فن

الأم في دراما أسامة أنور عكاشة.. نساء من روح مصر

رصدت الدراما المصرية عبر عقود طويلة تفاصيل الأسرة بكل أبعادها وظلت الأم حاضرة بقوة في كل معالجة تقترب من البناء الاجتماعي للمصريين والمتابع لمشوار الدراما التلفزيونية الذي بدأ مع إنشاء التلفزيون المصري عام 1960 يجد أن “أسامة أنور عكاشة ” أو كما يطق عليه “عميد الدراما التلفزيونية “

قد نجح بدرجه كبيرة في رصد وتحليل حياة المصريين وقد من خلال شخصياته نماذج شديدة الدقة والغني من حيث ونجح في رسمها بمهارة لا نظير لها مما جعلها تبقى في وجدان ملايين المشاهدين وتتحدى الزمن وتستعصى على النسيان.

ويمكن القول بكل ثقة وطمأنينة أن “عكاشة ” هو أفضل من اقترب من رسم شخصية الأم المصرية بكل ملامحها المتداخلة وكافة تناقضاتها وتمكن أكثر من غيره في مجال الكتابة الدرامية من أن ينسج للمشاهد بروعة فائقة حياة ودور وتأثير الأم المصرية في مجتمع يعاني منذ سنوات من ذكورية مقيته وتراجع لدور المرأة في مختلف مناحي الحياة رغم تحقق بعض المكاسب في مجال المشاركة العامة والقوانين المنظمة لعلاقة الرجل بالمرأة إلا أن المناخ الثقافي والقيمي الحاكم لحياة المصريين يظل أقل مما يجب في هذا المجال.

في إطار الاحتفال بعيد الأم نحاول أن نتذكر نساء في عالم “عكاشة ” تلك النساء اللائي احتفى بهن أحيانا ووجه لهن انتقادات أحيانا أخرى لكن ظلت الأم في عالمه نموذجا متفردا وشديد الثراء ويحوى مئات التفاصيل والملامح شديدة المصرية وكأنه أراد أن يحملها كل تراثنا الحضاري ويكشف من خلالها عما وصلنا إليه.

حملت معظم “أمهات ” عكاشة صفات مشتركه من أبرزها القوة والصلابة والقدرة على الإدارة والحكمة وبعد النظر وحملن أيضا صفات الحنان والدفء والانشغال بتماسك الأسرة وصالح أعضائها لكنها كانت على الدوام شخصية شديدة الإستقلالية وعزة النفس تتحول إلى كائن مفترس إذا شعرت بخطر يهددها أو يهدد أسرتها وتطلق من بين رقتها وحنانها سهام مسمومة ضد كل من يحاول النيل من عزتها وشموخها ,غزل “أسامة ” شخصية الأم من تفاصيل اختزنها في وجدانه وسجلها عقله وتفاصيل تركيبة الأم المصرية منذ عهد الفراعنة وسوف نحاول الاقتراب ومن “أمهات “عكاشة “

“زينب جعفر” أم الشهد والدموع

عفاف شعيب من مسلسل الشهد والدموع
عفاف شعيب من مسلسل الشهد والدموع

في عام 1983 قدم عكاشة مع المخرج “إسماعيل عبد الحافظ ” واحدة من أنجح مسلسلاته والذي ساهم في تعريف الملايين بكاتب مميز ومتمكن وقادر على الكشف عن المتجمع بمهارة وهو مسلسل “الشهد والدموع ” وجاء المسلسل الاجتماعي ليرصد صراع تقليدي بين قوى الخير والشر من خلال عائلة واحدة وما يحيط بها من تفاعلات وتناقضات وقدمت الفنانة “عفاف شعيب ” دور الأم “زينب جعفر ” زوجة الراحل “شوقي رضوان ” الذى توفى بأزمة قلبيه نتيجة احساسه بالظلم من شقيقة ” حافظ رضوان ” الذى جسده يوسف شعبان.

وقد رسم “عكاشة ” شخصية زينب التي حملت عبء تربية أنبائها بعد وفاة زوجها وقبضت على حزنها المقيم بداخلها انتظار للحظة القصاص من الظالم بكل السبل والتي من أهمها حسن تربية أبنائها حتى يكونوا أفضل من أبناء عمهم المتسبب في قتل أبيهم.

قدم عكاشة شخصية الأم المصرية القوية المتماسكة القادرة على تحمل المسؤولية في أحلك الظروف والتي أجبرها القدر فجأة إلى أن تتولى مهمة الأب والأم في نفس الوقت وهذا حال مئات الأف من الأمهات المصريات ا

” ست إخوتها ” أم المصراويه

سميحة أيوب من مسلسل المصراوية
سميحة أيوب من مسلسل المصراوية

في عام 2007 كان الجزء الأول من ملحمة طالما حلم “عكاشة “بتقديمها ترصد حياة المصريين عبر مئات السنين وكانت الأم ” ست إخوتها ” التي جسدت دورها الفنانة القديرة “سميحة أيوب ” نموذجا ملئ بالتفاصيل فهي التي تدير شئون القرية وتبدى رأيا حاسما في كل القرارات هي زوجة العمدة الراحل وأم العمدة الابن “فتح الله الحسيني ” التي يعيش صراع نفسى وحضاري دائم بين زوجته سليلة الأسرة الخديوية والتزاماته تجاه مهام “العمودية في قرية من قرى محافظة كفر الشيخ ويقدم عكاشة الأم “ست إخواتها ” التي تسعى طوال الوقت للحفاظ على مكانة “فتح الله ” باعتباره عمدة القرية وكبيرها ولا تتردد في توبيخه وتقسو عليه إذا تطلب الأمر لكنها تتحول إلى سيدة تبجله وتعلى من قدره أمام الناس .

قدم عكاشة “ست إخوتها ” التي تملك الكثير من الحكمة والحزم وما تمثله من محبة وعطف على أسرتها وقدرتها على تحقيق العدل فيما بينهما.

الحاجة ” آمنة ” عاشقة زيزنيا

الحاجة أمنة من مسلسل زيزنيا
الحاجة أمنة من مسلسل زيزنيا

في عام 1997 قدم مع المخرج “جمال عبد الحميد ” مسلسل “زيزينا ” الذي امتد لجزئيين وكانت شخصية “الحاجة آمنة زوجة الحاج عامر عبد الظاهر” وجسدتها الراحلة الكبيرة “هدى سلطان ” وكانت واحدة من أهم ممثلات مصر اللائي جسدن شخصية الأم باقتدار .

جاءت شخصية “آمنة ” بقدرتها الكبيرة على الإيثار والعطاء لتكشف عن جانب مهم من جوانب الأم المصرية التي تحتضن “بشر عبد الجواد ” ابن زوجها وابن “الخواجايه ” لم يكن هذا سببا على الإطلاق في أن تحمل تجاهه مشاعر كراهية بل على العكس فقد كانت تعتبره ابنها تلك الأم التي خرجت سهام الغضب من كيانها المتسامح حين علمت بقيام زوجها بالزواج من أخرى فقررت أن تنهي أي علاقة معه دون طلاق حتى لا تجرح مشاعر أبنائها فأمرته – وهو الحاج عامر بكل ما يملك من قوة شخصية ونفوذ ومال – ان يحمل حقائبه ويرحل فلا يجد أمام قوتها وإصرارها وإحساسها بالجرح سوى تلبية أوامرها وترك المنزل.

هكذا قدم “عكاشة ” الأم المصرية القوية رغم رقتها المتمسكة بحقها رغم تسامحها .. الغيورة لكرامتها رغم تضحياتها العديدة.

“أنسية بدوي” … كل هذا النبل

فردوس عبد الحميد من مسلسل ليالي الحلمية
فردوس عبد الحميد من مسلسل ليالي الحلمية

من بين كل ما قدمه “عكاشة ” من شخصيات تمثل الأم المصرية تظل شخصية “انيسة بدوى ” في ليالي الحلمية ذات مذاق خاص وتفاصيل مفعمة بالنبل والإنسانية والصدق.

فقد نجح تماما في رسم الشخصية بكل ما بها من انفعالات وصراعات نفسيه ووجدانية وبكل ما يمكن أن يعبر عن هذا النموذج من النساء وهو نموذج الأم التي لم تلد التي تظل طوال عمرها تحلم بالأمومة دون أن يظهر عليها إحساس ولو صغير بالدونية أو النقص أو حتى يتحول هذا الاحتياج الإنساني لمصدر توتر بينها وبين زوجها ” توفيق البدري “.

محسنة توفيق من مسلسل ليالي الحلمية
محسنة توفيق من مسلسل ليالي الحلمية

جاءت شخصية أنسية التي لعبتها في الجزء الأول “فردوس عبد الحميد ” ثم استكملت تقديمها في باقي أجزاء ايقونة “عكاشة الدرامية الممثلة المبدعة” محسنة توفيق ” جاءت متصالحة مع إرادة الله في عدم الإنجاب رغم توترها وغضبها في البداية إلا أنها عوضت أمومتها المفتقدة في تربية نجل أختها الراحلة “على البدري ” ثم نجل زوجها الراحل “توفيق البدري ”
ظلت علاقة “أنسية بدوي ” و”على البدري ” شديدة الخصوصية رغم التحولات الجذرية التي أصابت شخصية على لكن ظلت أنيسة هي الملاذ الدائم والحضن الواسع الذي يمكنه أن يتعرى من عيوبه التي تدركها هي أكثر من أي شخص آخر
يمثل نموذج “الأم التي لم تلد ” أحد أعظم أشكال العمومة وأكثرها صدقا ونبلا وإيثارا وتمكن عكاشة بقوة في تقديم هذا اللون للأمومة الاستثنائية.

أم حسن النعماني … صانعة الأرابيسك

في عام 1994 قدم عكاشة مع المخرج “جمال عبد الحميد ” رائعة مسلسل “أرابيسك ” ذلك العمل الذي اشتبك مع قضية الهوية المصرية وجدل الصراع الحضاري من خلال حرفة صناعة الأرابيسك وفى هذا العمل جاءت شخصية “أم حسن النعماني ” التي جسدتها “هدى سلطان ” تلك الأم المصرية التي احتضنت أنبائها بعد رحيل زوجها وظلت محتفظة بالزي الأسود ما تبقى من عمرها.

جمعت “أم حسن ” بين قوة الشخصية وصلابة الموقف وبين قدرة عالية على الاستيعاب وإدارة حوار دائم مع أنبائها خاصة “حسن ” الذي يعيش حياة غير مستقرة بعد انفصاله عن زوجته “بنت خالته ” .
حرص عكاشة دائما على تقديم الأم المصرية من أجيال مختلفة وأنماط متباينة وانحاز بشكل واضح للأم من الجيل السابق الذى كان بمثابة “وتد ” الأسرة على حد تعبير الراحل “خيرى شلبي ” وتمكن من الغوص في أبعاد لم تكن سائدة في الدراما المصرية التي غرق الكثير منها في ثنائية “الخير والشر ” بينما اختار “عكاشة ” أن يقدم الإنسان بكل ما به من تناقضات .. خيره وشره لذلك كان الأقرب إلى الواقع والأصدق في تقديم نموذج الأم المصرية في الدراما التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock