فن

وداعًا سمير غانم.. ضحكة انتهت بدمعة

في مشهد من مسرحية ” المتزوجون ” يدخل مسعود (سمير غانم) من الجانب الأيمن للمسرح محاطاً بفرقة موسيقية شعبية ومرتدياً ملابس يتمثل بها الفنان الشعبي الشهير محمد طه ثم يرتجل موالاً يحيي فيه العريس “المتين” اي البدين وعروسه “المتينه” التي لا تقل عنه بدانه ثم يمسك بمزماره الضخم ويتظاهر بأنه “شيشه” او ارجيله وينفث دخانها وسط ضحك الجمهور المتواصل.

لعل هذا المشهد تحديداً يلخص جوهر مسيرة الفنان الراحل سمير غانم الذي غادر عالمنا في صمت عن عمر ناهز ٨٤ عاماً٫ وما يميزه عن غيره من فناني الكوميديا في مصر والعالم العربي.

ملك الإرتجال الهادف

كان “سموره” كما أسماه محبوه يمتلك قدرة مدهشة على الارتجال وعلى تحويل كل ما يستخدمه أو يحيط به الى نكته٫ فيرتدي ملابس يتعمد أن تكون مضحكه كنظاراته الضخمة الشهيرة أو يتعمد أن تكون الأدوات التي يتناول بها الطعام مثلا كبيره بشكل ساخر.

ولعل غانم أدرك هذه الموهبة في ذاته منذ سن مبكرة٫ منذ أن جمعته سنوات الدراسة الجامعية بزميليه جورج سيدهم والضيف احمد وكونوا سوياً فرقة “ثلاثي أضواء المسرح” وتالقوا  في عشرات الحفلات التي قدموا من خلالها فقرات طريفة للغاية مثل “اسكتش الكورة” و”كوتو موتو” وغيرها من الفقرات التي ابرزت قدرتهم على الارتجال والتفاعل مع الجمهور.

إرث من الكوميديا

انتقل الثلاثي معاً من خشبة المسرح التي قدموا عليها اعمالاً مثل مسرحية حواديت إلى السينما من خلال أفلام مثل “٣٠ يوم في السجن” و”الزواج على الطريقة الحديثة” وغيرها وطرقوا أبواب التلفزيون ايضاً من خلال فوازير رمضان التي أخرجها المبدع الراحل محمد سالم.

وعقب وفاة الضيف أحمد مطلع السبعينات٫ استمر كل من سيدهم وغانم في مسيرتهما المسرحية فقدما معاً اعمالاً مثل “موسيقى في الحي الشرقي” و”جوليو ورومييت” و”اهلا يا دكتور” و”المتزوجون”.

وبداية من الثمانينات قرر غانم أن يحلق منفرداً إذا صح التعبير خاصة على الشاشة الصغيرة في أعمال مثل “بطل الدوري” و”الكابتن جوده” كما كون ثالوثاً فنياً مع كل من الشاعر عبد الرحمن شوقي والمخرج فهمى عبد الحميد من خلال الفوازير التي قدم فيها شخصية “فطوطة” القزم الطريف التي لاقت استحساناً واسعاً وصارت من الشخصيات المفضله لدى الاطفال في مصر والعالم العربي.

واستمر تعاون غانم مع عبد الرحمن شوقي على خشبة المسرح من خلال مسرحيات مميزة مثل “فارس بني خيبان” و”اخويا هايص وانا لايص” كما قدم مع الكاتب الكبير الراحل وحيد حامد مسرحيه “جحا يحكم المدينة” التي  حملت انتقادات حادة للواقع من خلال مدينة متخيلة تحكمها شخصية جحا التراثية.

وعلى مدار التسعينات أصبح مسرح غانم وجهة مفضلة للباحثين عن الضحك والمتعه في المسرح الخاص وخاصة مع تقديمه لعدد من المسرحيات الفكاهية مثل “دو ري مي فاصوليا” و”أنا ومراتي ومونيكا” و”انا والنظام وهواك” وغيرها الكثير.

وكانت آخر أعماله المسرحية هو عرض “الزهر لما يلعب” التي قدم من خلالها عدداً من الممثلين الشبان مثل ايمن منصور واميمه طلعت وغيرهم.

ولم يقتصر عطاء غانم الفني على ابداعاته الشخصية بل امتد الى أسرته ايضاً حيث دفع مع زوجته الفنانة المخضرمة دلال عبد العزيز بابنتيهما الموهوبتين دنيا وأمل (ايمي) الى الوسط الفني واللتين ورثتا فيما يبدو خفة ظل أبيهما فتالقتا في عدد كبير من الأعمال الكوميدية والتي كان الاب غانم يظهر فيها كضيف شرف في مشاهد معدوده لكي يساند ابنتيه.

وفي العشرين من مايو٫ انهى غانم مسيرته الطويلة والمضحكة التي امتدت نحو نصف قرن كامل من الزمان بدمعه حيث رحل في هدوء ودون صخب  بعد صراع مع المرض تاركاً خلفه ارثاً طويلاً من الكوميديا الراقية والترفيه عن الجمهور الذي طالما أحبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock