رؤى

أزمة القيادة.. العلاقة بين المدني والعسكري تهدد الأمن القومي الأمريكي (2)

عرض وترجمة: أحمد بركات

يمكن إلقاء مسؤولية تدهور العلاقات المدنية العسكرية في الولايات المتحدة، ولو بصورة جزئية، على عاتق بعض التغيرات المؤسسية. فبعدما أصبحت الولايات المتحدة قوة عالمية، طوَّر القادة المنتخبون هيكلية بيروقراطية لإدارة المؤسسة العسكرية على أساس يومي. وعندما تبين بعد اندلاع شرارة الحرب الباردة أن مؤسسة الدفاع الأمريكية أصبحت تفوق قدرة الرئيس والمؤسسة التشريعية على السيطرة عليها بمفردهما، مرر الكونجرس قانون الأمن القومي لعام 1947.

القصة الأصلية

أسس هذا القانون لما أصبح في النهاية وزارة الدفاع، ووضع على رأسها وزيرا مدنيا للاستفادة من خبرته في إدارة السياسات البيروقراطية والمحلية. وتتمثل وظيفة هذا الوزير في ضمان توافق الأنشطة العسكرية مع الأهداف القومية المحددة من قبل القادة السياسيين المنتخبين. وسمح الكونجرس للوزير بالاستعانة بفريق من المدنيين مؤلف من أفراد يستطيع الاعتماد على خبراتهم في مجالات العمل الحكومي والأنشطة التجارية والأوساط الأكاديمية.

لكن في عام 1986، أبطل الكونجرس عن غير قصد الكثير من هذه الجهود. حيث قام في ذلك العام بإجراء بعض الإصلاحات على قانون عام 1947 بتمرير قانون جولدووتر نيكولاس لإعادة تنظيم وزارة الدفاع، والذي نقل السلطة والموارد من القادة المدنيين إلى نظرائهم العسكريين. ومنذ تمرير ذلك القانون، تسبب عدد كبير من العسكريين المزودين بموارد جيدة في مغادرة مدنيين للبنتاجون، وقطاعات أخرى داخل الحكومة.

الكونجرس الأمريكي
الكونجرس الأمريكي

واليوم، على سبيل المثال، يعتمد سفراء ومسؤولون مدنيون آخرون في أغلب الأحيان على قيادات قتالية إقليمية للحصول على الموارد ـ بما في ذلك الطائرات والدعم اللوجستي ـ الضرورية لأداء مهام أعمالهم. كما يحمل القادة العسكريون أيضا مسؤوليات تتجاوز الحدود الوطنية، ما يمنحهم سلطة دبلوماسية فعلية واتصالا متكررا ليس فقط مع نظرائهم العسكريين في الخارج، وإنما أيضا مع قادة حكومات أجنبية.

وازدادت أيضا أعداد  المسؤولين العسكريين الذين يتحكمون وزاد نفوذهم، بحكم مهام عملهم، في برامج المساعدات الأمنية والتعاون، ما أدى إلى زيادة تهميش نظرائهم المدنيين في وزارة الخارجية.

ومن البديهي في خطاب الأمن القومي أن يعاني الدبلوماسيون من نقص في التمويل مقارنة بالعسكريين. في هذا السياق حذر وزراء دفاع سابقون، مثل جيمس ماتيس وروبرت جيتس، الكونجرس من مخاطر نقص تمويل وزارة الخارجية، لكن أحدا لم يقدم شيئا في هذا الاتجاه.

وبدون محاولات جادة لإعادة التوازن، فإن مزايا الأفراد والموارد التابعين للجيش سوف تزيد من تقويض المراقبة والتحكم المدني، ما يمنح الجيش مزيدا من السرعة والقدرة التي يمكنه الاستفادة منها في المعارك البيروقراطية لوضع وتنفيذ السياسات.

في الوقت نفسه، كان هناك أيضا تفريغ لعمليات السيطرة والمراقبة المدنية داخل وزارة الدفاع نفسها. ففي السنوات الأخيرة، واجه البنتاجون صعوبات هائلة في تعيين طاقم مدني محترف، أو الاحتفاظ بالعناصر المدنية الموجودة بالفعل، للإشراف على المؤسسة العسكرية.

قوات من الجيش الأمريكي تُغادر أفغانستان
قوات من الجيش الأمريكي

وتعود هذه التحديات إلى نقص الاستثمار في أماكن العمل المدنية، حيث لا يوجد ما يكفي من التدريب المنهجي لإعداد المسؤولين المدنيين لتحمل مسؤولياتهم، وعادة ما يتم الإلقاء بهم في أعماق البنتاجون، وتركهم يغرقون أو يسبحون. وعلى النقيض من ذلك، يستفيد العسكريون من برامج التعليم العسكري المهنية الشاملة وفرص التطوير الأخرى على مدى حياتهم المهنية.

وبحلول عام 2018، تدهور هذا الوضع إلى درجة أن “لجنة استراتيجية الدفاع الوطني” ـ وهي لجنة معينة من قبل الكونجرس وتضم أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ـ خلصت إلى أن نقص أصوات المدنيين في صناعة القرارات المتعلقة بالأمن القومي “يقوض مفهوم السيطرة المدنية”.

ومن المؤكد أن هذه المشاكل تفاقمت في ولاية الرئيس السابق دونالد ترمب، عندما امتلأ البنتاجون بالمسؤولين بالوكالة والمناصب الشاغرة. لكن هذا لا ينفي أن مقاعد المدنيين كانت خاوية قبل وقت طويل من تولي ترمب السلطة.

ممارسة السياسة

أدت حالة الاستقطاب السياسي أيضا إلى تقويض السيطرة المدنية. فبعد أحداث 11 سبتمبر، ازداد التقدير الشعبي للجيش، ولاحظ السياسيون ذلك. وازدادت رغبة القادة المنتخبين في تجاهل المعايير التي تحكم العلاقة بين المدني والعسكري، وتجنب الرقابة والمحاسبة، وتشجيع عدم الامتثال العسكري لتسجيل نقاط سياسية ضد خصومهم السياسيين.

واليوم يستفيد السياسيون على تنوع خلفياتهم من مكانة الجيش لحماية أنفسهم من النقد، ولمهاجمة خصومهم، فيما يمثل “استراتيجية مجانية” بالنظر إلى الشعبية التي يتمتع بها الجيش. وخلال الحملات الانتخابية، يزعم المرشحون في الغالب أن العسكريين يفضلونهم على خصومهم. ففي الانتخابات الرئاسية 2020، أبرز إعلان لترمب عبارة “ادعم قواتنا”، كما استشهد بايدن باستطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة Military Times للإشارة إلى أنه المرشح الذي يحظى بدعم العسكريين .

ترامب
ترامب

ويسعى المرشحون بصورة منتظمة للحصول على تأييد الجنرالات المتقاعدين، واستخدامهم في حالات الهجوم الحزبي. ففي المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري 2016، انتقد مستشار ترمب، مايكل فلين، الذي لم يكن مر على مغادرته الجيش أكثر من سنتين، منافسة ترمب، هيلاري كلينتون، وشجع الحشد على ترديد هتاف: “احبسوها”.

وكرئيس للولايات المتحدة، ألقى ترمب مرارا وتكرار خطابات حزبية أمام جمهور من العسكريين، وقال في أحدها للضباط في قاعدة ماكديل الجوية: “كان لدينا انتخابات مدهشة، أليس كذلك؟ أنتم تحبونني، وأنا معجب بكم”.

وفي مقاطع الفيديو الخاصة بالحملات الانتخابية، يستخدم بعض قدامى المحاربين في فترة ما بعد 11 سبتمبر خبراتهم كوسيلة للفصل بين من مارسوا العمل العسكري ومن لم يمارسوه.

وفي عام 2020، أصدر عضو الكونجرس الجمهوري عن ولاية تكساس، وضابط القوات البحرية السابق دان كرينشو إعلانا بعنوان “إعادة تعبئة تكساس” الذي يظهر مروحيات هجومية وطائرات مقاتلة وكرينشو نفسه يقفز بالمظلة من الطائرة.

إضافة إلى ذلك، غالبا ما يتم إبراز مشاهد من قبيل الرؤساء الذين يرتدون سترات واقية من القنابل وبدلات طيران في الخطب العامة أمام العسكريين، أو التجرؤ بالذهاب إلى ويست بوينت لإلقاء الخطابات الكبرى الخاصة بالسياسة الخارجية، بدلا من الذهاب إلى جامعة مدنية. وتعزز كل هذه الأمور الاعتقاد بأن العمل العسكري أفضل من أنواع العمل المدني الأخرى.

(يُتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock