رؤى

الملكية المقيدة في مصر القديمة

“فرعون”..هكذا ينطقها بني وطني من المصريين كصيحة استهجان واستنكار في وجه أي شخص يمارس التسلط أو ما يعتبرونه طغيانا وظلماً.

تعكس هذه الصيحة رؤية متوارثة لمصر القديمة وما كان عليه ملوكها . رؤية كرَّسها لسنوات طوال خطاب ديني يعتبر أن كل من اعتلى العرش في ذلك العصر كان طاغية دموياً ومن المدهش حقاً مدى تطابق هذه الرؤية مع الصورة التوراتية التي يرسمها العهد القديم لملوك مصر والتي نقلتها عشرات الأعمال الفنية الأجنبية مثل فيلم “الوصايا العشر” أو فيلم “أمير مصر” على سبيل المثال لا الحصر.

ولكن ما مدى صحة هذه الصورة؟ هل كان الملك في مصر القديمة حقاً حاكماً مطلق الصلاحيات لا يحده قانون ولا يحاسبه أحد؟ ام أن هناك صورة أخرى مغايرة تنقلها لنا السجلات التي حفظتها جدران المعابد ولفائف البرديات.

ملوك مصر القديمة
ملوك مصر القديمة

سلطة القانون .. تحكم

في كتابه “الحياة الاجتماعية في مصر القديمة” والذي صدر في مطلع عشرينات القرن العشرين٫ يفرد عالم المصريات الانجليزي فلندرز بتري فصلاً كاملاً من الكتاب لما يسميه “الملكية المقيدة” في حياة المصريين في ذلك العصر.

فرغم أن الملك في مصر القديمة -وفقاً لبتري- كان يمثل السيد لكافة الدويلات الصغيرة التي انضوت تحت لواء حكومة مركزية واحدة منذ أن نجح الملك مينا في توحيد القطرين في الألف الثالث قبل الميلاد٫ ورغم أن الملك كان يحمل ألقاباً رسمية ودينية على حد سواء٫ إلا أن هناك ظاهرة محددة بالنسبة للملكية المصرية كانت مثار دهشة بالنسبة للإغريق وهذه الظاهرة هي خضوع الملك  التام للقانون في مصر .

وينقل بتري عن المؤرخ الروماني ديودوروس الصقلي قوله إن ملوك مصر القديمة لم يحكموا البلاد حكماً اوتوقراطياً أي مطلقاً كما فعل غيرهم من حكام الممالك المجاورة  كما انهم لم يَحيَوْا حياتهم دون ضوابط او قيود مثل ملوك أوروبا في العصور الوسطى وإنما “كانوا يراعون حرمة القانون في كافة تصرفاتهم” سواء فيما يتعلق بأمور الحكم أو فيما يتعلق بحياتهم الشخصية.

عالم المصريات الانجليزي فلندرز بتري
عالم المصريات الانجليزي فلندرز بتري

ويضيف الصقلي ان تقييد سلطة الملك كان أحد الأسس التي قامت عليها الدولة المركزية في مصر القديمة حيث إن الملوك الأقوياء مثل مينا حين شرعوا في توحيد الدويلات الصغيرة كانت تلك الدويلات تخضع لهم بشروط تعتبر ملزمة للملك وعليه أن يحترمها طوال مدة حكمه.

ويرى بتري أن القانون المصري القديم قد حدد كلا من سلطات الملك وحقوقه بشكل دقيق جداً ولهذا فان الملك حتى وان ساءت أخلاقه الشخصية  لم يكن  يستطيع ان يخالف القانون لإدراكه التام أن هذا يجلب عليه حقد رعيته وكراهيتهم له.

واجبات الملك .. قبل حقوقه

ويقارن المؤلف بين ملك مصر الذي كان مطالباً طوال الوقت بمراعاة القانون وبين حكام الاغريق وأباطرة الرومان الذين لم يقيدهم شرع أو قانون.

بل إن حياة الملك الخاصة نفسها لم تكن ملكاً له وحده وانما كانت ايضاً تخضع للقوانين وهو ما تظهره سجلات القضايا حيث تظهر خضوع أفراد من الأسرة الحاكمة في كلتيْ الأسرتين السادسة والأسرة العشرين للمحاكمة بسبب جرائم ارتكبوها.

لوحة مصرية قديمة
لوحة مصرية قديمة

وحتى على صعيد وظيفته الدينية٫ فإن الملك كان عليه أن يقدم القرابين بشكل يومي من أجل رعيته.

وبالتالي٫ وفقاً للمؤلف٫ فان نظرية الحق الالهي في الحكم -وعلى عكس ملوك اوروبا- حتى اندلاع الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي كانت مقيدة بشكل كبير في مصر القديمة.

إذ كان المصري يرى أن ملوكه ليسوا منزهين عن الزلل والخطأ ولا يحيطون بكل شي علماً.

إن الصورة التي ترسمها البرديات المصرية بما فيها رسائل ملوك البلاد ووثائقهم ووصاياهم إلى وزرائهم وغيرها تُعد مغايرة تماماً لتلك الصورة التوراتية التي يتفق معها “شيوخنا” الأفاضل فيما يتعلق بتاريخ بلادنا٫ بل تطرح صورة أخرى تبدو مصر القديمه فيها أقرب إلى ما يمكن تسميته في عصرنا الحالي بالملكية الدستورية حيث الملك مقيد لا مطلق ويقع على كاهله من المسؤوليات والفروض تجاه شعبه ووطنه أكثر مما يحق له من الحقوق والامتيازات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock