فن

فيلم “أَعَزْ الوِلْد” كوميديا قليلة التكلفة تصنع الفارق

بالتزامن مع أعياد الربيع وعيد الأم عرضت منصة شاهد VIP فيلم “أعز الولد” وهو أول أعمال المخرجة سارة نوح.. ورغم أن الفيلم  قد تم إنتاجه قبل عامين إلا أنه لم يحظ بفرصة العرض في دور السينما لأسباب تتعلق بظروف كورونا  وظروف أخرى لم يعلن عنها صناع الفيلم.. لكن يبدو أن “رُبَّ ضارة نافعة” كما يقول المثل إذ حقق الفيلم عند عرضه نجاحا كبيرا وملأت عبارات الإشادة به مواقع السوشيال ميديا، مع المطالبة بتكرار التجربة الناجحة التي اعتمدت على بطولة جماعية لجدات السينما المصرية ميرفت أمين، ودلال عبد العزيز، وشيرين، وإنعام سالوسه بالإضافة إلى الراحلة رجاء الجداوي، وشاركهن في البطولة سامي مغاوري ومحمود الليثي وعلي قنديل وحاتم صلاح، مع مجموعة من الأطفال لم يسبق لهم الظهور سينمائيا.. أما النجوم عمرو يوسف ومنى زكي وريهام عبد الغفور وأميمة خليل وأروى جودة وإنجي المقدم ومحمد شاهين إلى جانب المخرج عمرو سلامة؛ فقد ظهروا ضيوف شرف.. في تبادل للأدوار بين الجيلين، حيث كان من المعتاد أن تظهر الفنانات القديرات ضيوف شرف في معظم الأعمال السينمائية الأخيرة.

أعز الولدتلعب القصة التي كتبها شريف نجيب وجورج عزمي، على تيمة قديمة وهي خطف الأطفال بهدف الحصول على فدية، أما الجديد الذي قدمه المؤلفان فكان قيام جدات هؤلاء الصغار بمحاولة تحريرهم من أيدي عصابة المعلم رضوان وولديه حافظ وشوقي –الأسماء الثلاثة مستوحاة من مسلسل الشهد والدموع- الذين تركوا عملهم الأصلي وهو سرقة السيارات وطلب مبالغ مالية من أصحابها نظير إعادتها؛ إلى خطف الأطفال الذي يدر الملايين حسب ما أفاد الابن “حافظ” المتخصص في التكنولوجيا.

تبدأ الجدات رحلة البحث عن الأحفاد بعد تلقيهن مكالمة من الأطفال استطاعوا إجراءها من هاتف أرضي تعرفوا عليه بصعوبة.. في إشارة لانقطاع الأجيال الجديدة عن الماضي بعد دخولهم زمن العزلة الرقمية.

أعز الولد

تقترح الجدة عايدة الاستعانة بالجدة سهير أرملة العقيد الحسيني التي تعاني من ضعف السمع لكنها تستطيع تحديد موقع العصابة من خلال دليل الهاتف الصادر عام 1960، الذي تحتفظ به كما تحتفظ بكل ما هو قديم في شقتها التي تعيش فيها في شبه عزلة عن العالم.. في حين لا تتوقف المناوشات بين الجدة عبلة المرأة المتسلطة التي أفسدت الحياة الزوجية لابنها حسن وجعلته يطلق زوجته- وبين الجدة كوكي المتصابية التي تعيش حياة السهر وتعدد الزيجات وتعاني من قسوة ابنتها وإهمالها لها منذ طلاقها من أبيها.

بمجرد وصولهن إلى الموقع تلقي العصابة القبض على الجدات اللائي شعرن بالارتياح بعد الاطمئنان على أحفادهن.. ليبدأ الجميع في التفكير في أمر الهرب وتقترح عبلة تخدير العصابة بالحبوب المنومة التي تستخدمها كوكي.

بعد تناول الطعام الذي أعدته عبلة يقع حافظ تحت تأثير المخدر ما يجعله يقع في قبضة رجال الشرطة عند استلامه مبلغ الفدية، قبل أن تهاجم قوات الشرطة موقع العصابة وتخلص الجميع وتلقي القبض على المعلم رضوان الذي حاول التفاوض على نجاته وأولاده بتعليق الجدة عايدة على ارتفاع كبير والتهديد بإسقاطها.. وينتهي الفيلم بنهاية سعيدة مكتملة بعد زواج الجدة عايدة من القبطان السابق وعودة كوكي لأحضان ابنتها وحفيدتها وتركها حياة السهرات وتعدد الزيجات، بينما تتعلم عبلة الدرس وتترك ابنها حسن ليعود إلى زوجته وتنجح الجدة سهير في قيادة السيارة الضخمة القلاب التي لفتت نظرها في المستودع مقر العصابة وتصطحب فيها الأطفال الذين تغمرهم السعادة مع موسيقى الأغنية الشهيرة لأحمد عدوية “ستو بسبستلو” وغناء أمير عيد.. ولا شك أن اختيار الأغنية كان موفقا جدا.

أعز الولد

قدم الفيلم الأول لـ سارة نوح كوميديا عائلية من خلال طرح العديد من القضايا الجادة أهمها علاقة الجدات بالأحفاد وهي علاقة مهمة لكلا الطرفين؛ فوفق دراسة أمريكية نوقشت مؤخرا في المؤتمر السنوي لجمعيات علم الاجتماع فإن الأثر الإيجابي لتقديم الدعم العاطفي أكبر من تلقيه بالنسبة لكبار السن.

وأكدت دراسة أخرى أجراها باحثون في جامعة بوسطن عن العلاقة ذاتها- أن الصلة العاطفية الوثيقة بين الجد والحفيد ترتبط ارتباطا كبيرا بانخفاض أعراض الاكتئاب لدى الطرفين.

لكن كثيرا من الآباء يفضل إبعاد الأجداد عن تربية الأحفاد بحجة أن الأجداد يفرطون في تدليل الصغار مما يفسدهم، كما أن توجيه الأجداد للآباء وتعنيفهم يقلل من هيبة الآباء في أعين الصغار في بعض الأحيان، وهذا ما يجعل معظم الآباء يفضلون الانفراد بتربية الأبناء بعيدا عن جيل الأجداد.

أعز الولد

على هامش هذه العلاقة الرئيسية تعرَّض الفيلم إلى علاقات الأزواج الشباب التي تصادف كثيرا من المشكلات بسبب اختلاف الطباع كما في حالة عمر الحسيني والد الطفلين سيف ونورا الذي يعامل زوجته أميمة بعنف ولا يحترمها أمام الآخرين، وعلاقة حسن ودينا التي انتهت بالطلاق بسبب تدخل الجدة عبلة رغم العاطفة القوية التي تربطهما. ورغم أن الأسر في الفيلم تنتمي للطبقة التي تستطيع إلحاق أبنائها بالمدارس الدولية التي تتقاضى المصروفات بالعملة الصعبة إلا أننا نجد إحدى هذه الأسر تهاجر إلى كندا بشكل مفاجئ يحول دون اصطحاب طفلهم شادي الذي يترك في رعاية الجدة عايدة، في إشارة إلى طموحات جيل الآباء التي لا تتوقف عند حد معين دون الالتفات لقيمة العلاقات الإنسانية وأهميتها.

من المشاهد المهمة في الفيلم مشهد يجمع بين الطفل سيف ومشرفة “الباص” يحاول فيه الطفل “تظبيط” ميزانية الشهر للمشرفة، قبل أن يصاب باليأس وينصحها بالبحث عن عمل آخر.. في الوقت الذي تطلب فيه المشرفة من سيف عدم التفكير في الزواج برغم أنه ينتمي لطبقة لا تعاني من الأعباء المادية للحياة الزوجية.. ورغم الروح الودية التي يتسم بها الحوار إلا أنه افتقر كثيرا إلى الواقعية.

أعز الولد

في دور الجدة عبلة تألقت الفنانة دلال عبد العزيز بأدائها الطبيعي وإضفائها طابعا حميما على شخصية الجدة المتسلطة، فقد استغلت الفنانة كتابة دورها بشكل جيد في فرض حضورها على الأخريات بشكل واضح.. وجاء أداء الفنانة شيرين مناسبا للشخصية التي تعاني الحرمان العاطفي وتناوئ رغبتها في الارتباط فتقع في أسر الإحساس الدائم بالقلق والتردد.. أما الفنانة أنعام سالوسة فقد جاء أداؤها السلس ممتعا ومفعما بالكوميديا دون جهد كبير.. في حين جاء أداء النجمة ميرفت أمين متوازنا رغم اختلافه عن أدوارها السابقة.

يؤكد الفنان سامي مغاوري في كل عمل أنه كوميديان من طراز خاص، على الرغم من طريقة أدائه التقليدية التي تعتمد على الحديث بهدوء والتدخل في الحوار بعبارات تصنع المفارقة، إلا أنه يستطيع بسهولة صنع الضحكات دون ابتذال أو إسفاف.. كما نجح الثنائي الليثي وقنديل مع حاتم صلاح في تقديم شكل جديد للعصابة اللطيفة.. واستطاع الفنان “عمرو يوسف” تقديم أداء كوميدي يختلف عن طبيعة أدواره السابقة.

من المؤكد أن الفيلم لو كتب له العرض في دور السينما كان سيحقق نجاحا كبيرا مثل فيلم البطولة الجماعية الآخر “وقفة رجالة” لكنه استطاع تحقيق نجاح كبير بعد عرضه على منصة شاهدVIP، وهو ما يطرح سؤالا مهما حول مستقبل دور العرض السينمائي في ظل انتشار المنصات الإلكترونية والمنافسة الشرسة فيما بينها. خاصة وأن كورونا مازال يفرض سطوته بتضاعف الإصابات مع اشتداد موجته الثالثة.. ما ينبئ بانحسار دور قاعات العرض لصالح المنصات الإلكترونية التي تستعد لخوض منافسات شرسة على دراما الشهر الكريم.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock