رؤى

المشايخ.. نخبة استعادة الدولة.. ظهور النخبة والثورة والدولة (2 – 5)

الحملة الفرنسية وعودة الوعي الوطني المصري

إن الحملة الفرنسية قد هزت  الأمة المصرية، فأخذت تنفض عنها غبار الجمود الذي كان يخيم عليها عصوراً طويلة، فاستثارت روح القومية والمقاومة الشعبية للمصريين. وأدركوا أن لهم كيانا ً يدعوهم للمحافظة عليه من الإسكندرية حتى أسوان.

 فالحملة الفرنسية التي بدأت في يوليه 1798م تعتبر صدمة اكتشاف الهوية المصرية، والوعي بمدى تخلفنا عن العصر. ومن جانب آخر تشير إلى دور قيادة علماء الأزهر في ثورات القاهرة أثناء الحملة الفرنسية على مصر.

ظهور المقاومة الشعبية للاحتلال الفرنسي:

1-ثورة القاهرة الأولى:

اندلعت ثورة القاهرة الأولي في أكتوبر 1798، وقتل فيها حاكم القاهرة ديبوي، وأعدم فيه ستة شيوخ. كما يروي الجبرتي المشادة التي حصلت بين نابليون وأعضاء الديوان. فقد طلبهم إلى داره في أول سبتمبر 1798، ولما استقر بهم المقام أراد أن يلبسهم طيلسان (علم) الجمهورية الفرنسية ذا الثلاثة ألوان، ووضع بيده الطيلسان على كتف الشيخ الشرقاوي رئيس الديوان تكريماً له وتعظيما، فرمى به الأرض محنقاً غاضباً، واستعفى من الديوان. وعبثاً حاول الترجمان أن يقنع المشايخ أن إلباسهم الطيلسان هو تكريم لهم، فلم يلق منهم قبولاً، وغضب نابليون على الشيخ الشرقاوي وقال إنه لا يصلح للرئاسة.

نابليون بونابرت
نابليون بونابرت

لم يعمل إذن أعضاء الديوان على تمكين علاقات نابليون بالشعب. وأخذ سخط الأهالي يستفحل، وزاد فيه أعمال كثيرة أوغرت  صدورهم، وانتهت بنشوب الثورة في العاصمة. فقد ثارت القاهرة في وجه الفرنسيين في 21 أكتوبر 1798. ولم يكن مألوفاً أو منتظراً أن تثور القاهرة، تلك المدينة الهادئة الوديعة، التي احتملت ظلم حكامها السنين الطوال، ولم يكن الفرنسيون يتوقعون أن تثور في وجههم، وهم الذين فتحوا العواصم ودوخوا الممالك في القارة الأوروبية. لكن ثورة القاهرة جاءت عنواناً لنفسية جديدة في الشعب المصري. وكانت القاهرة مسرحاً لتلك المقاومة، كما كانت مصدراً لسريان الهياج والثورة إلى أنحاء البلاد.

ذكر الجبرتي أن إقرار الضرائب الفادحة التي فرضها الفرنسيون في 10 أكتوبر 1798 أدى إلى نشوب الثورة، وتفنن الفرنسيون في جمع  الأموال ومصادرة الممتلكات بمختلف الوسائل، وهدم المباني وأبواب الحارات. بجانب القتل والإرهاب.

كان للثورة لجنة تديرها وتنشر دعوتها وتنظم صفوفها ومقرها في الأزهر. ويقول نابليون في مذكراته إن الشعب قد انتخب (ديواناً) للثورة ونظم المتطوعين للقتال، واستخرج الأسلحة المخبوءة، وإن الشيخ السادات انتخب رئيساً للديوان. وذكر في تقريره لحكومة المديرين Directories عن ثورة القاهرة، أن (لجنة الثورة) كانت تنعقد بالأزهر، وأخذ دعاة الثورة يحرضون الناس على التمرد والانتفاض على الفرنسيين. وشرعوا في نفس الوقت يثيرون والشكوك حول أعضاء الديوان، ويتهمونهم بممالأة الفرنسيين، وتعاهدوا على الاجتماع ليلة الأحد 21 أكتوبر 1798، وقد حدث ما خططوا له. ففي اليوم الموعود 21 أكتوبر كانت القاهرة في حالة لم يألفها الناس من قبل، فكان الناس يتجمعون في الشوارع، وأخذت سمات الغضب تبدو على الشعب الهادئ الوديع. وأقبل الفلاحون وأهل الضواحي إلى القاهرة فاشتركوا في هذا التجمهر، وهرعت الجموع إلي بيت القاضي التركي إبراهيم أفندي، وتقدم عشرون من المتجمهرين فقابلوا القاضي، وقالوا له إنهم يريدون الذهاب إلى بونابارت ليلغي نظام الضرائب الجديدة، وطلبوا منه أن يركب معهم، فاستجاب لهم. ولكنه لم يكد يتخطى عتبة داره حتى وجد الثائرين وجموعهم تزحف زحفاً فأدرك خطورة الأمر، وقال للجميع إن الطريقة ليست مما يتبع لتقديم شكوى، واعتذر عن مصاحبتهم وعاد إلى بيته. ولما لم يقبل القاضي مصاحبتهم انهالوا عليه وعلى رجاله ضرباً بالعصي ورجماً بالحجارة. وثارت نفوس الثائرين ونادوا: إلى بونابارت! إلى بونابارت! كانت هذه الحادثة كإعلان للثورة، فاحتشدت الجموع في الجامع الأزهر، يضجون ويصيحون ويهتفون بالقتال، وامتلأت الطرق والشوارع بالناس حاملين الأسلحة، قاصدين أحياء الفرنسيين لمهاجمتها.

الحملة الفرنسية

حدث كل ذلك والسلطات الفرنسية لم تحسب حساباً لهذه الجموع، أو تتوقع حدوث ثورة ما. ولم تتخذ التدابير لمنع احتشاد الجماهير المسلحة، فعمت الثورة مدينة القاهرة كلها  أسرع من لمح البصر، وأخذ الثوار طريقهم إلى مراكز المخافر الفرنسية فقتلوا الجنود والحراس. فتوجه الجنرال ديبوي Dupuy قومندان القاهرة في كتيبة من الفرسان، قاصداً مركز الهياج، متجهاً نحو بيت القاضي. وكانت الشوارع ازدحمت بالجموع حتى صارت كأنها بحر يزخر بالبشر، فأخذ الجنرال يشق لنفسه طريقاً بين هذه الجموع الصاخبة، وتساقطت الأحجار على الكتيبة من المنازل، وخرج عليه جمع من الثوار قطعوا الطريق عليه، وأطبق عليه الناس من كل جانب. وجاء برتملي الرومي (وكان من الطوبجية عند محمد بك الألفي) في شرذمة من رجاله لإنقاذ الجنرال، فأطلق رصاصة على الجموع المحتشدة، أثارت غضب الجماهير، فهجموا على الفرنسيين وبينهم ديبوي، وانهالوا عليهم ضرباً بالعصي، ورجماً بالحجارة، وأخذاً بالسيوف، وطعناً بالرماح، ورشقاً بالسهام، فأصابت ديبوي طعنة رمح وخر صريعاً. فتفاقمت المجابهة وبلغت الثورة مداها، وطفقت جموع الثوار تحتشد في حي الأزهر، واعتصم بالجامع الأكبر خمسة عشر ألفاً من أشد الثوار حماسة وأقاموا المتاريس في الطرق والأزقة الموصلة إليه.

وهنا حضر نابليون ومعه ثلاثة من جنرالاته، وأخذ يعد ما استطاع لمواجهة الثورة. انقضى الليل في سكون، والفريقان يتأهبان للغد. وبدأ النهار بتجمهر الناس في الشوارع، وكانت صيحات المتجمهرين تشق عنان السماء، وأخذ نابليون ينفذ الخطة التي وضعها في ليلته، ووجه إلى كل جماعة من الثوار القوة الكافية للتغلب عليهم. وتنفيذا لتعليمات نابليون وزع ثلاثة من جنرالاته جنودهم بعد الفجر في ضواحي القاهرة لمنع سكانها أن ينحازوا إلى ثوار العاصمة، وقد صدت القوات الفرنسية جموعاً كثيرة من الأهالي وحالت بينهم وبين العاصمة، وبذلك تمكن نابليون من حصر الثورة في المدينة وعزلها عن البلاد المجاورة. وكانت كتائب الجنود قد تغلبت على الثوار في معظم أحياء المدينة، وانحصرت الثورة في حي الجامع الأزهر وما حوله. فذهب أعضاء الديوان إلى الأزهر لينصحوا الثوار بالكف عن القتال، فلم يأبهوا لهم. ومنعهم الثوار أن يتخطوا المتاريس، وأبوا عليهم الدخول إلى الأزهر. فأصدر نابليون أوامره إلى الجنرال بون قومندان القاهرة بضرب الأزهر بالمدافع. فأخذت آلاف القنابل تنهال على الأزهر وتترامى في الأحياء المجاورة له، كالصنادقية والغورية والفحامين، وتنفجر بهول لم يعهده سكان القاهرة من قبل، فألقت الرعب في قلوب الناس.

الحملة الفرنسية على مصر

أوشك الجامع الأزهر أن يتداعى من شدة الضرب، وتدفن تحت أنقاضه الجماهير الحاشدة فيه. وأصبح الحي المجاور للأزهر صورة من الخراب والدمار. وكانت الجهات القريبة من شوارع الغورية والصنادقية مسرحا لهذه المشاهد الفظيعة. وفي ليلة 23 أكتوبر دخل الفرنسيين المدينة كالسيل. وقبض رجال الشرطة على ثمانين من أعضاء لجنة الثورة، وسجنوهم بالقلعة وأصدر المجلس العسكري يوم 24 أكتوبر 1798 قراراً بإعدامهم جميعاً ونفذ فيهم الحكم. وكان  هناك كثير من النساء ممن نفذ فيهم حكم الإعدام. تغلبت قوة الحديد والنار على مقاومة شعب أعزل من السلاح،  تعرض لأشد ضروب الانتقام وقد بلغ عدد ضحايا الثورة نحو أربعة آلاف، وبلغت خسارة الفرنسيين 200 قتيل.

لكن الثورة التي نشبت في القاهرة خلال شهر أكتوبر 1798 كان لها صداها في سائر البلاد، بجانب المقدمات التي سبقت تلك الثورة والحالة التي كانت عليها القاهرة من أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر عمت الأقاليم. حتى اعتقد الفرنسيون أن هناك تدبيراً سابقاً لقيام ثورة عامة في كل أنحاء القطر. والواقع إن تتبع الحركات التي قامت هنا وهناك من أقصى البلاد إلى أقصاها، يثير الدهشة من تقارب تلك الحركات وتشابهها، على أنه ليس ثمة تدابير ولا اتفاق، بل هي عاصمة القطر السياسية والفكرية، تغذي البلاد بأفكارها وعواطفها. وقد ألقت قوات الاحتلال في طوافها القبض على جماعة من أعيان ومشايخ البلاد بتهمة الاشتراك في الثورة، وعادت بهم للقاهرة، فأعدم بعضهم واعتقل البعض الآخر. 

2 – ثورة القاهرة الثانية:

كان السكون الذي شمل البلاد وقتيا. فما لبث أن  بدأ التململ  في الأقاليم. وأخذت بوادر التمرد والانتفاض تظهر من حين إلى آخر، وتنتقل من ناحية إلى أخرى. وكان ابتعاد نصف الجيش الفرنسي عن مصر وتغيب نابليون في حملته على الشام، من شأنه أن يغري النفوس بالجنوح للثورة مرة أخرى . وقد بدأت بوادرها في الشرقية في مارس 1799م، حيث كانت مظالم الفرنسيين سبباً في اشتعال جذوتها. ذلك أنهم أخذوا يفرضون الإتاوات على البلاد، وأخذ جنودهم يخوضون القرى لمصادرة الجِمال والحمير والماشية، فثارت نفوس الأهالي، ووقعت حوادث ومصادمات في جهات عدة كادت تفضي إلى ثورة عامة. فبدأت الثورة في الشرقية، وانتقلت إلى الدقهلية من بلد إلى بلد. وفي أواخر شهر أبريل 1799شبت في البحيرة ثورة أوسع مدى وأعظم خطراً من ثورة الشرقية.

الحملة الفرنسية على مصر

وفي منتصف شهر يونية 1799 وكان قد شمل السكون الظاهر أنحاء القطر. وكانت الظواهر تدل على هدوء الحالة واستقرارها، فقد أُخمدت الثورات في الوجه البحري، وانتهت المعارك العنيفة في الوجه القبلي، وتوطدت السكينة في القاهرة، لكن هذه الظواهر كانت تشبه السكون الذي يسبق العواصف.

كان من شأن انفصال الكتيبة المؤلفة من العثمانيين والماليك بقيادة نصوح باشا ودخولها القاهرة، بعد هزيمة الجيش العثماني والمماليك في معركة عين شمس، أن تشجع روح الثورة في نفوس الشعب المستعد في كل لحظة للمقاومة. كذلك انسحاب ناصف باشا  واتجاهه إلى القاهرة في حشد من رجاله واندساس جماعة منهم في مختلف البلدان والأقاليم يحرضون الناس على الثورة. فذهب فريق إلى دمياط وفريق إلى الصعيد يستفزون الناس لقتال الفرنسيين. وكانت النفوس متحفزة من قبل لمقاومتهم، فتجددت حركات الثورة والمقاومة في القاهرة وفي مختلف النواحي والجهات. وهكذا لم يكد يخرج الجنرال كليبر منتصراً من معركة عين  شمس حتى واجه في القاهرة ثورة جديدة أشد وأعظم من ثورتها الأولى، واستمرت لمدة شهر، وتجددت حركات الهياج في الوجه البحري.  حيث  شبت نار الثورة في القاهرة يوم 20 مارس 1800، ومعركة عين شمس قائمة.

وكان من زعماء الثورة السيد عمر مكرم نقيب الأشراف، والسيد أحمد المحروقي كبير التجار، والشيخ الجوهري ابن الشيخ محمد الجوهري، وكان الشيخ السادات أيضاً من المحرضين. ولم يكد يسمع سكان العاصمة قصف المدافع في ميدان المعركة، حتى بدأت الثورة في حي بولاق بقياد الحاج مصطفى البشتيلي، وحمل أهل بولاق ما وصلت إليه أيديهم من السيوف والبنادق والرماح والعصي، واتجهوا صوب قنطرة الليمون لاقتحامها، ولكن حامية القلعة ردت هجومهم بنيران المدفعية. فأثارت هذه الحركة ثائرة الأهالي في الأحياء الأخرى من المدينة. وعمت الثورة أنحاء المدينة، واتجه الثوار بجموعهم إلى معسكر القيادة العامة للجيش الفرنسي في الأزبكية (بيت الألفي بك) وعددهم يقدر بنحو عشرة آلاف ثائر، ولكن الجنود الفرنسيين  تصدوا لهم  

الحملة الفرنسية على مصر

وفي اليوم التالي 21 مارس اتسع نطاق الثورة، وغامرت  وشاركت فيها كافة طبقات الشعب. وقد أقام الثوار المتاريس على أبواب المدينة وفي معظم أحيائها، كباب اللوق، وناحية المدابغ، والمحجر، والشيخ ريحان، والناصرية، وقصر العيني، وقناطر السباع، وسوق السلاح، وباب النصر، وباب الحديد، وباب القرافة، وباب البرقية، والسويقة، والرويعي، وكانت المتاريس على جانب كبير من المناعة. فقد بناها الثوار في الشوارع وبلغ علو بعضها اثني عشر قدماً. وتحصن الناس حولها وتحمسوا للقتال، وعبثاً حاول البعض أن يقنعوهم أن الجيش الفرنسي انتصر على الجيش العثماني والمماليك في معركة عين شمس، فأبوا أن يصدقوا ذلك، وقتلوا الرسل الذين جاؤوا بالأخبار  عن المعركة.

وبذل الأهالي ما في وسعهم لتأييد الثورة، وأتوا من الأعمال ما أدهش الفرنسيين فقد أنشأوا في أربع وعشرين ساعة مصنعاُ للبارود في بيت قائد أغا بالخرنفش، كما أنشأوا مصنعا لإصلاح الأسلحة والمدافع، ومصنعا آخر لصنع القنابل وصب المدافع جمعوا له الحديد من المساجد والحواني. وتطوع الصناع للعمل فيه، وقدموا ما لديهم من الحديد والآلات والموازين، وأخذوا يجمعون القنابل التي تتساقط من المدافع الفرنسية في الشوارع ويستعملونها قذائف جديدة للضرب.

ويقول الجبرتي: “وأحضروا ما يحتاجون إليه من الأخشاب وفروع الأشجار والحديد. وجمعوا إلى ذلك الحدادين والنجارين والسباكين وأرباب الصنائع الذين يعرفون ذلك. فصار كل هذا يصنع ببيت القاضي والخان الذي بجانبه والرحبة التي عند بيت القاضي من جهة المشهد الحسيني”.

وقال مسيو مارتان أحد مهندسي الحملة: “لقد قام سكان القاهرة بما لم يستطع أحد أن يقوم به من قبل، فقد صنعوا البارود، وصنعوا القنابل من حديد المساجد وأدوات الصناع، وفعلوا ما يصعب تصديقه – و ليس من رأى كمن سمع – ذلك أنهم صنعوا المدافع”.

كما قال كليبر في يومياته: ” استخرج الأعداء مدافع كانت مطمورة في الأرض، وأنشأوا مصانع للبارود، ومصانع لصب المدافع وعمل القنابل، وأبدوا في كل ناحية من النشاط ما أوحت به الحماسة والعصبية، هذه هي بوجه عام  حالة القاهرة عند قدومي إليها، وإني لم أكن أتصورها على هذه الدرجة من الخطورة”.

تم كل ذلك في ثلاثة أيام في ثلاثة أيام، وقد تطوع الأهالي لإمداد الثوار بالزاد وتوزيع الأقوات، وتحمل السيد المحروقي وباقي التجار النفقات والمآكل والمشارب. وكذلك جميع أهل مصر، كل إنسان جاد بنفسه وبجميع ما يملك، وأعان بعضهم بعضاً، وفعلوا ما في وسعهم وطاقتهم من المعونة.

تم إخضاع الوجه البحري في أوائل أبريل 1800م، وكان ذلك بمثابة تطويق لمدينة القاهرة وتأهٌب لإخماد الثورة التي كانت تستعر نارها منذ 20 مارس، وكانت مدافع الفرنسيين ناراً حامية تطلق قذائفها على المنازل، التي كانت ملجأ للثوار، فلما جاءت فرقة الجنرال (رينيه) من الحدود الشرقية عسكرت أمام القاهرة، واحتلت التلال المشرفة على المدينة من قلعة قنطرة الليمون إلى قلعة سلكوسكي (جامع الظاهر)، ومنه إلى قلعة المقطم. فأحاطت بالمدينة شمالاً وشرقاً، وابتدأ الهجوم على مواقع الثوار ليلة 4 أبريل. فأمر الجنرال كليبر بالتقدم من ناحية باب الحديد وأبو الريش وبركة الرطل والحسينية وباب النصر.

استمر القتال سجالاً والثوار لا يذعنون ولا يستسلمون، وبدأت ذخائر القلاع تنقص بسبب كثرة الضرب، فأخذت القذائف في النقصان، وخفت وطأت الرمي، فظن الأهالي أن هذا علامة على ضعف القوات الفرنسية، فاشتدت حماستهم واستعدوا للمضاعفة والقتال. لكن الفرنسيين تلقوا مدداً جديداً، ذلك أن الجنرال (بليار) عاد من دمياط بعدما أخضعها وترك بها كتيبة من الجنود، ورجع بمعظم قواته إلى القاهرة يوم 13 أبريل، فعسكر أمام بولاق التي كانت معسكر الثورة.

 فلما وصل هذا المدد، اعتزم الجنرال كليبر أن يستولي عنوة على حي بولاق، ويخمد فيه الثورة بكل ما لديه من قوة. وفي يوم 14 أبريل أنذر الجنرال كليبر العاصمة بالتسليم، ولكن الثوار لم يعبأوا، فبدأ الهجوم في اليوم التالي 15 أبريل بدأت الجنود بالهجوم على بولاق قبل شروق الشمس بقيادة الجنرال بليار، وأخذوا يضربون الحي بالمدافع، وكانت مداخل الحي محصنة، والثوار ممتنعون خلف المتاريس وفي البيوت، فأجابوا على ضرب المدافع بإطلاق النار من المتاريس والبيوت المحصنة. لكن نار المدفعية الفرنسية حطمت المتاريس القائمة على مدخل الحي، فانفتحت فيها ثغرة كبيرة اندفق منها الجنود إلى شوارع بولاق. وأضرموا النيران في البيوت القائمة بها. فاشتعلت فيها واتسع مداها. وامتدت الى مباني الحي من مخازن ووكالات ومحال تجارية فالتهمتها وما كان فيها من متاجر كبيرة. ودمرت هذا الحي الكبير الذي يعد ميناء للقاهرة على النيل ومستودع لمتاجرها، وهدمت الدور على سكانها، فباد الكثير من العائلات تحت الأنقاض أو في لهب النار، وكانت مأساة مروعة.

 أثرت النكبة التي حلت ببولاق في سائر أنحاء القاهرة. وانتهز كليبر فرصة الفزع الذي استولى على النفوس، فأمر جنوده بالهجوم العام على مواقع الثوار، وعاق المطر هذا الهجوم يومين. ثم استؤنف يوم 18 أبريل، حيث هاجم الفرنسيون المدينة هجوماً عاماً من جهة الناصرية، وباب اللوق، والمدابغ، والفجالة، وأبو الريش، وباب الشعرية. وأسرف الفرنسيون في ارتكاب الفظائع لإخماد الثورة، وأصبح منظر المدينة مفزعاً بعد ما حل بها من التخريب والإحراق والتدمير.

حسني كحلة

باحث في الاقتصاد السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock