رؤى

صمود الخلافة.. تطور تهديد الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى

عرض وترجمة: أحمد بركات
برغم أنه لم يكن يوما ولاية رسمية قائمة بذاتها، تحولت الجماعة المعروفة باسم “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” من تنظيم تابع “لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) يعاني من إهماله بشكل عام طوال فترة وجوده تقريبا، إلى جناح مهم للغاية في ولاية غرب أفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية اعتبارا من مارس 2019.

غُرست البذور الأولى لما سيصبح لاحقا تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى في شهر رمضان في صيف عام 2014، عندما بعث حمادة ولد الخيري، وهو قائد موريتاني رفيع المستوى في حركة “التوحيد والجهاد” في غرب أفريقيا، والمعروفة على نطاق أوسع بحروفها الأولى في اللغة الفرنسية (MUJAO)، برسالة لدعم الدولة الإسلامية التي أعلن قيامها في ذلك العام في العراق وسوريا.

وبعد عام تقريبا، في 13 مايو 2015، أصدر عدنان أبو وليد الصحراوي، القائد السابق في “حركة التوحيد والجهاد” في غرب أفريقيا (MUJAO) بيانا صوتيا بايع فيه تنظيم الدولة الإسلامية. وبذلك، انشق عن جماعة “المرابطون” الموالية لتنظيم القاعدة التي كان ينتمي إليها في ذلك الوقت، وبهذه البيعة، شكل الصحراوي، إلى جانب بضعة عشرات من المقاتلين المنشقين، “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”.

وفي خريف 2016، قام رجال الصحراوي، بوصفهم جزءا من التنظيم الجديد، بتنفيذ أول سلسلة من هجماتهم المسلحة، التي تضمنت اعتداءات على مركز جمركي في ماركوي، ومعكسر تابع للجيش في إنتانغوم في بوركينا فاسو، إلى جانب محاولة اقتحام سجن كوتوكيل شديد الحراسة في شمال نيامي، عاصمة النيجر.

وبرغم تجاهل بيعة جماعة الصحراوي في بداية الأمر، إلا أن هذه الاعتداءات المسلحة التي قامت بها الجماعة دفعت بتنظيم الدولة المركزي (في العراق والشام) للاعتراف بها. وأظهر مقطع مصور بثته الوكالة الإعلامية التابعة لتنظيم الدولة، “أعماق”، في 30 أكتوبر 2016 الصحراوي ورجاله يبايعون البغدادي، لكن برغم الاعتراف بوجودها من قبل التنظيم المركزي، لم ترق جماعة “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” إلى مرتبة “الولاية”.

وشهد عام 2017 تغيرا جذريا في قدرات “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”. ففي هذا العام، توسعت الجماعة بعد أن تمكنت من حشد عدد كبير من المقاتلين على خلفية العنف الطائفي في المناطق الحدودية بين مالي والنيجر، كما استقبلت عناصر منشقة عن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، الساحلية التابعة لتنظيم القاعدة، وهي تكتل جهادي يتخذ من منطقة الساحل الأفريقي مقرا له، ويعمل كمظلة موحِدة لخمس فصائل أخرى.

وعلى المستوى العملياتي، تحول “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” من مجرد الاضطلاع بالهجمات الخاطفة القائمة على الكر والفر إلى الهجمات المنسقة واسعة النطاق ضد المواقع العسكرية في جميع أنحاء منطقة تيلابيري في شمال النيجر، والتي شملت، من بين عمليات أخرى، نصب كمين قاتل في تيرزاوين في فبراير 2017، ما أسفر عن مقتل 16 جنديا، ودفع بالسلطات النيجيرية إلى طلب نشر قوات فرنسية.

وساهم الكمين الذي نصبه “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” في قرية تونغو تونغو في النيجر في أكتوبر 2017، واستهدف قوية أمريكية نيجيرية مشتركة، وأسفر عن مقتل أربعة جنود أمريكيين وخمسة نيجيريين، بقدر كبير في تحول التنظيم بشكل قاطع من غياهب النسيان والإهمال النسبي إلى شغل شاغل للدوائر الإعلامية والأمنية، وللتنظيمات الأخرى في المنطقة.

ورغم أن تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى ظل حتى عام 2019 منفصلا عن شبكة تنظيم الدولة الإسلامية، حيث لم ينشر التنظيم المركزي في العراق والشام أي رسائل تتعلق بالجماعة بعد اعترافه بها في أكتوبر 2016، وبقيت الجماعة بعيدا عن مكانة الولاية الكاملة القائمة بذاتها، ظل التنظيم الأفريقي يحتفظ بولائه وإخلاصه كاملين للتنظيم الأم في العراق وسوريا. وراح يصور نفسه طوال الوقت على أنه البديل المتشدد لنظيره المحلي القاعدي من خلال تنفيذ مذابح جماعية ضد السكان المدنيين وعرض عمليات قطع الرأس وغيرها من أعمال العنف الوحشي في منتجاته الإعلامية.

وفي 22 مارس 2019، وضع التنظيم المركزي حدا لفترة الصمت التي امتدت على مدى عامين ونصف بحق الفرع الأفريقي في منطقة الساحل، وذلك عندما نشر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام تقريرا من صورة واحدة عن فرعه الأفريقي، كان من الواضح أنه يتعلق بولاية تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا، ويعرض لمقاتلي الدولة الإسلامية في بوركينا فاسو.

كان هذا التقرير بمثابة العلامة الأولى على أن “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” في طريقه ليصبح جزءا من “ولاية تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا”.

وأعقب هذه التقرير المصور تقريرا مكتوبا من صفحتين عن “الصحراء الكبرى” في العدد 175 من نشرة “النبأ” والتي أعلن فيها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام مسؤوليته عن عدد من الهجمات، أبرزها هجومين انتحاريين ضد القوات الفرنسية في مالي واختطاف ثم قتل الجيولوجي الكندي كيرك وودمان في بوركينا فاسو.

وفي نهاية أبريل 2019، ظهر البغدادي في تسجيل سمعي بصري (كان ظهوره في هذا النوع من التسجيلات نادرا للغاية) يقبل فيه بيعات من جماعات في مالي وبوركينا فاسو، حيث انتهز الفرصة لينسب الفضل إلى مؤسس “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”، عدنان أبو وليد الصحراوي، بذكره صراحة والثناء عليه، ودعا المقاتين الساحليين إلى تكثيف عملياتهم ضد فرنسا وحلفائها في المنطقة.

وبالفعل، لم يضيع مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وقتا طويلا قبل تلبية دعوة البغدادي. ففي مايو 2019، دشنت عناصر التنظيم سلسلة هجمات في جميع أنحاء تيلابيري، شملت – من بين عمليات أخرى –كمينا جماعيا بالقرب من قرية تونغو تونغو.

حافظ تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى على وتيرة العنف في منطقة الساحل. وفي الفترة من مايو 2019 إلى مايو 2020، نفذ التنظيم 18 هجوما أسفرت عن مقتل 400 جندي في بوركينا فاسو ومالي والنيجر. ويتمثل العامل الوحيد الذي يمكن أن يقلل من وتيرته العمياتية في تدهور علاقته مع الجماعات الموالية لتنظيم القاعدة تحت مظلة “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جاسون فارنر – أستاذ مساعد في قسم العلوم الاجتماعية في الأكاديمية العسكرية الأمريكية “ويست بوينت”.
ريان أوفاريل – باحث متخصص في القضايا الأمنية في أفريقيا والشرق الأوسط
هيني نسيبيا – باحث أول في “مشروع موقع الصراع المسلح وبيانات الأحداث” (ACLED)
ريان كومنجز – مدير شركة “سيجنال ريسك” الاستشارية لإدارة المخاطر السياسية والأمنية
*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: