدق رواياتهم، ويملأ الدنيا ضجيجا وصياحا حريصا على أن تصل فضيحة المتهمين إلى كل من يعنيهم الأمر، ومن لا يعنيهم من قريب ولا بعيد، ومن عجيب أن هذا الفريق قد لا يكون بينه وبين من تُوجَّه إليهم أصابع الاتهام معركة ولا خصومة ولا حتى معرفة ما؛ لكن يبدو الأمر كما لو كان شهوة خوض مجاني في مسألة مثيرة وتشفيا من الخلق بلا أسباب واضحة إلا أن يكون حصاد الشهرة هو الغاية والحصول على ألقاب كالبطل والمناضل من أجل الحق وحامي حمى الأعراض المنتهكة!

هذان هما الفريقان الغالبان، بكامل الأسى، في المشهد القبيح البائس المتصل بموضوعات الاعتداء الجسدي على الإناث، ولا يومض الفريق الثالث في الطريق المظلم الوعر إلا لِمَامَا ولا يومض إلا نادرًا، وهو الفريق الذي يمكن وصفه بالموضوعية والاتزان في تناول المطروح على الساحة الاجتماعية، وبعمق التحليل، والاهتمام بجمع الأدلة القطعية، أو شبه القطعية، التي تفيد الإدانة أو البراءة، والاتجاه الكامل صوب القانون الذي يراه هذا الفريق النبيل المتواضع هو الفيصل، وليس الرأي الشخصي الذي لا يكون خاليا من الانحياز في الغالب مهما حرص صاحبه على الحيادية!

بداية علينا أن نكره من كل قلوبنا هذه الجريمة النكراء.. جريمة مواقعة أنثى بدون رضاها أو التحرش اللفظي والبدني بها.. علينا أن نعترف أيضا بنمو الجريمة في المجتمع بمرور السنوات، وبتطورها، أعني باتخاذها أشكالا ماكرة مضللة أكثر من ذي قبل، وبشيء أخطر تماما: أن كثيرين من الرجال يبررون الجريمة البشعة، منساقين وراء مقولات خادعة كطغيان ملابس النساء المفتوحة والشفافة وزينتهن الصارخة ومخالطتهن الرجال في المواصلات والأسواق ومؤسسات الأعمال وتحررهن الزائد عموما، تحررهن الشكلي والجوهري، في سنوات قاسية ماديا لا يستطيع معظم الشباب فيها أن يقدموا على الزواج كما أنهم، في الوقت نفسه، يشاهدون ما يستفزهم للغاية بواسطة الهواتف المحمولة والقنوات الفضائيات، ويتحينون الفرصة لتفريغ طاقاتهم المكبوتة.. ومن عجيب أن نساء كثيرات يشاركن الرجال هذا الكلام الخائب الخبيث؛ فيرين أن النساء هن السبب وأن الرجل الناضج أو الشاب المراهق لن يقترب من السيدة المحتشمة ولن يصل إلى المرأة التي لا تخرج من بيتها إلا لضرورة قصوى!

الرد على هذا الكلام المحرض على ارتكاب الجريمة، بل يجب كشف عوار المروجين له من الرجال والنساء على السواء بصورة عاجلة جدية، رد يسير وليس عسيرا كما قد يظن متحجرو العقول وفاسدو الضمائر.. فالمغتصب أو المتحرش مريض نفسي مسعور الشهوة لا يبالي بحالة من يصادفها في طريقه؛ فهي صيده الثمين ولو كانت بملابس الشتاء في قلب الصيف، وهي زهرته الفواحة ولو كانت بلا عطور، وهي فرصته للخلاص من غليان دمه المعتلِّ ولو كانت بائسة الجمال أو معاقة أو شحيحة اللحم أو حاملا في أشهرها الأخيرة.. وليس شرطا أن يكون من مشاهدي البورنو والرقص الفاضح والمناظر المهيجة للذكورة، فقد يكون ممن لا يهتمون بمثل ذلك، لكنه مولع به، وراسخ فيه، لا يهدأ جنونه إلا بصراخ الأنثى المحاصرة الخائفة وتوسلاتها وركوعها المهين أمامه.. ههنا أخص النساء اللواتي يجارين الرجال في تبرير اغتصاب أخواتهن أو التحرش بهن، أخصهن بكلمة إضافية ضرورية: أنتن في مرمى الخطر، في عين الذكر الجائع الذي لا يشبع ولو كان متزوجا بأربع، ولا يصح خلط الأمور ببعضها خلطا تعسفيا؛ فالملبس حرية والاختلاط حرية والنزول من البيوت حرية والالتزام بالدين من عدمه حرية، لكن الاعتداء ليس حرية بالمرة؛ فكيف تدعين أن الحرية باب لاقتراف نقيضها؟! وكيف لا يمكننا بعد ذلك وصفكن بالمتشددات في الدين أو الأخلاق بل المرتبكات نفسيا والغَيَارَى من نساء حرصن على نيل حريتهن، ونلنها فعليا، بينما بقيتن أنتن في التنظير البائس المهلك الذي ليس إنسانيا بالمناسبة في تقييمه الواثق الفارغ؟!

أخيرا، يلزمنا كثير من الذكاء والأناة والرحابة والصدق في عرض موضوعات كهذه الموضوعات، يلزمنا أن نكون كالفريق الثالث الذي يتوسط فريقين متطرفين، فبدلا من أن نتوسع في الممالأة أو الخصومة، ونشر صور المدانين وأعمالهم ومواقعهم، علينا أن نهتم بالقضية نفسها لا شخصيات المتهمين، وأن نرتب شهادات الشاهدات، وننسقها، ونستخلص أبلغ ما فيها، باحثين عن أدلة مادية تدعم الشهادات أو تنفيها، وألا يكون هدفنا نصر طرف على آخر، لكن الانتصار للحق بذاته، مع دعم الشاكيات معنويا، بلا مبالغة، وضمان السرية لمن يردنها منهن، والاعتماد على المحامين النبهاء القضاء النزيه العادل في المطلق.

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: