رؤى

وحيد الدين خان.. المفكر الذي صدم المودودي ونقض الحاكمية!

الإسلام الهندي اشتهر منه أبو الأعلى المودودي المتوفى  في 22 سبتمبرسنة  1979 بالخصوص حيث سوقته جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي، لكن هذا الفضاء أوسع منه بكثير، بل ربما لا يمثل المودودي إلا هامشا فيه.. فمن الوجوه المهمة في هذا الفضاء الإسلامي في الهند مثلا السياسي والمفسر القرآني الشهير أبو الكلام آزاد أحد رفقاء غاندي وقادة الاستقلال، والمفكر شبلي النعماني والسير أحمد خان والداعية المصلح الأمير صديق حسن خان وغيرهم كثير، وأثبت التاريخ تضاؤل جماعة المودودي وانكماشها المستمر، وأزماتها الداخلية التي تجعلها أقل اشتهارا وحضورا من جماعات أخرى كثيرة مثل جماعة أنصار الرحمن ذات الميل السياسي، أو جماعة التبليغ  والدعوة الأكبر والأشهر والأقل أدبيات، سواء في شبه الجزيرة الهندية أو خارجها، منذ أسسها الشيخ محمد إلياس سنة 1916 ميلادية.

وحيد الدين خان..الرجل الذي صدم المودودي ونقض الحاكمية

لعله لا بد من هذه المقدمة، ونحن نحتفي بوفاة الأستاذ وحيد الدين خان المولود في 10 أكتوبر سنة 1924، والمتوفي قبل أيام في 21 أبريل 2021، والذي نعتبره أحد أشجع المنشقين عن جماعات الإسلام السياسي، وأبرز منتقدي فكر المودودي، وأسبقهم على ما نعرف، في نقد التفسير السياسي للدين، من داخل الفضاء الإسلامي، وقد تبعه في ذلك العلامة الهندي أبو الحسن الندوي، الذي نرى أنه لا يجوز حسبانه على تيار الإسلام السياسي وجماعاته كذلك، وهو ما يشيعه ويخلط فيه البعض كذلك الآن، كخلطه بين المفاهيم والتصورات.

أبو الأعلى المودودي
أبو الأعلى المودودي

تجلت شجاعة وحيد الدين خان في انفصاله المبكر عن المودودي وجماعته، وصياغته أول مراجعات عميقة  لنقد أفكاره، خاصة الحاكمية، وصدمته للمودودي، لذا سنركز على كتابيه في هذه السياق” التفسير السياسي للدين” مع تقديرنا لكتاباته الاخرى التي تستحق النقاش، والتي اشتهر منها بالخصوص كتابه ” الإسلام يتحدى: مدخل علمي إلى الإيمان” والذي عربه الدكتور عبد الصبور شاهين، وراجعه نجل المؤلف الأستاذ ظفر الإسلام خان، وله أيضا كتاب ( تجديد علوم  الدين ) وله أيضا كتاب” البعث الإسلامي: المنهج والشروط” وكتاب” الدين في مواجهة العلم”.

خرج وحيد الدين خان على الجماعة الإسلامية في باكستان بعد انتقاداته لأبي الأعلى المودودي في ستينيات القرن الماضي، بعد أن كان عضوا قياديا في الجماعة الإسلامية بباكستان لمدة عشرة  سنوات، ثم تركها بعد ذلك،  وقد حاول الإصلاح من الداخل، وأرسل الرسائل والخطابات للمودودي  الذي لم يرد عليها، مكتفيا بالكبرياء عليه وأنه سيكون مجرد اسم يضاف لقائمة نقاده الطويلة، وقد تابع الندوي هذه المعركة وشجعته ودفعته للدخول إليها بكتابه ” التفسير السياسي للإسلام” وقد تعرض كلاهما لهجوم شديد من أنصار المودودي وجماعته في باكستان ومن منظري الإسلام السياسي في العالم العربي، و رفض يوسف القرضاوي التقديم للطبعة العربية من كتاب الندوي، وعاتبه في عنوانه بالعربية أنه قد يفيد الاتجاهات العلمانية ضد الإسلام السياسي، حسب ناشر النصين والرسالتين معا، التفسير السياسي للدين ل خان، والتفسير السياسي للإسلام للندوي، معا عبد الحق بن ملا حق التركماني، والذي يلح على أسبقية وحيد الدين خان في النقد، وتأثر الندوي به لمتابعته للقضية واستدعائه خان للعمل معه في ندوة العلماء بالهند بعدها ويذكر انتقادات القرضاوي لمثل هذا الطرح.

وحيد الدين خان

رغم أن كلا من وحيد الدين خان وأبي الحسن الندوي ليسا ضد تطبيق الشريعة الإسلامية، إلا أنهما لاحظا انحرافا في التركيز على  تسييس الدين واختزاله في السلطة والانقلاب السياسي الدنيوي، وجعل الحاكمية اشتراطا لصحة العقيدة وصحيح الدين والفوز بالآخرة الذي لا يمر إلا عبر توحيد السلطة في الدنيا، يقول وحيد الدين خان تحت عنوان خطأ في التفسير: ” إن الشئ المطلوب هو التعلق بالله ، والخوف من عذاب النار، فيجب أن نعمل به وأن ندعو الناس إليه، فقالوا: إن التعلق بالله واليوم الآخر، إنما للتربية، وصار ضمن تفسير هؤلاء بمثابة تربية الأعضاء، وليس هذا فحسب بل أصبحت القضية الأساسية هي إقامة الانقلاب في الدنيا ” وشبه وحيد الدين خان هذا الاختزال للدين في البعد السياسي والحكمي، بتركيز التيار الماركسي على البعد الاقتصادي لتفسير جوانب الحياة، ورؤية تطوراتها من خلاله.

رفض وحيد الدين خان في شجاعة وزهد وصبر إبداع المودودي الذي تبعه فيه سيد قطب، رفض اعتبار الألوهية وتوحيدها سلطة دنيوية فقط، وقد تجسد التفسير السياسي بقوة لدى المودودي واستمرت توجهاته تلهم لكثير من المنظرين والافكار الإسلاموية بعده، وهو من جعل قضية السلطة هي جوهر الألوهية وإلآ صار المؤمنون بوحدانية الله وتنزيهه عن الشريك كفارا ومذنبين، وجَعَل الله أشبه بملك ومتسلط ينازع سلاطين البشر وملوكهم، فيقول  في ” المصطلحات الأربعة” الإله- الرب- العبادة- الدين” : ” أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة”” فالفكرة المسيطرة عليه في تعريف الألوهية هي ربطها بالسلطة، فجعل الألوهية والسلطة تستلزم كل منهما الأخرى، كما جعل الدين وسيلةً للحصول على هذه السلطة، فجعل الدين وسيلة وليس هدفًا، وهو عكس ما جاء في القرآن الكريم في سورة الذاريات الآية 56: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»، أي أن هدف خلق الإنسان هو العبادة وليس السلطة..وهو ما تبعه فيه سيد قطب ثم لم تقتبس منهما السلفية الجهادية سوى ذلك.

نتيجة لذلك هاجر وحيد الدين خان من باكستان الى الهند حيث ندوة العلماء واقترب من ابي الحسن الندوي، ودرس في مدرسته، وواصل كتاباته، وابداعاته بعيدا عن قيد المودودي وجماعته، وظل هو صاحب الحضور بعد توالي انتقادات الاول في الهند وغيرها، وبرز وحيد الدين خان واستمر حضوره بينما اختفى وتلاشى نجم من التحقوا بالأمير سمعا وطاعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock