فن

عصفور النار.. معنى الثورة على الظلم

بقلم: محمود عبد الشكور، نقلًا عن صفحته على الفيسبوك

ربما يستحق مسلسل “عصفور النار” (1987) دراسة كاملة طويلة، لأنه من أنضج وأهم التجارب المشتركة بين أسامة أنور عكاشة كاتبا، ومحمد فاضل مخرجا، والمسلسل الذى لا تتجاوز حلقاته 15 حلقة فقط، من أهم وأخطر مسلسلات الثمانينيات، بل ويمكن مقارنته بأفضل ما قدمته الدراما المصرية عموما، عن آليات القهر والإستبداد، ومعنى الثورة على الظلم وطريقها، أى يمكن مقارنته مثلا بفيلم مثل “شىء من الخوف” ، وقد وصل معنى المسلسل كاملا فى وقت عرضه، ووصل المعنى الى الأجيال الجديدة، لدرجة أن بعضهم اعتبر المسلسل نبوءة بثورة يناير، بل إن أهل الحلوانية عندما يقتحمون منزل العمدة صقر الحلوانى ( واللى بنى مصر كان فى الأصل حلوانى كما تعلمون) ، يقولون له “ارحل” ، وهى نفس الكلمة التى قالها المصريون فى ثورة يناير، ما يلفت النظر فعلا براعة تحليل عكاشة لعالم القرية وشخصياته، واعتماد العمدة ، حاكم القرية، على التخويف والقتل، ولكن النص، الذى ينفرنا بالتأكيد من تسلط وشراسة العمدة، يرسم أيضا ملامحة كإنسان من لحم ودم، وليس كرمز أجوف، ليس لأن ابنة أخيه حورية نقطة ضعفه، وهو يحبها فعلا مثل ابنته، ولكن لأنها هى أيضا تحبه، وتناديه حتى النهاية كأب، وهى علاقة أعمق بالتأكيد من تلك العلاقة بين فؤادة وعتريس الحفيد فى “شىء من الخوف” ، صقر قاتل ومجرم..

وهو أيضا يعادل أى مستبد متسلط على المستوى الرمزى، ولكنه نموذج إنسانى لابد أن يقدم بكل جوانبه، أما حورية فتذكرنا بنماذج نسائية قوية، فهى فى دفاعها عن شقيقها الحسينى، وفى مواجهتها القوية لابن صقر الضعيف الذى يحبها، وفى تمسكها بالمواجهة حتى النهاية، وفى رفضها للظلم، وبحثها عن العدل، تذكرنا بشخصية أنتيجون فى مسرحية سوفكليس الخالدة، ولكن حورية لم تدافع مثل أنتيجون عن حقها فى دفن أخيها بكرامة، وإنما دافعت عن مخلّص حى، وفارس قادم، يحمل راية العدل والحقيقة، ودافعت عن الحلوانية كلها، وفيها بالتأكيد الكثير من قوة فؤادة وشجاعتها. يتطلب الدفاع عن الحق فارسا يبدأ، حتى لو دفع الثمن من حياته، الحسينى، بكل دلالات الاسم التاريخية والدينية، وبالراية التى ترفرف ويحملها فوق حصانه فى تتر النهاية، هو الذى كشف حقيقة صقر، جاء وراء حقه، فانفتح الباب لحقوق الجميع، استعادة الحقوق عند عكاشة لا تنجح إلا بالناس، بأهل الحلوانية، أو ” بالكل” كما قال صقر تفسه عندما أطلقوا عليه الرصاص، عند أسامة أنور عكاشة، كما شرحت من قبل، المسؤولية فردية وجماعية معا، ولكن التغيير لا يتحقق إلا بشكل جماعى، وهنا يتقاطع النص البديع أيضا مع ثورة الدهاشنة فى نهاية “شىء من الخوف” ، احتاجت الحلوانية الى فروسية الحسينى، وشجاعة حورية، ولكنها احتاجت أيضا الى أهل الحلوانية جميعا فى النهاية.

يدرك المشخصاتى القدير محمود مرسى، بإدارة فاضل الواعية، أن صقر أعمق وأكثر تعقيدا من عتريس سواء الجد أو الحفيد، الصراع الداخلى لديه أقوى وأشد، وطوال الوقت، حورية أكثر من ابنة، إنها ضمير يزعجه ويخيفه، يمكن أن يتحمل كراهية الحلوانية، ولكنه لا يتحمل كراهيتها له، تمنح فردوس عبد الحميد الشخصية قوة إضافية بتعبيرات وجهها غير المهادنة، ولكنها أيضا تحب والدها الذى اكتشفت قسوته، وتحب شقيقها العائد المنقذ، الحسينى أيضا بأداء وهيئة وملامح عبد الله محمود المصرية، صار يمتلك أيضا ثنائية الرمز والواقع، إنه مثل أى وجه يمكن أن تراه فى المدينة أو الريف، ولكنه فى نفس الوقت ليس مثل أى أحد، إنه العنقاء التى تخرج من الرماد، لأنها تطلب العدل، وهو مطلب المصريين منذ الحسينى القديم ( كان اسمه “الفلاح الفصيح”) . يمكننا أن نتوقف عند كل ممثل بما يملأ صفحات، ولكن فى هذه القراءة السريعة لابد أن نتوقف فى النهاية أمام المقدمة والنهاية المذهلة التى كتب كلماتها سيد حجاب، ولحنها عمار الشريعى، إنه يبدأ المقدمة والنهاية بجملة موسيقية مهيبة وصارخة، وكأنه ينبهنا الى خطورة الفكرة، وراء هذه الحكاية الريفية البسيطة، تغنى فردوس عبد الحميد فى المقدمة عن النار، ويغنى عمار بنفسه فى النهاية عن القمر العائد والمخلص، يفهم حجاب والشريعى مغزى الرحلة كاملا، تصبح النار ضرورية لكشف عظمة المعدن النفيس، ولا ينقذ القمر ويحميه ويؤيده إلا الناس، هم من يحرسونه، تدعوهم كلمات النهاية لكى يهمّوا من كل حدب وصوب، يكررها الكورال بقوة لتوقظ النائمين، من أجل حماية القمر/ الفارس، ولاستعادة ساحة الحلم المستباح، تغنى فردوس فى البداية عن نار الغضب:

” أطهر قلوب الدنيا قلب الهيب

أصدق لسان كان.. لسان اللهب

جنون غضب.. بعد السكون الرهيب

تصفى النيران وتبان حقيقة الدهب”

فيرد عليها عمار فى النهاية مطالبا الجميع بأن يهموا ، ومتحدثا فى نفس الوقت عن الفارس :

” جاى من ورا الليل والجراح

وسط الرياح فارد جناح

يا ساحة الحلم القديم المستباح

يا واحة العيد البعيد.. الفل فاح

وانزاح يا ليل.. ده الفجر لاح “

“عصفور النار” مسلسل ذهبى من العصر الذهبى للدراما المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock