رؤى

في معركة القدس.. عقول لبت نداء الوطن

لم يكن الدكتور جمال الزبدة الذي اغتاله العدو الصهيوني في غارة غادرة على قطاع غزة المحاصر في أوج معركة “سيف القدس” وتحديداً في ١٢ مايو ٢٠٢١ بالشخص العادي أو العابر.

كان الزبدة نموذجاً لنفر غير قليل من أبناء الأمة النابغين الذي أبوا ان يستثمروا تفوقهم العلمي في الخارج وفضلوا أن يكون ابداعهم وتفوقهم في خدمة أوطانهم وقضيتها مضحين في سبيل ذلك بالمجد العلمي والشهرة الإعلامية والأموال الطائلة التي كان من السهل عليهم  جنيها وجمعها من العمل خارج حدود الوطن.

في خدمة القضية

تخرج الزبدة المولود في عام العدوان الثلاثي على مصر (١٩٥٦) من إحدى الجامعات المرموقة في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك بعد أن أتم دراسته في كلية الهندسة في الجامعة الاسلامية في غزة.

تخصص الزبدة في مجالات عدة كان أبرزها الهندسة الانشائية وأهَلَّه تفوقه للعمل في منصب مرموق في وكالة أبحاث الفضاء “ناسا” إلا أنه – وعلى عكس كثير من الأكاديميين العرب – اختار أن يضحي بهذا المنصب ليعود الى فلسطين منتصف التسعينات ويضع علمه وتفوقه في خدمة قضية بلاده ومقاومة الاحتلال.

التحق الزبدة بالعمل المقاوم في مسقط رأسه في غزة من خلال كتائب القسام وبفضل اجتهاده في مجال تطوير القدرات الصاروخية للمقاومة الفلسطينية شهد هذا المجال نقلة نوعية فحين تولى الزبدة هذه المسؤولية كان مدى صواريخ المقاومة لا يزيد عن ثلاثين كيلومتراً على الأكثر٫ لكن العالِم المخضرم أخذ على عاتقه ان تصل هذه الصواريخ الى قلب مستعمرات العدو وهو ما كان بالفعل وبدأ تأثير  علم جمال الزبدة في تطوير صواريخ المقاومة  يظهر ويتجلى  منذ معركة غزة عام ٢٠١٤.

وكانت ابداعات الزبدة سبباً مباشراً في استهداف العدو الصهيوني له حيث اشارت تقارير جهاز الامن الداخلي (الشاباك) الى كون الزبدة أحد أبرز خبراء البحث والتطوير في المقاومة الفلسطينية إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق٫ وبالتالي تعرض الزبدة لمحاولة اغتيال في عام ٢٠١٢ ونجا منها في ذلك الحين.

ورغم تمكن المحتل من اغتيال الدكتور الزبدة في عملية استشهد فيها ايضاً نجله الأكبر الا أن ابداعاته كمهندس ظلت تلاحق المحتل من خلال تلك  الصواريخ التي طالت تل أبيب والقدس وبئر السبع.

نماذج ناصعة

لم يكن الشهيد الزبدة اول أكاديمي فلسطيني او عربي بشكل عام يضحي بالمكانة العلمية وما تجلبه من مكاسب مادية في سبيل القضية والوطن٫ إذ سبقه الدكتور رمضان عبد الله شلح الأمين العام السابق لحركة الجهاد الفلسطينية الذي ضحى ايضاً بمركزه الأكاديمي الذي حققه منذ حصوله على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة درم عام 1990، وضحى بوظيفته كأستاذ لدراسات الشرق الأوسط في جامعة جنوب فلوريدا في الولايات المتحدة بين عامي 1993 و1995، وأبى إلا أن يلبي نداء الواجب والوطن ويتولى قيادة الحركة عقب استشهاد مؤسسها وأمينها العام الأول ورفيق دربه الشهيد فتحي الشقاقي.

وليس ببعيد عن هؤلاء نموذج المهندس التونسي الشهيد محمد الزواري الذي هجر وطنه الأم لينضم الى المقاومة الفلسطينية ويشرف على مشروع طموح  لتطوير طائرات دون طيار تكون في خدمة المقاومة لترصد وتجمع المعلومات عن العدو وجيشه وتكون مهيأة للقيام بعمليات في العمق بواسطة متفجرات عند الضرورة٫ بل تطور المشروع الى تصنيع غواصات مُسيرة صغيرة الحجم تستخدمها المقاومة في تنفيذ عمليات بحرية.

استُهدف الزواري كما استُهدف الزبدة وان كان الزبدة  قد نال الشهادة على أرض غزة٫ فإن يد الغدر الصهيونية طالت الزواري في بلده تونس في عملية اغتيال في ديسمبر عام  ٢٠١٦.

لعل أحدى الدروس  المستفادة – وما أكثرها – من معركة “سيف القدس” ٫ هو هذا الدرس الذي  يقدمه هؤلاء العلماء الذين لم يضنوا على أهلهم وأوطانهم بعلمهم بل جعلوا أنفسهم في خدمة قضية هذه الاوطان ولم يقتصر عطاؤهم على علمهم بل قدموا أرواحهم خالصة لله والوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock