مدونة أصوات

أذرع الحنين الطويلة: قلبي مزرعة البياض “من خلفيات القصائد”

بعد أن هرب الشِعر مني لمدة عام ورفضته أنا لعامٍ آخر – نحاول أن نلعب لعبة الخروج من سيطرة كليْنا على الآخر، على الأقل لننظر من بعيد فنرى أوضح – كتبت قصيدتين في يومين متتاليين.. واحدة بمبنى ومعنى البساطة والخفة والتحرر والأخرى بوعي ينتمي للمجاز والقبض على الأشياء من شُبَّاك أسطوريتها ووهجها ولاهوتيتها .. الأولى أنا والثانية أنا.. الاثنان أنا .. يا الهي أنا مثنى.. أم أنني بعدد القصائد و الأساليب والنظرات وإشارات الأصابع.. أم أن الحقيقي فيَّ أبعد من كل هذا .. ينظر من بعيد بمكرٍ ، ويبتسم ..

*

أنا مرعوبٌ من هذا الزحام ..

وأَحنُّ إلى غرفةٍ صغيرةٍ لاتشبهُ أحداً أبداً..

خصوصاً أنا..

*

نظري ضعيفٌ منذ الصغر.. لهذا فالإضاءة عندي دائماً خافتةٌ وهادئةٌ وطيبة وبالتالي أنا هادئ وطيبٌ وأحكامي سديدةٌ وأضمنُ الجنة..

الذئبُ الذي في الداخل عيونه تلمع

قبل كل فجر..

*

اعتدتُ أن أنظر إليها وهي نائمةٌ لأتذكر كوني أملكُ أعصاباً تحترق دائماً ،يعني مُسلَّطَةٍ عليَّ .. وكونها تصالحت مع كوابيسها للنهاية .. و اعتادت هي أن تتعجب من نظرتي لها وأنا وسط النيران.. إذن لماذا يحنُّ كلٌ منا للآخر؟

غالباً لتكتمل به أوهامه..

مشهد من فيلم إشراقة أبدية لعقل نظيف
مشهد من فيلم إشراقة أبدية لعقل نظيف

*

خفتُ من كل شيء .. بدءاً من اقتراب بعوضة وحتى سقوطي في ذاكرة الوحش … خِفتُ وخِفتُ و خِفتُ حتى اعتدتُ ولم أعد أندهش وأنا خائف.. فقدَ الخوف طزاجته لكنه لم يفقد هيئته وهندامه وأنواره ..

لحيته – أوقنُ- مازالت أكبر من بلدتنا..

*

يُطِلُّ برأسه .. فأتمنى ألا يتحدث.. أن ينسحب صامتاً .. كلامه سيُضيِّق خيالاتي عنه ويحصره بين قوسين ولا أريد له أن يختنق في مربع ” القيمة”.. الضيِّق و الرطب و الحزين..

*

لا أتذكر الملامح ولا الأجساد ولا الأسماء.. فقط الروح أو الحالة .. لهذا أجدني أَحنُّ إلى حبيبتي .. من هي ؟ لا أعلم.. ماذا حدث بيننا ؟ لا يهم..

يبدو أنني أحنُّ للجوهر.. للنمط .. لأصل الحب .. حتى أنني أبكي على مواقف ( أضطر) أن أخترعها لترطيب لهيب الواقع، طول الوقت..

النسيان زاد الخيال..

*

أنا هَشٌ مثل الزجاج الأبيض وتؤثر فيَّ كل الأمور

أنا قويٌ مثل الصخر ولا تؤثر فيَّ كل الأمور

أنا خائفٌ دوماً..

لهذا أنا إنسانٌ من الزجاج الذي يتفتت

و الصخر الذي تشقهُ الأمطار..

رجل وحيد*

لا أحب فيكِ إلا جسدِك.. يعني كل ما هو ملموس و محسوس .. فكيف تحول هذا الكيان إلى أيقونة  روحية ؟ كيف صرتِ بعيدة حتى أصبحتِ مثالاً لا يُمَس ؟ أحب تلافيف اللحم و الثنيات والمداخل الخفية والبوابات المشرعة …

أحبُّ وأحبُّ و أحبُّ …

ولكن من بعيد ..

*

منذ كنت صغيراً وأنا منشغل بكَ يا رب .. متأرجحٌ بين إثباتكَ ونفيك و بين تجاهل الأمر ثم العودة مجدداً ودائماً .. حزينٌ دائماً ولا أنسى.. كل يومٍ أُحسُّ تذبذبي وكأنه جديد .. لكنَّ الذي حسمته كان حزني الذي عرفته وشممته وصاحبت قسوته..

اعتدت على أن تكون عيوني دائماً مطفية..

لو لمعت عيوني، سأحبك يا رب وأجري وأمد يدي مثل طفل…

*

أقسى ما في النسيان المعاناة في التذكر ، العجز مجسداً بالأحرى ، وكذلك مذاق الحسرة الذي يتبقى في فمك بعد الفشل .. إذا كانت الأسماء يمكن الاستعاضة عنها بصفات عامة ” يا جميل .. يا باشا.. يا أمير الأمرا .. الخ ” والطلبات عند المحلات والمصالح الحكومية ، بل وحتى وسائل المواصلات ، يمكن حلها بالكتابة على قصاصات .. فإن الأزمة تبدو أكثر حدة وقسوة في الأشياء التي تحبها .. عندما أبدأ في قراءة رواية أكون سعيداً فعلاً لكن كلما توغلت في القراءة سرعان ما تتقلص السعادة حتى تنتهي بمأساة  .. أنسى الأحداث ومبرراتها والأسماء وتكويناتها وخرائطها النفسية ومواقعها .. الخ فأعيد من البداية وهكذا يستغرق الأمر فترة طويلة إلى أن أمل فأتركها وأنا مهزوم .. قلت أركز في القراءة على قصائد الشعر لأنها مكثفة مهما طالت وسرها يبتعد عن التنامي والاطراد والمسافات بالمفهوم البانورامي المرتبط بالرواية مثلاً .. لكنك تمل أيضاً وتتألم .. تلجأ للقصة القصيرة وبعد ذلك الأخبار الصغيرة وليست المقالات والدراسات ثم للعبارات المقتضبة وليس للتحليل والكلام المسهب و لو حتى مع الأحباء .. إلى أن ينتهي بك الحال لاستخدام الإشارات .. فلأبدأ من الآن في التدرب على لغة الإشارة .. أنا أخرس قادم من الطريق المجاور … فلتشحذوا اشمئزازكم..

و أحياناً تعاطفكم…

الحياة في مصر*

منذ صغري وفكرة الانتحار تراودني وتأخذ مساحات شاسعة من أحلامي و هواجسي .. ويقول المعارضون التقليديون أنك لابد وأن تسعى للحياة لا للموت (وكأنك لن تموت في نهاية المطاف!!) ويقولون النهاية فعل قدري قسري لا ينبغي أن ترتكبه أنت حيث نضالك هو باتجاه الحياة فقط ..

عندما تصل اللحظة المحتومة يتساوى من مات صغيراً أو عجوزاً .. محترقاً أو تحت عجلات السيارات أو الحروب أو الزحام.. على فراشه أو في البحر.. الكل واحد الكل عدم.. ويقولون سيدخلك الله النار.. لكن لو صحت تصوراتنا عن الكبير ، أنه لابد وأن يكون رحيماً ومتسامحاً ..فالإلقاء في قاع جهنم قولٌ قد يحتاج لمراجعة …

الموت راحة في كل الأحوال .. بيدك أو بيد القدر أو الزمن .. سواء كنت هرباناً إليه أو باغتك .. اخترته   أو اصطادك .. راحة وهدوء و نوم طويل إلى ما لانهاية .. وهكذا يظل الانتحار قراراً نبيلاً لا يتخذه إلا الشجعان..

وأنا جبانٌ فعلاً..

الخواف القديم قدم الدهر..

*

عندما كنتُ متديناً وأقرب للتعصب في فترة من حياتي كنتُ أتعجب من تمكن شخص ما من اجتراح أي خطيئة .. كيف يجرؤ هذا الكلب؟ …كنت ألعن الحرية أو أخشاها في الحقيقة وأندهش من قدرات كل فاسق قبل أن أكرهه أو أحسده في الأعماق..

الخوف من المواجهة و الخوف من مقاربة الحقيقة.. هي المقومات والأركان..

الخوف هو سِرُّ كل أصولي..

لوحة انتحار لـ إدوارد مانيه
لوحة انتحار لـ إدوارد مانيه

*

حادثتي مع الشيخ الذي أجاب على أسئلتي العقلية ، يعني ونحن صامتين ونتحاور بالعينين فقط .. والتي أكررها منذ عشر سنوات .. هل كانت كما أرويها أم أنني عدَّلت فيه وحوَّرت أم أنني اخترعتها بالأساس.. لكن هل كنت أجرؤ وأنا تحت تأثير سطوته أن أخترع وأقول ما لم يجري ؟ أو أن هذه هي طريقتي في وفائي لذكراه : أن أساهم في ترويج فكرة قداسته ؟ وهل في الأمر ثمة انتقام مضمر بنشري كلام يعتبره الناس هذه الأيام خرافات..؟

المهم أنني لا أستطيع أبداً أبداً منع نفسي من تكرار هذه الحادثة التي صارت فارقة في حياتي..

و كذلك لا أستطيع منع نفسي كل يومٍ من الشك… و أحياناً من الحزن..

*

ميزة كبرى تكمن في كوني أستطيع البقاء وحيداً لمدد طويلة.. عندما سأموت سأكون وحيداً بدونهم ..إذن أنا أكثر فطنة منهم بالتأكيد..

و أتدرب بإخلاصٍ و اجتهادٍ حقاً..

*

كانت دراما “خلخلة اليقين” هي لعبتي الأثيرة مع أبي.. ولا أدري هل كان هذا هو نوع وشكل مقاومتي لترسانة اليقينيات والتوافقات التي يحيا بها ، هذه المقاومة التي هي مظهر تمرد المراهقة أو حتى وعي المثقف في موازاة بساطة الآخر..

أو أنَّ الأمر كان فيه نوع من السادية .. كنتُ أبيتُ سعيداً طول الليل وأنا أعلم أنه يتقلب على الجنبين بعدما زرعت جملة ماكرة وملتوية في قلب طرحه المطمئن..

لما صارت زوجتي حامل.. كنتُ أصحو من نومي وأُشيرُ لبطنها بيدي محذراً و صارخاً…

.. و بعدها مبتهلاً و مستعطفاً..

*

علمتُ منذُ كنتُ صغيراً أنني شاعر حتى قبل أن أدرك كنه ما أكتب .. ولم يكن هذا يسعدني .. فقط كان يريحني إدراك أن كل البشر مرضى نفسيين بشكلٍ ما ويُخرجون كبتهم متعدد الأوجه بصور مختلفة : مرة في هيئة عنف أو انطواء أو على صورة فن .. وأحمد الله على أن العَطَب من هذه الجهة وعلى تلك الشاكلة المعقولة .. كان هذا  هو الإدراك .. أما اليقين ، فلم يتلبسني إلا بعدما صافحتكِ للمرة الأخيرة .. وسمعتُ بأذني صوت كبدي وهو يتفتت حزناً..

*

اشترى صديقي ما كان يتمنى الحصول عليه منذ مدة .. كان سعيداً حقاً .. البهجة التي في عيونه أثارتني فعلاً .. أنا أيضاً سأبتهج من قلبي عندما… عندما…

*

في الصيف أحلم بالقتل وينقلب حزني لغضب لا يتحرك بالطبع خارج ذاتي، لهذا أقتلهم وأمثل بجثثهم في المنام ثم أحلم في اليقظة بأنني أقتل نفسي …

في الشتاء لا أحلم إلا بكوني أعمى والولد الصغير يسحبني ثم يتركني قرب البيت البعيد …

في الشتاء أعود مسكيناً …

*

و أنا وسط الناس أرتبك وتروح عيناي يميناً ويساراً وإن لم أحتمي بنفسي يضيق تنفسي وأكاد أختنق ..

أهرب بأي حجة ومرات تكون الحجج فنية وتصلح لأن أبتسم وأنا أتذكرها …

الأزمة تبدأ وأنا وحدي لأني لا أدري بمن ألوذ..

إلى أين أهرب يا ربي .. و مِن مَن بالتحديد..

رجل يجلس وحيدًا*

لا أستطيع الوقوف إلا لدقائق وإن سرت أجر أقدامي.. ألهث مع السلالم الأولى .. والتهابات عيني تبعدني عن القراءة والآلات المعرفية الحديثة .. ظهري ينحني بسرعة شديدة.. رعشة يدي.. طنين الأذن.. خصومتي الحقيقية هي مع جسدي الضعيف وشيخوختي المبكرة..

خصومتي معي من كل الزوايا رغم أني ضحية ..

لكن ضحية مَن يا أخي؟!

*

صحوتُ اليوم وأنا صقرٌ أفرد جناحيَّ في الأعالي وأصعد نحو الشمس بكل ثقةٍ و استعلاءٍ .. في الداخل البعيد كنت سعيداً حقاً.. ثم ضربني القناص في قلبي فصرتُ أهوِي       و أهوِي..

رغم أني حزينٌ ومكسورٌ إلا أن ردهاتي كانت تبتسم: أدركتُ في لمحةٍ أن في جناحي الأيمن السماء وفي الأيسر الأرض..

كانت خلف رأسي ابتسامة متشفية و داخلي يهزُّ رأسهُ بحكمة..

*

تظلين وجعي و وجيعتي يا أنتِ .. أهفو إليكِ .. لجسدكِ الحارق.. طعمك لا يفارق فمي .. حتى بعد أن تخليت عنه وصرت لا أفتح هذا الفم أبداً ، ظللتِ تسرين في ريقي.. لم يبق إلا أن أشرب السم لتختفي…

سعيدٌ بأني أقاوم وسعيدٌ بأني أنهزم..

*

أحياناً كانت تنتابني رغبة لا تقاوم لتدمير ما أحب أو ما تعبت فيه.. مرة وأنا صغير استغرقت في رسم لوحة شهرين كاملين من العمل اليومي وشاهدها الجميع وأعجبوا أيما إعجاب.. و جاء الليل وارتعشت يدي بشدة ولم أستطع منعها – رغم أني كنت أحاول بل وأبكي– حتى تمزقت تماماً… ومرةً مزق الشاب الصور الفوتوغرافية التي مكث طول الصيف في المدينة البعيدة وحاول بإخلاص أن يقتنص لحظات الكون فيها غير منتبه.. والآن لا يعاني الرجل إلا من المرايا.. رغبة القتل توقف تنفسه لهذا يعدو من أمام اللمعان ولا ينظر للخلف أبداً..

*

نبضة مربكة تتمشى في أعصاب ذراعي ثم تتنقل إلى الساق.. تزداد عصبيتها ورعبي يتضاعف إلى أن تستقر في الشريان الساكن أعلى العين…

يبدو إنها فكرتي الهاربة منذ دهر..

*

لأن بلدتي صغيرة فقد دوَّت – في مبدأ الأمر– مسألة أنني كاتبٌ كالطبل ، خاصة بعد أن ظهرت في التليفزيون عدة مرات .. المشكلة أن الناس عندما قرأوا لي فسروا الرموز تفسيرات تصب كلها ضد الدين .. ثم هدأ الأمر مع الوقت وتغيُّر بوصلة اهتمامات الناس دائماً، وكذلك مع اهتمامي بالنشر في دوريات متخصصة وبعيدة ،بالذات.. من أجل هذا كنت كلما دخلت مسجداً أُبدي خشوعاً أزيد من اللازم وكلما حادثني أحد أميل للتفسيرات القدرية وأحشو كلامي بالآيات و الأحاديث ..الخ .. آخر الليل كنت أحس أنني أمثل وأكذب وأن الصاعقة ستنزل عليَّ في أي وقت ..لهذا أظل أستغفر وأبتهل حتى أنام باكياً .. ومرت السنوات وتعودت على ذلك .. أكذب في النهار وأستغفر في الليل حتى جاء يوم قلت فيه لنفسي ومن قال أنك تمثل ، أنت أتقنت الأمر حتى صدقته … أنت الآن صالح فعلاً.. لهذا صارت نظراتي تميل لأسفل تلقائياً وأتجاهل الجميلات بكل بساطة…

*

أستلقي فارداً أفكاري فأراني ملفوفاً من البرد في كوخي الصغير الذي تظهر من نافذته المساحات الخضراء والنسيم وروح الله التي ترفرف .. ثم يظهر كوخ الجيران الضخم العالي مدبب الرأس فيغطي ظله كوخي

كأنه ملاءةٌ مرسومٌ عليها ضحكات ساخرة

أو كأنه شبح..

وحيد وسط الحشد*

حالة استلابٍ حقيقيٍ أعانيها مع أمي وزوجتي وابنتي وضحكة رئيسي في العمل والهواء الثقيل خلف الأبواب.. ومن قبل ذلك كان الله الذي ينظر ساخراً من وراء الغَمام .. و الزحام والملابس والأظافر وكذا الطائر الغامق الذي ظللتُ أحدِّق فيه حتى نزل هو إليَّ..

*

المسافة مابين دهشتي دائماً حتى بالأفعال المعتادة وبين رد الفعل تطول عندي بطريقة تلفت النظر وتسبب لي الكسوف والحزن .. أُعَنِّفُ نفسي وأنا محسور وأرمي نظري للأسفل وأغمغم: مرتبك دائم أو متأخر أم أنني محاصرٌ دائماً..

خاصةً بي..

*

كان يتعثر في الحكايات الغريبة والبشر الأغرب لأنه بالأساس يميل للحركة الدائبة والاندماج السريع الذي يتيح الاكتشاف والكشف .. وكنت أعيش على الدهشة التي يخلفها لي بعد أن يتركني و يذهب.. وكنت لا أجد لمنافستي اللاواعية – أم المقصودة؟- إلا الخيال لبناء عوالم موازية ، مدهشة هي الأخرى ..إلى أن مات هو بشكل درامي وبتفاصيل أكثر عجباً وصار هو في حد ذاته حكايةً سأتعذب أنا بالدهشة التي خلقتها وبعجز الخيال عن ملاحقة أَلَقها الفريد والشرير..

*

ألتصق بالحائط وأجعل الخلفية أصواتاً أختارها أنا بسرعة قبل أن تصل لحالها.. أفعل أي شيء وأحياناً أنجح وأحياناً أفشل ، في إيقاف حركة رقبتي العنيفة والمرتعشة للخلف كلما هَسَّ الصمت هَسَّة..

*

يرمي بعينيه في حِجْرِها..

يلَوِّحُ للغائبِ..

يتعاتبان بهز الأقدام و الذكريات..

تدعو السماء بقلبها..

سَلَّةٌ الزهورِ تقول إنهُ يكذب..

حوائطُ تحكي للصور..

كل هذا الضجيج يا ربي كيفَ يُطاق؟!

*

قطعة الدهان المتجمدة التي ظلت معلقة في السقف لسنوات، مقاومة كل تيارات الهواء ودوامات الحرارة والرطوبة و الذكريات .. تصادف أنني رأيتها و هي تهوي واحترت مثلها ومعها بين العذاب و المتعة.. و بين أصداء سؤال السقوط

: هل هو الفناء و العدم

أم أنه التحليق والانعتاق والنور..؟!

*

ما هي العلاقة بين الشعيرات البيض والفرحة ؟  تبتسمين لي فجأةً فأبتسم من عمقي وتزغرد عظامي وتتحول بصيلات الشَعْر إلى الأبيض الشاهق، الصافي ..

وما هي الصلة بين الشَعْر الأبيض و الحزن ؟

تشيحين عني فأنكمش ويحترق لحمي وتُثمر بصيلاتي وتنضج في لحظة ويملأ الأبيض عين الكاميرا ..

ثم بين الشَعر الأبيض والخوف ..

وبينه و بين الحصار..

مشهد من فيلم "بعيد" لنوري جيلان
مشهد من فيلم “بعيد” لنوري جيلان

……………….

قلبي مزرعة البياض..

*

البشر والمكان و الأشياء: أذرع الحنين الطويلة..  وبما إني وحيدٌ فقد استعضتُ عن البشر بظلالهم..

ولما عشتُ في مقبرةٍ صغيرةٍ قام الخيال ووسَّعها لي..

وبما إني أخاف من الأشياء فقد خَلَقَ الخيال لي أشياء لا تقتلني أو تغادرني سريعاً ..

الخيال هو شَبَكة الصيد التي تَلِمُّ كل هذهِ الأذرع السامة..

*

أحبُ النبيذَ ولا أذوقهُ وأتوقُ طول الوقتِ للتدخين ولا أدخن .. أهوى المقاهي ولا أمر حتى أمامها.. والنساء البيض أذوب في بريقهن لكني لا ألمسهن أبداً..

يبدو أن الخوف من ردود الأفعال اتخذ شكل وتأثير الرعب من الأفعال ذاتها .. من أريجها وخيالاتها وامتداداتها و تحولاتها..

الدراما تكمن في الرغبة الدائمة والفعل المرتعش، المستحيل .. وفي الوسط يلعب الزمن و يقهقه..

قهوة وسجائر*

أراقب مَنْ أحب من بعيد.. وكل ما أطمح إليه أن تنطبع صورته على روحي حتى أُغلِقُ عينيا عليهِ.. ويختنق معي …

*

أكونُ سعيداً وأنا أَسِبُّ نفسي بأقذع الألفاظ وأَحَطِّ العبارات..

أتباسطُ معي لأرسم الفَخَّ في نهاية الشَوْط..

*

يبدو أن هذا الحضور المركزي للجسد .. لجسدي بالذات ، في حياتي .. يعود في المقام الأول لغيابكم .. لوحدتي و توحدي ..

تهلِّون من أول النَفَق فيتوارى الجسد

وتغيبونَ فيتوحش..

*

بعدما حلُمتُ طويلاً طويلاً بالشبيه الذي سيحل محلي فأتنفس بلا قلقٍ ولو لثوانٍ وأرتاحُ مني ثم تجسَّدَ ولمستهُ بعيوني: عاش الأمور وتذوقها كأنه أنا…ثم زادت ثقته بنفسه للأسف وانفلت بعيداً وصار لا يجد سعادته إلا في الِنزال معي وسحقي تماماً .. وهكذا صار وضعي أكثر صعوبة وتعقيداً وتعددت جبهات حروبي.. صرتُ أحاربني وأحارب أنا الآخر.. و اللهَ و الريحَ والأصوات             و الروائح.. الخ الخ الخ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock