ثقافة

عن سوء الفهم المتوارث بين الحكومة والأهالي..كيف قرأ يحيى حقي كف مصر؟ (4)

"خليها على الله" ..

تحفل مذكرات يحيى حقي الأدبية في مجموعته الرائعة “خليها على الله” بالعديد من الإشارات على التناقض الصارخ بين منطق الأهالي وطريقة نظرهم للأمور وبين منطق الحكومة والدولة الحديثة الذي يعجزون عن فهمه، كما تكشف المذكرات الصورة شديدة السلبية للإدارة الحكومية وموظفيها في نظر الأهالي.

خليها على اللهالعمدة .. “رجل غويط”

أول ممثلي الحكومة وموظفيها هو العمدة نفسه – فهو موظف حكومي دون أن يحصل على أجر مباشرمن الوظيفة – ويصفه حقي في مذكراته القصصية”جمعية عمومية” (مجموعة خليها على الله) بأنه “رجل “غويط” يوحي منظره بأنه كثير الاحتراس، يجتهد أن لا تنم حركاته وأقواله عن نياته وأغراضه … الناس عنده رجل ضعيف يبحث عن أحد الوسائل لاستغلاله، أو قوي يعمل جهده لتلاشي أذاه … ولكن بقدر طمع العمد واستقوائهم على الأهالي فإنهم سلبيون مطيعون للإدارة الأعلى … (ويكمل حقيالصورة بوصف أحد الاجتماعات التي تم استدعاؤهم إليها في البندر قائلا): “يجلس العمد صفا وراء صف، يستمعون إلى الخطب والأوامر المشددة… لم أجد فيهم من يتكلم أو يقف ليسأل، بل هم منصتون صامتون، فهذا كلام سمعوه من قبل مرارا، وما حضورهم إلا سداداً لخانة “.

وفي مذكراته “دجالون” يلاحظ حقي أن المأمور – وهو موظف مهم آخر- ” لم يغضب … إلا لأن الشكوى الإدارية.. قد انقلبت .. إلى جنحة نصب ستضاف إلى إحصائيات الجرائم في المركز”، أما الشكوى ذاتها فلا تهم في شئ.

الموظفون .. جباة الضرائب المرتشون

ويبدو أن الذاكرة الجمعية للأهالي لا تزال تكرس صورة الموظف الحكومي باعتباره جابياً للأموال والضرائب لا أكثر. لذلك يكتب حقي في مذكرات “فراغة عين”: “رأيت الفلاح يحاذر أن تظهر عليه دلائل النعمة، فهذه خط دفاعه التي ورثها عن جدوده حين كانت تمزق السياط ظهورهم لتحصيل الضرائب منهم. ويتفق توفيق الحكيم في “يوميات نائب في الأرياف” مع حقي فيما رصده من نظرة الأهالي لموظفي الدولة حيث يرونهم “حريصون على تطبيق القانون حين يكون أداة أخذ … ثم لا يعبأون به ولا بالفلاحين حين يكون طريقا لنيل حق… (هنا)… تتجلى صور تعسف الأحكام المنمقة بالمنطق والمذكرات التفسيرية والفلسفة “.

ويرصد حقي ظاهرة الرشوة لدى بعض الموظفين ذوي الذمم الخربة، وهي الظاهرة التي يبررها هؤلاء بارتباط قدر الوظيفة وأبهتها بمقدار ما يلقونه من الإكرام حين ينزلون على الفلاحين، كما يشير إلى إساءة بعض الموظفين لصورتهم في عيون الأهالي،وتوضح مذكرات “قبلات وأحضان” كيف يكون موظفاً على استعداد للتنكيل بزميل من أقرب أصدقائه بمجرد تحقيق مصلحة وظيفية”. ويتساءل حقي على لسان أحد الأهالي في المذكرات: ” كيف يخلص لنا هؤلاء وهم لا يخلصون بعضهم لبعض؟ “.

الصعيد في الأربعينات
الصعيد في الأربعينات

الموظفون الشرفاء .. العابرون

أما عن الموظفين الشرفاء المتعاطفين مع الأهالي، فتبدو علاقة الأهالي بهم كعلاقة عابرة مؤقتة غير عضوية، وهو ما لاحظه يحيى حقي في مذكراته “ماحدش زيك” ( مجموعة خليها على الله ): ” فما يكاد القادم يستمر بينهم ويألفهم ويألفونه حتى يُنقل ويحل محله وجه جديد … فالفلاح رجل عملي يجد من العبث والإسراف في غير طائل أن تتحول الألفة إلى صداقة مع عابر سبيل “. ويكون رد الفعل عند بعض هؤلاء الموظفين الحكوميين الشرفاء المخلصين أن ” يلحقهم شئ من المرارة، ويتهمون (الأهالي) بالجحود وقلة الوفاء … كنت أحس بهذه التيارات التحتانية وأرقبها بأسى غير قليل، ولا أعرف لها علاجاً، وأرى أن مجتمعنا في الريف يضيع عليه بسببها كثير من الخير “.

على مستوى التجربة الشخصية ليحيى حقي وعلاقته بالأهالي في قرى منفلوط بالصعيد، لم يفلح معاون الحكومة- المخلص المحب للأهالي- في حمل الأهالي على تجاوز تلك الهوة التي اكتشف عمقها بينهم وبين الحكومة وموظفيها، فالريبة والشكوك تتملكهم إزائهم بشكل قوي ويبدو أن الإدارة لم تنجح بعد في اقتلاع صورة الحكم المستبد الذي كان يعتمد على القسر والإكراه والسخرة طوال التاريخ منذ عهود مصر القديمة وطوال فترات الحكم الأجنبي لمصر قبل استقلالها.

فعلى الرغم مما لاحظه في بداية احتكاكه بالأهالي منحرصهم الدائم على رفع الموظف درجة عن درجته الحقيقية، “فالمهندس يُنادي “الباشمهندس”، والجاويش يصبح “باشجاويش” والمفتش “باشمفتش”، إلا أنه يعود في مذكرات “بيت الباشمهندس” (خليها على الله) ليكتشف- بمرارة أنهم يقصدون نوعا من الاستهزاء في الحقيقة – خاصة بمن يحتقرونه من الموظفين- فيصبح لدرجة التفخيم الأعلى معنى “عكسياً”، “فأهل البلد حين ينطقون لفظ “الباشمهندس” لا يخفون ابتسامة تدل على الاستخفاف والرثاء معا”.

احصاءات “خليها على الله”

اهتم حقي في مذكراته بإبراز بعض المشكلات الثقافية التي تعوق عمليات التنمية في الصعيد، وكان أول ما لاحظه عدم فهم الأهالي لضرورة الإحصائيات التي تحرص مؤسسات الدولة على استيفائها بدقة غير مفهومة من وجهة نظرهم، فالعمدة والصراف لا ينظرون للأمر إلا باعتباره أوامر عليا ينبغي تنفيذها، أما الأهالي فيتوجسون من ذكر حقيقة مملكاتهم خشية الضرائب والحسد. وتكشف المذكرات التي جاءت تحت عنوان “احصائيات” عن احساس العمدة والصراف بتلك “المصيبة” التي وقعت على رأسيهما عندما تسلم الأخير رسميا زكيبتين من الورق الملفوف.. ” لما فكها وجدت أمامي أكبر استمارة رأيتها في حياتي، إنها استمارة الاحصاء الزراعي العام، والمطلوب ملء بياناتها خلال أسبوع على مستوى القرية”.

ريف مصر في الأربعينات
ريف مصر في الأربعينات

ثم يشير الكاتب إلى أحد الأسباب التاريخية لتوجس الأهالي واغترابهم عن تلك الإحصاءات الحكومية التي كانت تتم ترجمتها في هذا الزمان عن إحصاءات أجنبية مماثلة، مما يفسر غرابة بعض بنودها عن واقعنا.. “في الاستمارة أسماء لمحاصيل وأشجار لا أسمع بها ولا أعرفها.. من الذي سيملأ هذه الاستمارات، أين هو الفلاح الذي يقرأها ويفهمها؟ … ( وحرصا على سرعة الإنجاز يتولى الصراف ملء الاستمارات بنفسه في المكتب من أكبر مالك في القرية إلى أصغر فلاح فيها )…كام شجرة لبخ؟ قول عشرة عشرين. وكام شجرة بلوط؟ قول عشرين ثلاثين، حد حيعد ورانا … إنها بالفعل إحصاءات “خليها على الله” كما يقول حقي على لسان أحد الأهالي.

الحكومة والأهالي .. المنطق المعكوس

ثمة حالة من عدم الفهم لمنطق الحكومة لدى الأهالي، وهو ما يجعلهم يتهمون موظفيها بالتسلط والقسر والإضرار بهم دون مبرر، ففي مذكرات أخرى بعنوان “ثلث الزمام” يفاجئ الأهالي- دون تمهيد أو توضيح – بصدور قانون يحرم زراعة القطن في أكثر من ثلث الزمام .. ” لعل الفلاحين لم يبلغهم خبر القانون.. أو لعلهم علموا به ولم يأبهوا له، ظانين أنه حبر على ورق “، وهو ما يعطي انطباعا عن نظرة الأهالي لقرارات الحكومة التي لا تنفذ بحسم في الكثير منالأحيان أو يتم التراجع عنها أو إهمال تنفيذها في أحيان أخرى.

يرصد حقي كيف أن الأهالي لا يفهمون أن الحكومة قد أصدرت هذا القانون للحد من هبوط أسعار القطن، ويقول: “كانت هناك هوة كبيرة بين الفلاح والحكومة … وجدت معظم أشغال الحكومة- رغم حسن نيتها- يساء تفسيرها وتعرقل وتهدم.. في ذهن (الفلاح) اعتقاد راسخ بأن الحكومة لا تفهمه”.

مزارع القطن في مصر
مزارع القطن في مصر

ولكن التناقض والتنافر وعدم الفهم بين الأهالي والحكومة يصل إلى ذروته فيما يتعلق بالنظام الأوروبى الحديث لتحقيقات النيابة والقضاء، ” تلك التي لا يفهم الأهالي منطقها على الإطلاق، إذ تتناقض مع منطقهم تناقضا تاماً، ويظلم فيها الأهالي الدولة ونظامها القانوني الحديث ظلماً بيناً ” فيما يرى حقى؛ ففي مذكرات “سوق الجرائم” يقصواقعة قتل أحد الفلاحين على يد آخر بعد تهديده بسبب خلاف على حدود الأرض، ويقول:” هذه هي القضية عند أهل البلد، سهلة واضحة… إن القاتل هو هذا الشاب ولا ريب، ينبغي إذن حسب منطقهم (العملي المباشر والبسيط) القبض عليه فوراً ومحاكمته وإعدامه… ( ولكنهم يرون أن لرجال البوليس والنيابة منطق مخالف وإجراءات أخرى)… جعلنا همنا الأول البحث عن القاتل (ولكن دون جدوى)… ويتفرج الأهالي على الحكومة في هذه اللخمة ويستخفون بها “. يرى الأهالي أن الحكومة تتجاهل جوهر القضية وتهتم بالشكليات مثل القبض على المتهم متلبسا أو العثور على أداة الجريمة أو سؤال المتهم عن مكان وجوده وقت الجريمة.

والغريب أن توفيق الحكيم يتفق مع منطق الأهالي في “يوميات نائب في الأرياف” ويأخذ على مؤسسات الدولة وأجهزة الحكومة الإغراق في الشكليات ويصور كيف كان الموظفون يبذلون غاية جهدهم للمحافظة على الشكل الخارجي لقانون لا يقتنعون بمنطقيته، ولكن حقي على العكس من الحكيم يؤكد أولوية العثور على الأدلة المادية للإتهام وكيف أن الاعتماد على الشكاوي قد يكشف عن أن الكثير منها شكاوى كيدية، كما يرى أن تحول ضابط البوليس ومعاوني النيابة الى “لجان صلح” هو حل غير عملي. تكشف مذكرات يحيى حقي كيف أن حالة سوء الفهم المتبادل بين منطق الدولة الحديثة وبين المنطق التقليدي الموروث لايزال قائما بوضوح في مصر حتى اليوم

فؤاد السعيد

كاتب وباحث مصري متخصص في الثقافة السياسية felsaid58@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock