ثقافة

أمل دنقل.. زيارة جديدة

في نعيه له كتب الأديب الكبير يوسف إدريس: ” لن أطلب منكم الوقوف حدادا. فنحن إذا وقفنا حدادا سيكون على عصر طويل قادم. حدادا على العصر الذي سيمضي حتى يشب فيه رجال لهم شيم الرجال الذين كان يراهم أمل دنقل. وكرم الرجال الذين كان يحلم بهم أمل دنقل وشرف ونبل وانسانية وشجاعة ورقة الرجال الذين استشهد أمل دنقل وهو يراهم هم البشر ويحلم برؤيتهم “

في مطلع  تسعينيات القرن العشرين كان مئات الشباب من هواة الشعر يرتادون الأمسيات وحلقات الشعر متأبطين – خيرا – وفى زهو واضح نسخة من الأعمال الكاملة للشاعر أمل دنقل تلك النسخة -التي صدرت عن دار مدبولي للنشر-ذات الغلاف الأحمر الشهير

كان ذلك بمثابة إعلان واضح عن انتمائهم “الدنقلى” ليس على مستوى فنيات القصيدة وحدها ذلك الانتماء الذى جرف العشرات من حديثي الكتابة لكنه  كان انحيازاً لذلك النموذج الإنساني بكل ما يحمل من تناقضات رصدتها زوجة أمل  الكاتبة “عبلة الروينى ” بلغة بديعة ومحبة جارفة في كتابها “الجنوبي ” حيث قالت فى مقدمتها للكتاب ” فوضوي يحكمه المنطق .. بسيط في تركيبة شديدة .. صريح وخفى فى آن واحد .. انفعالي متطرف في جرأة ووضوح .. وكتوم لا تدرك ما بداخله أبدا “

كانت تلك المرحلة من عمر مصر   في بداية  التسعينيات  تشهد زخما يشوبه القلق وترقب بطعم الانكسار خاصة بعد  غزو العراق للكويت وما ترتب عليه من تصدع فى الصف العربي وانقسام ظهرت توابعه فيما بعد من غزو للعراق وتراجع الحد الأدنى من العمل العربي المشترك

شاهد قبر أمل دنقل
شاهد قبر أمل دنقل

أسرى ” أمل”

في ذلك الوقت كان نموذج “محمود درويش ” فى الكتابة يجد له مريدين من شباب الأدباء ويستلهم الكثير من مبدعي  الشعر وكثيرا ما كنا نقضي ليال طويلة فى مناقشات عنيفة وجدل حاد بين أنصار كل من “دنقل ” و”درويش “

الامر لم يتوقف عند مجرد تأبط الشباب للأعمال الكاملة لدنقل أو حفظ أعماله كاملة عن ظهر قلب أو حتى تضمين بعض مما كتب داخل نصوصهم الشعرية كإشارة قوية لهذا الانحياز

فقد وقع البعض أسرى  لهذا الإنسان الذى كان قد  رحل منذ عقد تقريبا ومع كل يوم غياب يزداد حضورا بشكل لافت فقد تقمص بعض الشباب طريقة أمل فى الحياة والحب وظلوا يبحثون عن “ملهمة ” تشبه “عبلة الروينى ” حدث ذلك التأثر أو الذوبان فى كل شئ .. كل شئ حتى طريقة تدخين التبغ

كانت تلك مرحلة يمر بها معظم من اقتحموا عالم الشعر في تلك الفترة من عمر مصر وكأن لا شعراء سوى أمل

وهل بوسع شاب فى بداية مسيرته ورحلته للتعرف على عالم الشعر ويتأهب ليكون له من الحياة موقف واختيارات هل بوسعه أن ينجو من ذلك السحر وأن يقاوم جاذبية التفرد وحمى التمرد على كل شيء إلا الوطن والقصيدة.

أمل دنقل وعبلة الرويني
أمل دنقل وعبلة الرويني

كانت الأحلام تعصر العقول وتسبح في القلوب بحثا عن مكان تحت شمس الشعر والبلاد تعيش حالة من السير في المحل وأمل حاضر دائما بكل تفاصيل حياته وكل مسودات قصائده يتغنى به شباب الشعراء  كما يتغنوا بالشيخ إمام عيسى

هو المحرض وأمير شعراء الرفض كما وصفه “أمير مجلي ” فى دراسته الهامة الصادرة عن الهيئة المصرية للكتاب

هو ذلك الباحث عن لؤلؤة المستحيل كما قال عنه الناقد الكبير “سيد البحراوي ” في واحدة من أهم الدراسات التى تناولت شعر أمل “مقابلة خاصة مع ابن نوح “صدرت عام 1988 عن دار الفكر الجديد – بيروت

كان قلبي الذي نَسجتْه الجروحْ

كان قَلبي الذي لَعنتْه الشُروحْ

يرقدُ -الآن -فوقَ بقايا المدينة

وردةً من عَطنْ

هادئاً.

يسكن قلبى وأسكن غرفته

فى قرية فقيرة ” القلعة ” فى محافظة قنا بصعيد مصر ولد أمل عام 1940 وخرج منها فى شبابه إلى القاهرة يحمل قصائده وأحلامه وانحيازات لا تقبل المساومة في العدل .. خرج إلى مدينة المعز متسلحا بصلابة الجنوبي وقدر كبير من الإعتداد بالنفس ورقة لا حدود لها .. هكذا كان متناقضا حتى مع من أحب

” كان يسكن قلبي

وأسكن غرفته

نتقاسم نصف السرير

ونصف الرغيف

ونصف اللفافة

والكتب المستعارة

هجرته حبيبته في الصباح فمزق شريانه في المساء

ولكنه بعد يومين مزق صورتها

واندهش “

كان من بين رفاق “امل ” في رحلته من الصعيد إلى القاهرة “عبد الرحمن الأبنودي ” و”يحيى الطاهر عبد الله ” وكانت رحلتهم  إلى عالم لم يعرفوا عنه شيئا فصارت “مقاهي القاهرة ” ريش ” – ونادى الأدباء – أتيليه القاهرة .. تلك هي صناديق بريدهم وأماكن العثور عليهم “

حقق أمل فى شعره معادلة صعبة فهو المجدد في بنيان القصيدة والمشتبك مع اللغة والمتمرد على صور الشعر التقليدي ليحلق عبر عالم أوسع متكئأ على التراث في تجربة تعتبر حجر الزاوية في مشروعه الشعرى ويمكن اعتبار “دنقل ” هو  أهم شاعر عربي استخدم التراث فى نصوصه سواء ذلك التراث العربي أو الفرعوني والإنساني بشكل عام كما امتلك جرأة التناص مع النصوص الدينية

ورغم ذلك فإن عددا من شعراء قصيدة النثر يرون أن “أمل ” كان تقليديا فى بناء القصيدة ولم يخرج من حيث الشكل عن السائد حينذاك.

الأبنودي ومصطفى الشريف وأمل دنقل
الأبنودي ومصطفى الشريف وأمل دنقل

سلاح الشعر

كان الشعر هو سلاح أمل الوحيد وكما قالت عبلة الروينى :” إن المدخل الحقيقي إلى شخصية أمل يظل دائما هو موهبته فهي التوازن .. والسلاح القوى المشهر ” ولا شك انه كان سلاحا شديد التأثير والقوة

عام 1969 كان الميلاد لشاعر كبير حين صدر ديوانه «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، ليجسد خلاله الشعور العربي المحتقن وحالة الإحباط التى سيطرت على المصريين عقب نكسة 1967

قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ

فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار

قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار

فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار

وحين فُوجئوا بحدِّ السيف: قايضوا بنا

والتمسوا النجاةَ والفرار

ونحن جرحى القلبِ،

جرحى الروحِ والفم

لم يبق إلا الموتُ

والحطامُ

والدمارْ “

وفى عام 1972 أعلنت الجامعة عن غضبها من حالة “اللا سلم واللا  حرب ” التى تشهدها البلاد وتأخر الحسم والبدء فى حرب تحرير الأراضي المحتلة منذ عام 1967 واندلعت التظاهرات الطلابية الغاضبة وزاد الغضب بعد إلقاء القبض على مئات الطلاب وأساتذة  الجامعات الذين تضامنوا مع مطالب المصريين فى الحسم وخرجت المظاهرات من الحرم الجامعي لتستقر بميدان التحرير ويخرج صوت “أمل دنقل “مدويا في واحدة من أهم ما كتب وهي  قصيدة ” سفر الخروج – الكعكة الحجرية ” تلك القصيدة التي تحولت إلى أنشودة للثوار في كل أحداث مصر بداية من 1972 حتى 2011

  ” أيها الواقفون على حافة المذبحة

أشهروا أسلحتكم

سقط الموت وانفرط القلب كالمسبحة

والدم انساب فوق الوشاح

المنازل أضرحة

والزنازن أضرحة

والمدي أضرحة

فارفعوا الأسلحة

واتبعوني

أنا ندم الغد والبارحة

 رايتي عظمتان وجمجمة

وشعاري الصباح “

في نوفمبر عام 1977قام الرئيس السادات بزيارة إسرائيل في خطوة نحو الصلح مع العدو تلك المبادرة التي أربكت الجميع ورفضها معظم الأدباء والمثقفين والقوى السياسية والوطنية وكان “أمل “حاضرا بأيقونة “لا تصالح ” تلك القصيدة التي تحولت إلى سفر لمواجهة التطبيع وشعار لمناهضة الصلح مع إسرائيل

“لا تصالحْ

..ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما

هل ترى…؟

هي أشياء لا تشترى”

الغرفة رقم 8

خاض أمل تجربة مرض قاسية وهو المحب للحياة بلا حدود واجه السرطان بشجاعة مذهلة وكانت قدرته على الصمود وتحدى الألم مصدرا لدهشة كل من عرفوه خلال سنوات مرضه فلم يتوقف لحظة وهو على سرير المرض عن الكتابة ولم يخفت حلمه أو تنكسر روحه فقط ظل يستحضر الماضي فى نصوصه يكشف عن رسائل لم يتطرق لها من قبل ويعتصره الحنين إلى قبر أبيه في الجنوب خلال أيامه الأخيرة كان يرى روحه ترفرف فوق البيوت – تلك الأضرحة – وهو يرقد في الغرفة

 ” رقم 8 ” التي تحولت إلى مزار لكل عشاق الوطن وكل مريدي الشعر …

رحل أمل في 21 مايو 1983 وماتزال صرخاته تزلزلنا وصوره الشعرية تدهشنا وما يزال يسكن قلوبنا وروحه تحلق و تسكن غرفنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock