مدونة أصوات

مختارات من الشاعر العراقي عامر الطيب

أحبُّ رؤيةَ يدكَ و هي ملفوفة

حول عنق امرأة

في ظلام دامسٍ،

تسيران بتلك الهيئة، إنها تقودك أو تسحبك كحيوان يأنف من ترويضه.

براءةُ المدن التي تُضاء شوارعها مكشوفةٌ

أعني إنها مسألة وقت

حتى تصل وحيداً إلى بيتي !

أحببنا بعضنا بالإيماءات

قلتُ لكَ ما أفكر بشأنه و شرحتَ لي ما أبدو

عاجزة عن نسيانه.

بالأصابع ذاتها

أكملنا الأحاديث و أعدنا الكتيبَ الصغير

إلى مكانه،

كان كتاباً عن خرائط البلدان :

وضعتُ اصبعي على اسمٍ

وقلتُ: هذه بلادي الحزينة بمفردها

فوضعتَ يدك على إصبعي لتحميني منها !

المرح و الصمت

تزوجا منذ زمن غابرٍ و ها هما يتجولان في السوق

لشراء بعض الحاجات،

يشير الصمتُ

لشيءٍ ما

فيشتريه المرحُ صامتاً

أو يضع المرحُ لقمةً

بفم الصمت فيأكلها مهللاً .

لكنّ حياتهما مباركة بالعتمة فقط

إذ أننا لا نحزر إن ناما صامتَين

أو مرحَين!

لو تم تشييد العالم

كعمارة من ثلاثة طوابق

ففي الأسفل ستكون الأفكار الصلبة

في الأعلى القصائد

و في المنتصف الحياة الحقيقية للبشر.

غالبا ما يجرحُ طاقتنا المهدورة

تحطيمُ العمارة من الأعلى!

الطيور لا تشعر بالنعاس، تنام فوراً

قالت جدتي ذلك و اختفتْ في ظلام غرفتنا،

كنا نشعل لها سيجارتها

مقابل ان تحكي لنا بعض القصص

التي يتضح إنها غير موجودة

في كتاب ما.

ما أريد قوله :

بأي طريقة نحرس المدن إذا لم يعد بإمكاننا

أن نؤلفَ قصصاً ؟

أنا رجل محترم

كتمثال من البرونز ، حاملاً كأسي

دون أن يُنظر نحوي برحمة ،

فاتحاً عينيّ

دون أن يراعى ألمي

و في المرات القليلة التي أحببتموني بها

تأملتم منظري الرهيب

بمشقة و غادرتم المكان .

حلمتُ أن أقع في الحب كخادمٍ مبتذل

ألّا يسعني الوقوف مطولاً على قدمي!

قالتْ لي زوجة جاري

وهي تغسل الجدران ابتداعاً لفرح ما

ما الفرق

بين الكلام العادي و الشعر ؟

بودي أن أقول لها :

أحدهما لم يعد صالحاً للأطفال!

عندما صرتُ في الثلاثين عمري

ربتَ أبي على أكتافي

وقال لي :

لقد صرتَ رجلاً

ستسافر و تنجب أطفالاً و تهان

قالت أمي:

ستكون خفيفاً و تنجرف مع التيار

قال أخوتي:

ستكون لك مسؤولية حراسة أشباح فقط

قالت إحدى اخواتي:

ستتقدم بقية عمرك

على أطراف أصابعك

لا أعلم ما الذي  علي أن أفعله

لئلا أخيب توقعاتهم جميعاً

فقد نجحت بأن أرى الأحبة

الذين تعرفتُ عليهم للتوّ قدماءً في جسدي!

بتُّ أخشى ألا أكون شاعراً،

أيمكن أن يستيقظ المرء ثم يغسل وجهه

و يطوي قمصانه

دون أن يفكر بكتابة شيء ما ؟

أيها الرفاق أخبروني

أيمكن أن تكون حياة اي أحد منا

على الحواف ؟

أخشى أن أفقد هبتي الأثيرة في ليلة باردة

أن أجلس قرب المدفئة

ولا أسخّن الطعامَ البائتَ للموتى!

—————-

سيدة وحيدة سافرتْ و أحبتْ

و خاضتْ حروباً مع خالاتها،

أهينتْ حرفياً و تطلعت إلى حياة لا يمكن فحصها .

سيدة فاتنة كقارة بعيدة

حذرة كما لو كانت مخلوقة من ربطات العنق.

سيدة يجب أن تحتفل الآن

تجد من اللازم أن تقول :

إنني أبلغ الرابعة من عمري

في اللعب ،

العشرين أمام التلفاز

و الأربعين في قصص الحب.

لأنها ليست واحدة لأحتفل بضياعها،

لأن المرأة مثل النافذة

تصغرُ في الشارعِ

و تكبرُ في البيت!

لدي ثمانية أخوة

و ثلاث أخوات

أحرصُ على أن أحبهم جميعاً بنفس القدر الضئيل

مع أن ذلك يبدو صعباً.

هم إلى جانبي ساعة

ما أمرض و متى ما ذهبتُ إلى حياتي

فليس هناك سوى الحديث العابر بيننا .

في بيتنا غرفة صغيرة كزورق

نُدعى إليها

كلَّ سنة للتباحث بشأن ما يلزم عمله،

يهددونني غالباً

“سننصرف إن لم تقل لنا ما رأيك ”

الزورق يضجُ بالجلبة

فأقول لهم إن الغرق كلمة شيقة ،

الريح هي التي تسندني دوماً أن كنتُ شجرة ،

و فيما عدا ذلك

فإنني أسوأ شاعر في عائلتي!

من أجل قدميَّ لا من أجل الطرق التي لن أذكرها على الدوام ،

من أجل عمودي الفقريّ لا من أجل العبء

من أجل رأسي لا من أجل الأسرار

من أجل أنفي لا من أجل الضرر الذي يسببه موت أحد

من أجل عينيَّ لا من أجل ذلك الذي ينتظر مجيئي

من أجل معدتي لا من أجل الشهية و نحن نشرب الويسكي

من أجل دمي لا من أجل السماء العميقة كعفنِ الموتى

من أجل يديَّ لا من أجل الإيماءات

من أجل أذني لا من أجل الحمائم التي تلوذ بنافذتي

من أجل عظامي لا من أجل ميوعة اللحم

من أجل قلبي

و شعري أينما ينبتُ أيضاً،

من أجل الكلام الزائد و القبل التي

لا تفي بالحاجة

أحبُّ شفتي المريرتين

و أكره فمي !

أمضي إلى عالم لا يسيء الظن بي

هناك مع الأسماك

بجثثها المتعفنة

أشعر معها بالحزن

و بثقل الموت على الجسد

و بامتعاض شديدٍ

متطلعاً للقدرة العجيبة إلى حد مهول

حيث بإمكان

السمك الميت أن يطفو !

نظر إليَّ رجلٌ و لم يقل شيئاً،

إنه رجل حر

لم يهبني فرصة لأضعه داخل نص

قصير

أزيفه و أزعم إنني قمتُ بتخليده .

لأن الموت يحدث مرة واحدة فقط

فالهمجيّ هو مَن يرغب

بأن يغدو خالداً !

لا أحد يحبك في هذه الغابة

لا أحد يطمح لأن يبقي يده على أثرك

لا أحد يرفع قعبته عندما تعبرين النهار الساخن كلطخة من الظل

لا أحد يحافظ على جسدك كما يحافظ

على حمامته الوحيدة في فناء البيت،

لا أحد يرغب بأن تموتي

أو يتم تهريبك في المهجر كقطعة من الأثاث .

إنها حياتك التي لا تتقنينها،

إنه مسقط راسك

رجال يعاشرون أشجار الغابات

دون أن تكون لأحدهم رغبة بأن يصنعَ قفصاً !

دققَ النظر فيما لم يستطع نيله

فأحبَّ أن يدعه

عالياً و قصياً كما هو

في الطبيعة

ثم فكر بخطورة أن يكون ثمة رجل

غابر حصل على كل ذلك بسلاسةٍ .

تلك هي خشية قصائدنا

من أن تكونَ قد كُتبتْ في الماضي!

يا شجرة الغَرَبِ

هل سمعت بما يفعله مغنّونا ؟

إنهم يؤلفون أغنيات قصيرة عن الحقول

يسلبونها حرية وقوفها

يفترضون إنها تدبُ مع الجنود ،

تغطي رؤوسهم و بنادقهم أيضاً.

يا شجرة الغَرَب

أراك تموتين

دون أن تكوني قد فعلت ما تحبينه ،

لم يبق خيار

لأن تكوني أغنية

لقد وهبونا الحياة التي لا نبجلها منذ الأزل !

إننا خونة طفولتنا

نتنكر لأيام ما كنا نبول على أسرتنا

نجوع و نمص أصابعنا

نخطئ بمعرفة السيد الذي يزور العائلة

مبدلاً جلبابه كل مرة

نسلم عليه بشفقة و إجلال .

إننا خونة قراءتنا الأولى أيضاً

في مسرحية صغيرة قرأت مرة ما يفيدني الآن:-

“فلتبحثوا عن زمن أسلافكم فقط

أما الزمن القادم فموجود في الكتب “!

—————

نصوصي في ضفة ثالثة شكرا من القلب لهم:-

في إحدى هذه القرى

التي تجهلونها ولدتُ و على رأسي قبعةٌ،

عشتُ راضياً و مستعداً للسفر،

حلمتُ وما زال أخوتي

يهزأون مني

قائلين إنك ترقدُ فوق غيمة

و عمّا قليل

ستمطرُ السماءُ

فتتحسس مكانكَ جيداً .

في إحدى هذه القرى

التي تجهلونها

عرفتُ النسوة من الطريقة التي يهززنَ بها رؤوسهنَّ ،

نظرت لهنَّ كمن يرحل باكراً

و أحببتهنَّ صبوراً كالموتى !

لو أتيح لي – أنا الرجل المرير –

أن أغدو امرأة

لما أحببت أحداً من الرجال

انهم رقيقون و لطيفون و وفيرون

لكنهم من النادر أن يفسدوا حزن

أحدٍ.

أنا الرجل الذي ستهال فوقه

الحجارة التي ظلَّ يلاطفها ،

قلبي عابر

كيدٍ خشبية

و حياتي بلا مأوى!

هؤلاء الذين لا يمكن نسيانهم ،

أسميهم الأعداء الأشد لطفاً

حدث مرة إن أحببتُ أحدهم

فظل يذكرني بنفسي إلى الأبد!

الذين يلوحون لهم أكفٌّ مبالغ بها

الذين يبكون لهم حناجر صلبة كجِمالٍ

الذين يمرحون لهم أرواح لامعة كبقع دم

الذين يهاجرون

لهم بيوت

على الطرقات،

الذين يصدون لهم أنياب عوضاً عن الأفئدة .

مثل هؤلاء جميعاً

أردتُ أن تكون لي سمة بارزة

لئلا يُفزعني أهلي !

الوحوش تلاحقنا من مكان

لآخر

دون أن تلاحظ هلعنا و لهاثنا

كمن لا أمل لهم بأن

يُدمَرُ شيء من أجلهم .

الوحوش تلاحقنا

من مكان لآخر

لكنَّ الشأن المفجع

ألا تحسبنا أطفالاً !

أثناء مزحي مع إلهي الجديد

قلتُ له :

أريد بيتاً دون جدران

قال:

ذلك يجعلك ترى

القطط القصية التي تتصارع .

“إنه أمر مستحسن ” قلتُ

أجاب :

و إن شاهدتَ الدمَ

فليس بمقدورك أن تغلقَ الباب !

إنني أفضل مما كنتُ سابقاً

لكني ما زلتُ أرتجف

عندما تحبونني،

أشعر أن أحداً

يتخيلني عارياً في المذبح ،

أنتظر أن يصلني

الدور فأصلي قبل أن أمد رقبتي .

في المحبة

يسيل الدم ساخناً

فنفهم إننا نؤلف صلواتنا عبثاً!

أنا مفجوع حتى إن

لم أفقد أحداً،

أنظر لهذه النافذة التي تتآكل

في حجرة نومي

و أقول :

لا بد إنها كانت لامعةً

على عهدِ أحدٍ ما !

سكرتُ لأكون عاجزاً

عن النهوض دون عون الجميع ،

لأثرثر دون أن ألامَ،

لأخفي المي بالمزيد من العلل،

ليقول عني الناس

ما يقولونه عن الأساطير،

لأنام مبكراً

بملابسي

فأسمع أمي تحدث جاراتها هامسةً :-

يا لهذا الإبن

الذي يكبر بين يديّ

كزمرة صبيان !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock