رؤى

لبنان وفلسطين.. على درب التحرير

“في هذه اللحظات…ينطلق صاروخ عياش بمدى أكبر من ٢٥٠ كيلومتر وبقوة تدميرية هي الأكبر٫ يخرج الآن نصرة للأقصى”.

بهذه الكلمات أعلن أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام وأحد أبرز رموز المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر على شاشة التلفاز وعلى الهواء مباشرة انطلاق صاروخ اسمته المقاومة بال”عياش” لكي يقصف مطار رامون الصهيوني ويفرض حظراً جوياً شاملاً على مطارات العدو بعد  أن استهدفت المقاومة سابقاً مطار اللد (بن غوريون حالياً).

أوجه تشابه

أعاد المشهد إلى أذهان الكثيرين مشهداً مشابهاً من حرب لبنان عام ٢٠٠٦ حين استخدم الأمين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله تكتيكاً مشابها وهو الإعلان عن عملية نوعية للمقاومة من خلال كلمة متلفزة وعلى الهواء مباشرة وكانت العملية هي استهداف بارجة صهيونية في مياه لبنان الاقليمية وعلى مقربة من العاصمة بيروت بصاروخ للمقاومة اللبنانية.

لم يكن هذا المشهد – على أهميته – هو وجه الشبه الوحيد بين تجربة المقاومة في لبنان ونظيرتها في فلسطين في هذه الجولة من الصراع حيث بدا واضحاً تأثر المقاومين في قطاع غزة بتجربة لبنان في صراعه مع العدو والأهم هو استفادتهم من الدروس والعبر التي قدمتها المقاومة اللبنانية.

فكلا المقاومتين استطاعت تأسيس ما يمكن تسميته بـ “بنية تحتية” من خلال شبكة ممتدة ومتشعبة ومتفرعة من الأنفاق تحت سطح الأرض بعيداً عن أنظار العدو وشبكة العملاء التي يعتمد عليها كمصدر معلومات استخباراتي.

كما استطاعت مقاومة فلسطين أن تُعِدَّ “مفاجآت” للعدو كما فعلت مقاومة لبنان عام ٢٠٠٦،  ولعل أولها كانت القدرة على استهداف الداخل المحتل عام ١٩٤٨ وخاصة تل أبيب ووضعها في مرمى النيران٫ الأمر الذي دفع بنحو ثلاثة ملايين صهيوني الى الاختباء في الملاجئ٫ وهو مشهد كان العدو قد فرضه علي المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين لسنوات طوال فاذا بالمشهد يتبدل بفضل إمكانيات المقاومة المتطورة بشكل متلاحق ومستمر.

وفي حين تباهى العدو طويلاً بنظرية “ذراعه الطويلة” القادرة على تنفيذ الاغتيالات بحق المقاومين أينما وجدوا٫ أثبتت المقاومة في هذه الجولة أن ذراعها لا تقل طولاً٫ فكما وصلت صواريخ المقاومة اللبنانية الى “حيفا وما بعد حيفا” في حرب عام ٢٠٠٦ بلغت صواريخ مقاومة فلسطين حداً غير مسبوق حيث لم يعد مداها قاصراً على المدن القريبة من قطاع غزة مثل عسقلان وإنما استهدفت جنوب البلاد ووصلت بئر سبع التي تبعد عن غزة أكثر من أربعين كيلومتراً وبلغت القدس على بعد أكثر من سبعين كيلومتراً من غزة منهية بذلك “مسيرة الأعلام” الاستفزازية التي أعلن المستوطنون الصهاينة عن توجهها الى الحرم القدسي٫ وحولت “المحتفلين” الصهاينة الى منبطحين فارين من الصواريخ.

كما بدا واضحاً أن المقاومين في غزة استفادوا من أحد أبرز دروس حرب لبنان وهو استهداف أماكن بعينها في الداخل المحتل٫ فهذه الضربات وان لم توقع خسائر بشرية فإنها تصيب عصب الاحتلال الاقتصادي كما حدث حين استهدفت صواريخ المقاومة خط أنابيب نفطي يصل بين كل من عسقلان وميناء إيلات (أم الرشراش) الأمر الذي تسبب في خسائر اقتصادية فادحه للعدو ناهيك عن استهداف محطات الكهرباء في كل من عسقلان ومستعمرة “اسدود” ليذوق المستعمرون الصهاينة ما ذاقه سكان قطاع غزة على مدار سنوات من انقطاع للكهرباء.

شركاء في المقاومة

كان لبنان حاضراً في معركة “سيف القدس” في تساؤلات مستمرة من المعلقين والاعلاميين الصهاينة حول إمكانية دخول المقاومة اللبنانية الى المعركة وهي التساؤلات التي زادت بعد سقوط صواريخ من الجانب اللبناني على مستعمرات الشمال في فلسطين المحتلة وهي الصواريخ التي أوضح القيادي في مقاومة غزة يحيى السنوار انها لم تكن وليدة الصدفة  وإنما كانت نتاج تواصل وتنسيق مستمر بين المقاومتين  الفلسطينية  واللبنانية   قاطعاً بذلك الطريق على كثير من المزايدين على الأخيرة.

وعادت فكرة التأكيد على اللُحمه الوثيقة بين مقاومي فلسطين ومقاومي لبنان والتي يبدو أنها استطاعت تجاوز ما كان من خلاف حول الشأن السوري٫ عادت لتطل من خلال خطاب للسيد نصر الله في أعقاب المعركة حين اكد في خطابه أن المعادلة قد تغيرت كما تغيرت قواعد الاشتباك المتعارف عليها وان المعادلة الآن باتت كالتالي: ان اي مساس صهيوني بالقدس وبما تحتويه المدينة من مقدسات إسلامية ومسيحية سيُقابل بحرب إقليمية.

هذا التهديد وجد صدى له في الصحافة الصهيونية٫ حيث كتب يوسي يوشع في جريدة “يديعوت أحرونوت” ليقول : “في العملية في غزة، حماس والجهاد الإسلامي خرجتا إلى المعركة مع آلاف القذائف الصاروخية وأطلقتا نحو 4000 منها نحو أراضي  إسرائيل. تقريباً هذه 10% من قدرات حزب الله في الجبهة الشمالية التي يستعد لها الجيش الإسرائيلي. أول أمس رأينا قائد حزب الله حسن نصر الله، في خطابٍ إشكالي جداً بالنسبة له، لكن مع كل هذا، تحديداً الرجل الذي يدرك جيداً أهمية الكاميرا والوعي، اختار إلقاء كلمة بل وحتى التهديد بأن المس بالقدس سيجر إلى حربٍ إقليمية”.

ولا يملك الصهاينة – تماماً ككاتبهم يوسي يوشع –  الا ان يتساءلوا عما سيكون عليه الوضع لو ان جبهتي غزه والجنوب فُتحتا معاً وفي ذات التوقيت وتزامن ذلك مع انتفاضة شعبية في كل من الضفة الغربية والداخل المحتل٫ وهو سيناريو صار٫ في نظر الصهاينة على الاقل٫ أقرب للتحقق من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock