فن

القدس العتيقة.. أغنية التحدي والصمود

لم تكن القضية الفلسطينية منذ بدايتها  وحدوث النكبة  عام 1948 تخص شعبها فقط بل كانت منذ اللحظة الأولى للعدوان الصهيوني على  فلسطين  هي قضية العرب الأولى فهى تمثل أهم أزمات الأمن القومي العربي منذ أكثر من  سبعين عاما .

وظل هذا الأمر  واقعا خلال العقود الماضية برغم إبرام اتفاقيه سلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 لكن الوجدان المصري كان داعما للحق الفلسطيني رافضا قبول الأمر الواقع بأن إسرائيل – دولة تربطنا بها علاقات دبلوماسية  – طالما تمارس العدوان على الشعب الفلسطيني وطاما استمر حلم قيام  الدولة الفلسطينية  وعاصمتها القدس تحول دونه الدبابات الصهيونية والسعي الاستيطاني الحثيث والمتواصل.

كما أن القدس تلك المدينة التي تتمتع بخصوصية لدى كل المسلمين  والمسيحيين فى العالم تظل فى قلب كل العرب ويمثل التعدي عليها تعديا على تراث الإنسانية وقرارات الأمم المتحدة وأيضا تعديا على وجدان مئات الملايين الذين تغنوا بها جيلا من بعد جيل

وكان الفن أحد أهم أدوات المقاومة ووسيلة التعبير الشعبي عن حلم كل العرب في دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة ولكن الأمر شهد تغيرا واضحا فى السنوات الأخيرة خاصة بعد الربيع العربي وما ترتب عليه من تصدع وأزمات في بعض الدول خاصة دول ما يعرف بحلف المقاومة مثل العراق وسوريا واليمن التي كثيرا ما تبنت مع مصر دعم القضية الفلسطينية وكانت عواصمها  سندا و ظهيرا لكل مناضل فلسطيني يحلم بتحرير أرضه.

الأغنية ديوان المقاومة

على مدار أكثر من سبعين عاما والقدس ملهمة للأغنية العربية .. والمقاومة الفلسطينية مصدرا للإبداع. ..

تغنت كل الحناجر بأرض فلسطين وقدسية القدس وعزف كل الموسيقيين ألحانهم على صوت آذان  المسجد الأقصى وترانيم كنيسة المهد.

وبين هذا وذاك كانت دماء الشهداء صرخة مدوية يطلقها الشعراء وهم يحملون رسالة إلى ضمير العالم المتغافل عن جرائم فى حق شعب يباد وتاريخ يدنس وجغرافيا تتعرض للتدليس والعبث بتفاصيلها

 وصارت الأغنية جزءا من تراث المقاومة وشاهدا على مراحل قضية العرب الأولى وشاهدة أيضا على تقاعس العالم عن التصدي لعدوان صارخ على شعب لا يملك سوى الحجارة للدفاع عن نفسه وعن أرضه ومقدساته.

فى شهر نوفمبر عام 1947 صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين حينذاك غنت “نجاح سلام ” خلال زيارتها لفلسطين وكانت في  السادسة عشرة من عمرها  من كلمات الشاعر محمد على فتوح، وألحان حليم الرومي اغنية “هبة ملوك العرب”

وفى أبريل 1948 غنى محمد عبد الوهاب من كلمات على محمود طه رائعته “فلسطين” التى قال فيها: ” أخي، جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَدَى/ فَحَقَّ الجِهَادُ وَحَقَّ الفِدَا / أَنَتْرُكُهُمْ يَغْصِبُونَ العُرُوبَةَ / مَجْدَ الأُبُوَّةِ وَالسُّؤْدَدَا؟ “

يوليو والقدس

كان لثورة يوليو موقف واضح وجذري من إسرائيل ودعمت الحق العربي وحركات التحرر الوطني بالعالم كله وفى القلب منها تلك الحركات بالوطن العربي وهذا ما ساعد على تقديم عشرات الأغنيات التي تشد على يد المقاومة الفلسطينية وتؤكد حقها فى دولتها بكامل حدودها

فقدمت “فايدة كامل “أغنية “البركان العربي ” كلمات محمد كمال بدر، ألحان عبد العظيم محمد. وغنى حليم الرومي من ألحانه قصيدة “أرض فلسطين” للشاعر الفلسطيني أبى سلمى.

وفي 1967 سقطت القدس الشرقية في قبضة الاحتلال وكان هذا تحولا كبيرا فى موازين القضية الفلسطينية ومن ثم كانت الأغنية حاضرة بقوة تحفز الهمم من أجل المدينة الأسيرة وفى عام 1969 قدمت السيدة أم كلثوم أغنية “أصبح عندي الآن بندقية” من ألحان محمد عبد الوهاب، وكلمات الشاعر نزار قباني،  وبعد أن  غنتها كوكب الشرق، غناها محمد عبد الوهاب.

ومن أجمل ما  قدم من أغنيات  عن القدس كانت رائعة عبد الحليم حافظ ”  “المسيح ” عام 1967  من كلمات عبد الرحمن الأبنودي، وألحان بليغ حمدي، وقد  غناها العندليب لأول مرة بقاعة ألبرت هول بلندن، بعد حرب 1967 ووصفتها الصحافة الإسرائيلية، أنها أغنية مُحرِضة و تقول كلماتها:

ياكلمتي لفي ولفي الدنيا طولها وعرضها

وفتحي عيون البشر للي حصل على ارضها

علي ارضها طبع المسيح قدمه

علي ارضها نزف المسيح ألمه

في القدس في طريق الآلام.

وفي الخليل رنت تراتيل الكنائس

في الخلا صبح الوجود انجيل

فيروز … قيثارة المقاومة

تحتل السيدة فيروز مكانة خاصة فى الغناء للقدس والقضية الفلسطينية وقد شكلت مع الأخوين رحباني تجربة ثرية وعلامة فارقة فى تاريخ أغنية المقاومة

فى عام 1955 تلقت فيروز مع عاصي ومنصور الرحباني دعوة من إذاعة صوت العرب لتقديم عدد من الأغاني لدعم القضية الفلسطينية، وتم توقيع عقد لتنفيذ أغان وأناشيد وبرامج خلال مدة ستة أشهر، فى تلك الفترة تم تقديم أغنيات “النهر العظيم” و”زرياب” و “راجعون” فى محاولة لاستنهاض همم الفلسطينيين المشردين وتم تسجيلها بصوتيْ فيروز وكارم محمود

قدمت فيروز أكثر من 15 عملاً غنائياً عن القضية الفلسطينية منها “غاب نهار آخر”، و”احترف الحزن والانتظار” و ” القدس العتيقة”، “يا ربوع بلادي “ و”يافا”، “بيسان”، ” زهرة المدائن ” و”راجعون”، و”سنرجع يوما”، و”أجراس العودة” و “سيف فليشهر”، و”جسر العودة “

وتظل “زهرة المدائن ” في وجدان ملايين العرب هى درة الأغنيات التى قدمت للقدس وألهبت حماس الملايين وجسدت قدر ومكانة المدينة المقدسة وكشفت عن أوجاعها ومعاناتها في ظل الاحتلال.

بين الحجارة والغناء

لم تقف معاهدة كامب ديفيد يوما ضد الغناء للحق الفلسطيني والإعلان عن رفض الهمجية الصهيونية وتقديم كافة سبل الدعم للمقاومة وكان الفن دوما فى المقدمة وكانت الأغنية هي الأسرع تفاعلا واستجابة وفى منتصف الثمانينات كان “محمد منير ” هو أول أبناء جيله غناء للقدس وقدم عام 1985 من كلمات مجدي نجيب ولحن هاني شنودة أغنية “القدس ضمن ألبوم برئ

وبعدها  اندلعت انتفاضه أطفال الحجارة عام 1987 حيث انطلق صوت المقاومة الكبير “مارسيل خليفة ” محرضا وداعما وثائرا عظيما عبر أغنيات عديدة منها ” نشيد الانتفاضة، أنشودة الحجر، بالأخضر كفناه، منتصب القامة أمشي كما قدمت جوليا بطرس أغنيتها الشهيرة “وين الملايين ” وعدد من الأعمال بينها ” ثوار الأرض” و “حجارة المنسيين”

وكان أحمد فعبور هو صوت الثورة وغنى رائعته التي صارت نشيدا لكل مناضل “أناديكم “: ” أشد على أياديكم وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم “

كما قدمت “ماجدة الرومي ” عددا من الأغنيات للقضية الفلسطينية وللمقاومة العربية منها “هل تسمعين ” والتي تقول فيها: ” ونبـقى لأن فِلسـطين للأبـد سـتبقى لنـا، لنـا. لنـا. فِلسـطينُ لنـا “

وفى عام 1991 غنى  الفنان على الحجار ضمن ألبومه المميز “لم الشمل ” أغنية “فلسطيني ” من كلمات جمال بخيت ولحن فاروق الشرنوبى.

وفى 2002 اندلعت الانتفاضة الثانية وانطلقت الموسيقى بأغنيات الرفض للاحتلال فقدمت آمال ماهر “عربية يا أرض فلسطين” كلمات عبد السلام أمين، وألحان عمار التشريعي، و” أختي وفاء” كلمات عمر بطيشه، وألحان عمار التشريعي، عن الشهيدة “وفاء إدريس” أول فتاة فجرت نفسها فى انتفاضة الأقصى،

وغنى محمد فؤاد ” الأقصى نادى” كلمات محمد حوار، ألحان مدحت العدل، وقدم هاني شاكر أغنية “أبواب القدس”، وقدمت “أصالة” أغنية “أولى القبلتين” بألحان وكلمات الفنان الليبي على الكيلاني،

هذا بالإضافة إلى عدد من الأوبريتات الشهيرة التي كانت فلسطين محورها والقدس لحنها المميز مثل ” الحلم العربي ” و “في طريقك يا فلسطين” كلمات مدحت العدل، ألحان صلاح الشرنوبي، توزيع حميد الشاعري.

وجرت مياه كثيرة في النهر خلال العقد الأخير فغاب الغناء للقدس لكن القدس لم تغب عن وجدان العرب وفى كل لحظة نستعيد مخزوننا الفني الكبير لنجدد الشحن المعنوي ونؤكد من جديد مقولة الشاعر الكبير ” مظفر النواب ” : ” القدس عروس عروبتنا ”  ونجدد العهد مع فيروز و نؤكد ” لأجلك يا مدينة الصلاة أصلى “.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock