رؤى

دعاة عصر السادات.. الشيخ كشك كنموذج للغلظة ونشر الظلام

المتأمل لطبيعة العلاقة التي ربطت ما بين أنور السادات والإسلاميين بمصر سوف يقف مطولا أمام خطابه الذي ألقاه يوم خمسة سبتمبر سنة 1981 بمجلس الشعب قبيل اغتياله بشهر واحد فقط والذي ربما حاول من خلاله تقديم ما يبرر اعتقال عدد من قيادات تيار الإسلام السياسي ضمن قائمة اعتقالات سبتمبر الشهيرة التي ضمت إلى جانب بعض قيادات تيار الإسلام السياسي ودعاته نخبة من خيرة مثقفي وفناني مصر كان أغلبهم ممن ينتمون لتيار اليسار .. وإذا كان اعتقال اليساريين قد جاء لرفضهم التطبيع مع الكيان الصهيوني واعتراضهم على مجمل سياسات الانفتاح الاقتصادي التي اتبعها السادات فما هى الأسباب التي كانت وراء اعتقال الاسلاميين الذين لم يُعرف عنهم تمسكهم برفض التطبيع أو معارضة سياسية الانفتاح الاقتصادي؟ .. تُرى ما الذي جعل السادات يجمع في حملة اعتقال واحدة ما بين معارضيه من اليساريين ونتائج غرس يديه من الإسلاميين؟

الكاتب الصحفي وائل لطفي في كتابه «دعاة عصر السادات .. كيف تمت صناعة التشدد في مصر» يطرح طبيعة العلاقة التي ربطت ما بين السادات وتيار الإسلام السياسي في محاولة منه لرصد أهم سمات ومعالم ذلك التيار وطبيعة الدور الذي لعبه عدد من دعاة ذلك العصر في دعم عملية تحول المجتمع المصري نحو تبني مظاهر «الأسلمة» الثقافية والاجتماعية والذين باتوا بمثابة النواة الأولى لانطلاق ظاهرة «الدعاة الجدد» التي تناولها الكاتب في كتاب سابق له حمل عنوان: «دعاة السوبر ماركت».

دعاة عصر السادات .. كيف تمت صناعة التشدد في مصر

الرئيس المؤمن وأمير الأمراء

يستهل الكاتب وائل لطفي كتابة بتوضيح طبيعة العلاقة التي ربطت ما بين السادات حامل لقب «الرئيس المؤمن» وتيار الإسلام السياسي وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين وطبيعة الدور الذي لعبه في تأسيس الجماعات الإسلامية بالجامعات المصرية.

توقف الكاتب عند عام 1977 حين ظهرت الجماعة الإسلامية ككيان عام تولى السيطرة على الإسلاميين بالجامعات المصرية وكيف أصبح طالب الطب «حلمي الجزار» أول أمير للجماعة وحامل لقب «أمير الأمراء» وكيف لعبت الدولة المصرية ذاتها دورا في دعم تلك المخيمات الصيفية التي كانت تنظمها تلك الجماعة بالجامعات المختلفة وما تلاها من خروج الجماعة الإسلامية خارج أسوار الجامعات حين بدأت في تنظيم إقامة صلاة العيد بالساحات والميادين العامة وظهور الشيخ القرضاوي كإمام لصلاة العيد بميدان عابدين وما تبعه من إكتساء جدران مصر بشعارات «إسلامية .. إسلامية .. لا شرقية ولا غربية».

حلمي الجزار
حلمي الجزار

بالتوازي مع ما شهدته الجماعات المصرية من «أسلمة» وشيوع لظاهرة إرتداء الفتيات للنقاب أسس الإخوان المسلمين «الاتحاد الدولي للمنظمات الطلابية» كمنظمة تضم طلاب الإخوان على مستوى العالم ومقرها مدينة «أخن» الألمانية وبذات السياق انتشرت بالجامعات المصرية كتابات أبي الأعلى المودودي وكتابات حسن البنا وسيد قطب وعبد القادر عودة ولمع صيت الشيخ كشك بلسانه اللاذع معتليا عرش الترويج لتلك الحالة من الظلامية التي عمت المجتمع المصري ودفعته دفعا نحو الخوض في عالم الماضي المظلم إلى أن انقلب السادات عليه وضمه لقائمة اعتقالات سبتمبر 1981 والتي تناولها السادات في خطابه الأخير معربا عن ضيقه بالإخوان ودعاتهم لخروجهم على قواعد اللعبة السياسية التي تم بناء عليها دعوتهم للعودة للمجال العام.

الشيخ كشك كنموذج للغلظة

إذا كان العصر الحالي هو عصر أغاني المهرجانات فإن سبعينيات القرن الماضي كانت دون شك عصر شرائط الكاسيت الخاصة بالشيخ كشك «1933-1996» ذلك الشيخ الذي امتلك القدرة على الحكي والقص والسخرية اللاذعة واستخدام قدراته تلك في محاربة الفن ورموزه فلم تسلم من لسانه اللاذع سيدة الغناء العربي أم كلثوم كما لم يسلم منه الفنان عبد الحليم حافظ وغيرهما الكثير من رموز الفن والثقافة بمصر والعالم العربي وفي المقابل تناول بالمدح الشديد رموز جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا وسيد قطب.

لعب الشيخ كشك دورا محوريا في تحول المزاج العام للمجتمع المصري ودفعه نحو تبني مظاهرة «الأسلمة» الثقافية والاجتماعية والتوجه نحو الظلامية فالشيخ كما قدمه الكاتب عايش طفولة بائسة دفعته نحو تبني الظلام فهو ابن لأسرة فقيرة من ريف البحيرة فقد بصره ووالده منذ نعومة أظافره إلا أنه ورغم قسوة العيش حرص على مواصلة تعليمه فانتقل من البحيرة إلى الأسكندرية كي يلتحق بالمعهد الديني الأزهري الذي مكنه من الإلتحاق فيما بعد بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة.

أفاض الشيخ بمذكراته في وصف تلك المعاناة التي مر بها كطفل ضرير مغترب وكيف اختار لنفسه أن يتخذ من التفوق الدراسي سبيلا لتجاوز تلك المعاناة التي مر بها حتى إنه عند تخرجه وكان الأول على دفعته بكلية أصول الدين خُيرَ ما بين الخطابة بالمساجد وبين أن يكون عضوا بهيئة التدريس بجامعة الأزهر فاختار أن يكون خطيبا بالمساجد.

مذكرات الشيخ كشكبدأ الشيخ كشك الخطابة عام 1961 بأحد مساجد القاهرة الصغيرة بحي الشرابية غير أنه لم يعرف طريقه نحو النجومية سوى منتصف السبعينيات حين أعطى السادات الضوء الأخضر لكل المنتمين للتيار الإسلامي للظهور والسيطرة على المجال العام فانطلق الشيخ عبر خطبه الرنانة في مهاجمة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كما هاجم معمر القذافي وحافظ الأسد وصدام حسين بذات الأوقات التي شهدت توترا لعلاقاتهم مع السادات فكأنه بترتيب مسبق وقصد أو دون قصد قد لعب دورا محوريا في دعم السادات وتصفية خلافاته مع خصومه وبالمقابل قدم لجمهوره بصورة درامية باكية اللحظات الأخيرة من حياة سيد قطب بوصفه «أيقونة الإخوان المسلمين المقدسة».

الغريب في الأمر يتمثل في تأكيد الكاتب على أن الشيخ كشك ومع تبنيه الكامل لفكر وفلسفة الإخوان المسلمين حتى صار أبرز دعاتها في السبعينيات ورغم اعتقاله لمدة عامين ونصف عام 1965 في ظل أزمة الإخوان مع نظام يوليو إلا أنه لم يكن عضوا منظما بالجماعة وإن تبنى خطابها؟!

الشيخ وعالم الفن

أفاض الشيخ كشك في محاربة أهل الفن وعلى رأسهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم التي ظلت طوال حياتها وبعد وفاتها وحتى اللحظة الراهنة تتمتع بمكانة عالية لدورها الفني العظيم ودورها الوطني في دعم الجيش المصري خلال حرب الاستنزاف غير أن الشيخ لاذع اللسان حولها بخطبه من كونها أحد أبرز رموز المرأة المصرية والعربية إلى مجرد سيدة عجوز متصابية تتغنى وتناجي الحبيب وهى في السبعين من عمرها.

YouTube video

العداء للفن والفنانيين كان أحد أهم أهداف ذلك الشيخ الغليظ فلم تخلو خطبة من خطبه إلا وهاجم فيها أهل الفن فعبد الحليم حافظ عنده مجرد «مراهق عجوز» يتغنى بأغنية «فاتت جنبنا» التي تدور من وجهة نظر الشيخ حول معنى تافه لا قيمة له .. ويتسأل الشيخ «هل حرر عبد الحليم القدس؟ هل أعاد الأندلس؟ هل أعاد الجمهوريات الإسلامية؟».

يسخط الشيخ على الفنان فريد الأطرش بعد وفاته فيعلق على ما نشرته الصحف من تفاصيل تخص ثروته: «امتلأت نفسي دهشة وأنا أقرأ تركة أحد المطربين الذي توفى منذ أسابيع وبلغ من نفاق الصحافة أن اسمته شهيد الفن .. أي فن هذا الذي له شهداء؟ أي فن؟ فن يا عوازل فلفلوا .. ما قال لي وقولت له» .. انتقد الشيخ وصية فريد الأطرش الخاصة ببناء قبر له من الرخام وفي المقابل غازل الفقراء «هذه حياة الفقراء في بلدنا يعيشون غرباء ويموتون غرباء يعيشون لا يجدون الغذاء والكساء ولا الغطاء ولا الدواء، بينما شهيد الفن يوصي بأن يدفن في قبر مصنوع من الرخام الخالص .. ويوصي وصية أخرى هى أن يدفن العود معه .. شيء عجيب .. ما وظيفة العود في القبر؟ إذا سألك الملكان: من ربك؟ أتكون إجابتك عزفا منفردا على العود؟ ما هذا الكلام» ولكن هل كان فريد الأطرش أو أي فنان أخر هو المسؤول عن حالة هؤلاء الفقراء أم أن السياسات العامة للدولة هى المسؤولة عن تفشي الفقر وزيادة حدته؟! وهو ما لم يتطرق له الشيخ مطلقا.

يمضي الشيخ في محاربة فن السينما فما من فيلم سينمائي يعرض بدور العرض المصرية دون أن يتعرض فنانيه للسباب على لسانه كما ينتقد ارتفاع أجور الفنانيين التي تأتي من وجهة نظره على حساب تجويع الفقراء فكأنه أراد بهذا أن يضع الفن والفنانيين في مواجهة حامية مع الفقراء وهو هنا لا يستخدم آلية التحريم الديني للفن لكنه يستخدم ما هو أشد تأثيرا على الفقراء والمهمشين من أبناء المجتمع المصري أنه يعتمد على آلية التحريض الاجتماعي فالقضية كما يصورها لجمهوره ليست قضية تقصير الدولة في حق الفقراء والمهمشين ولكنها قضية استحواذ الفن والفنانيين على نصيب الفقراء من الدعم.

YouTube video

لعب الشيخ دورا فاعلا كداعية لجماعة الإخوان المسلمين فكان كما قيل عنه بمثابة «صوت العرب» لجماعة الإخوان المسلمين فحسن البنا لديه هو الإمام الشهيد الذي اغتيل لفهمه الإسلام فهما صحيحا «فالإسلام دين الدولة وعقيدة وشريعة .. مسجد وقيادة وعبادة وريادة فلما علم الشرق والغرب أن هذا الرجل خطير على مصالحه .. كان لابد من القضاء عليه».

أسهم الشيخ كشك بنصيب الأسد في إشعال مناخ الفتنة الطائفية الذي ظهرت بودارها في السبعينيات كان دائما ما يتحدث عن ذلك المخطط الوهمي الذي يسعى فيه الأقباط للانفصال بدولة مستقلة خاصة بهم بجنوب مصر وعقب أحداث الزاوية الحمراء الطائفية تمت إحالة الشيخ لتحقيق إداري تم معه بوزارة الأوقاف وكان ذلك التحقيق بمثابة إيذانا بنهاية تعاونه مع نظام السادات.

الغريب في أمر هذا الشيخ أنه كان يهاجم شيخ الأزهر ورموز المؤسسة الدينية ويتهمهم بالتفريط في الدفاع عن الدين بالرغم من كونه أزهري النشأة وذلك في الوقت الذي كان يدافع فيه عن جماعة الإخوان المسلمين الذي لم يكن عضوا بها.

تألق الشيخ خلال السبعينيات ما بين عامي «1974-1981» قدم خلال تلك الفترة نحو مائتي خطبة مسجلة بواسطة شرائط الكاسيت التي راجت بذلك الحين والتي لولا ظهروها ربما لم ينل ذلك الشيخ تلك الشهرة، ساند الشيخ السادات غير أن مساندته تلك لم تعفيه من السجن حيث جرى عليه ما جرى على بعض قيادات تيار الإسلام السياسي الذين انقلبوا على السادات أو انقلب هو عليهم حين تم اعتقالهم ضمن حملة اعتقالات سبتمبر الشهيرة عام 1981 والتي أفرج عنهم منها عقب اغتيال السادات وتولي مبارك للحكم.

الشيخ كشك الذي ساند بكل قوته كيان الإخوان المسلمين الذي عاد بقوة خلال فترة السبعينيات الشيخ الذي تسبب في إشعال الفتنة الطائفية وإشاعة ذلك المناخ الظلامي السوداوي بمصر عبر مهاجمته رموز الفن والثقافة خرج من السجن ليلتزم الصمت حتى وفاته عام 1996 .. مات الشيخ وبقى مراثة الظلامي الذي يقوم على الغلظة في النقد وإشاعة مناخ الفرقة والتحريض حي ينخر في كيان المجتمع المصري وتتوالى الرحلة لنصل إلى ما نحن فيه.. غير أن باب الأمل مازال معقودا على تلك الأجيال الجديدة من الشباب الذين خاضوا ثورة 25 يناير 2011 وعاينوا تجربة حكم الإخوان .. فرغم قسوة التجربة وما آلت إليه إلا أن الأجيال الجديدة من الشباب بما لديهم من قدرة على التواصل العالمي باتوا نبع الأمل الذي لن يخفت يوما والذي ربما يطرح رؤية مستقبلية جديدة تتضمن تقديم منظومة اجتهادات تساهم في علاج ما شهده المجتمع المصري من جراح بالآونة الأخيرة فدائما وأبدا للحلم بقية وإن بعد حين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock