رؤى

هل تراجع دعم اليهود الأمريكيين للدولة الصهيونية؟

نشأت صديقتا الطفولة، إليز غولدين وإيما فورمان، في مدينة إيفانستون، بولاية إلينوي، في منازل كان يُنظر فيها إلى دعم إسرائيل على أنه ركن ركين في حياة اليهود الأميركيين. وبينما قالت كلتاهما إنهما تعتزان بالقيم اليهودية المتأصلة فيهما من خلال أعياد الفصح وخدمات المعبد، إلا أنهما الآن، وهما في مطلع الثلاثينيات من العمر، “تنتقدان بشدة السياسات الإسرائيلية”.

وقالت غولدين، التي تعمل كمنسقة اجتماعية في بروكلين، نيويورك: “عندما أنظر إلى إسرائيل، أطالع حزمة قمعية للغاية من القوانين والسياسات وأنظمة المحاكم التي تخص اليهود وغير اليهود على السواء”.

وتمثل المرأتان جزءا من تحول الليبراليين اليهود ـ حيث يُصنف 71% من اليهود الأميركيين على أنهم ديمقراطيون ـ ومن الناخبين الديمقراطيين بوجه عام.

ففيما يميل مواليد جيل الطفرة إلى النظر إلى إسرائيل باعتبارها دولة محاصرة تكافح من أجل البقاء في منطقة معادية، وبينما لا تزال هذه النظرة سائدة في أوساط الديمقراطيين والجمهوريين الوسطيين، تنظر أعداد متزايدة من الديمقراطيين التقدميين من الشباب إلى إسرائيل باعتبارها قوة عسكرية تسئ معاملة سكان جُردوا من وطنهم.

فلسطين الشيخ جراح
سلب بيوت الفلسطينيون في الشيخ جراح

وتعكس دراسة مسحية أجراها “مركز بيو للأبحاث” على اليهود الأميركيين في عامي 2019 و2020، ونُشرت في مايو الماضي، هذا الانقسام الجيلي بشكل صارخ، حيث قال حوالي 37% من اليهود دون سن الثلاثين إن الولايات المتحدة تبالغ في دعمها لإسرائيل، في مقابل 16% فقط من اليهود البالغين من العمر 65 عاما فما فوقها.

وبالمثل، بحسب الدراسة، أجاب ثلثا اليهود من سن 65 عاما فما فوقها عن سؤال حول مدى ارتباطهم بإسرائيل بـ “إلى حد ما”، أو “جدا”، مقارنة بحوالي 32% فقط في الفئة العمرية من 18 إلى 29 عام.

وقال جيريمي بن عامي، البالغ من العمر 58 عاما، ورئيس منظمة “جيه استريت”، وهي مجموعة ضغط ليبرالية تصف نفسها بأنها مؤيدة لإسرائيل ومؤيدة للسلام: “بالنسبة لجيلي، تبقى إسرائيل هي ’داوود‘. أما بالنسبة لبعض الشباب اليوم، فتبدو إسرائيل أقرب إلى ’جالوت‘”.

يرتبط جزء من هذا التحول بلا شك بما يجري على الأرض في الولايات المتحدة، خاصة حركة “حياة السود مهمة”، وبعد أن بات اليساريون أكثر انخراطا في مجموعة كاملة من القضايا، ينظرون إليها من خلال منظور العدالة العرقية، ويطبقون هذا المنظور على ما يحدث في فلسطين.

مظاهرات دعم فلسطين
مظاهرات حركة السود مهمة لدعم فلسطين

وعندما اندلع القتال، الشهر الماضي، بين إسرائيل ومقاتلي حماس في غزة، اتبع الرئيس الأميركي جو بايدن قواعد اللعبة التقليدية برفضه توجيه النقد إلى إسرائيل، وتشديده على حقها في الدفاع عن نفسها.

لكن هذا لم يرض بعض المشرعين في حزبه. في هذا السياق، غردت النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، عن ولاية نيويورك، على حسابها على “تويتر”، في 15 مايو: “إذا كان مسؤولو إدارة بايدن غير قادرين على التصدي لحليف، فمن إذن يستطيع التصدي له؟”.

وفي اليوم التالي، قاد السيناتور جون أوسوف، عن ولاية جورجيا، وهو يهودي، ويبلغ من العمر 34 عاما، مجموعة من 28 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ للمطالبة بـ “الوقف الفوري لإطلاق النار”.

رغم ذلك، نال موقف بايدن من الحليف الأميركي الراسخ  تأييدا شعبيا بدرجة كبيرة. فقد وافق حوالي 58% من المستطلعين، بمن فيهم 76% من الديمقراطيين، على الطريقة التي تعامل بها بايدن مع موضوع العلاقات الأميركية الإسرائيلية، وفقا لاستطلاع رأي أجرته جامعة هارفارد، بالتعاون مع شركة “هاريس” المتخصصة في مجال دراسات استطلاعات الرأي، في مايو الماضي.

ولدى سؤال المشاركين في الاستطلاع حول ما إذا كانت آراؤهم أقرب إلى رأي بايدن بأن إسرائيل تمتلك حق الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الصاروخية التي شنتها حماس، أم إلى رأي أوكاسيو كورتيز والسيناتور بيرني ساندرز، عن فيرمونت، بأن إسرائيل دولة فصل عنصري، أجاب ثلاثة أرباع الديمقراطيين بأن رأيهم “أقرب إلى رأي بايدن”.

بيرني ساندرز
بيرني ساندرز

وكان السيناتور كريس مورفي، عن ولاية كونيتيكت، من بين أعضاء مجلس الشيوخ الذين طالبوا بوقف إطلاق النار. وفي مقابلة إعلامية، رفض مورفي فكرة أن الديمقراطيين يأخذون جانب اليسار في هذه القضية. وقال إن “موقف الحزب الديمقراطي بشأن إسرائيل، وهو الأفضل لإسرائيل، لم يتغير”، مضيفا أن “ما تغير هو موقف الجمهوريين”.

وأوضح مورفي أن الجمهوريين تحولوا عن إسرائيل، ولم يعودوا يؤيدون حل الدولتين. كما رفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس اقتراح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب للسلام 2020. ووصف عباس هذا الاقتراح بأنه يقدم للفلسطينيين دولة “الجبن السويسري “لأن هذه الخطة تسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بجميع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، ما يؤدي إلى تمزيق أوصال التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية ووحدتها.

كما كشف استطلاع الرأي الذي أجراه “مركز بيو للأبحاث” عن وجود حالة استقطاب سياسي في صفوف الأميركيين اليهود. فبرغم الميول الديمقراطية القوية لدى هؤلاء بشكل عام، منح اليهود الأرثوذوكس ترمب درجات مرتفعة في تعامله مع السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وقال 75% من المشاركين الأرثوذوكس إنهم “جمهوريون”، أو “ذوو ميول جمهورية”، مقارنة بـ 57% فقط في عام 2013.

وقال شاكار بنيامينن، جمهوري يهودي من نيويورك سيتي، ويبلغ من العمر 29 عاما، إنه “من الخطأ أن ينظر الليبراليون الأميركيون إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من منظور القضايا الداخلية، مثل حركة “حياة السود مهمة””.

وأضاف: “إنهم لا يقدرون أن القيم العامة التي ترسخت في أميركا لم توجد بعد في الشرق الأوسط، حيث يتم اضطهاد المثليين وسحق الحركات الديمقراطية”.

قصف غزة
قصف غزة

لكن بالنسبة لغولدين، فإن الجدل بشأن إسرائيل يبدو مجدولا برؤاها الأوسع نطاقا لنوع العالم الذي تريد أن تناضل من أجله. إن الأمر يتعلق، وفقا لغولدين، بـ “تيكون عولام”، وهو مفهوم عبراني يترجمه اليهود الليبراليون بشكل فضفاض إلى “إصلاح العالم”.

وقالت صديقتها فورمان، وهي كاتبة تعيش في مدينة أثينا، بولاية جورجيا، إنها أصبحت “أكثر انتقادا لإسرائيل في سنوات دراستها بالكلية”. وترسخت لديها هذه الأفكار بعد رحلتها إلى الضفة الغربية، حيث شاهدت نقاط التفتيش التي يجب أن يفاوض الفلسطينيون للانتقال من خلالها.

وأضافت فورمان: “كانت كلمة ’الفصل العنصري‘ تبدو لي راديكالية، لكنها الآن تبدو توصيفا دقيقا لواقع دولة إسرائيل”. وقد أدت هذه الآراء إلى دخولها في محادثات متوترة مع والديها. “نتحاور أحيانا، لكن هذا النوع من الحوار يفضي بنا دائما إلى معركة، لذلك لا نتحدث في الغالب حول هذا الأمر”، كما قالت فورمان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock