رؤى

أفغانستان.. 4 سيناريوهات لما بعد الإنسحاب الأمريكي

عرض وترجمة: أحمد بركات

تتنافس أربعة سيناريوهات كبرى، على الأقل، في أفغانستان على مدى السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة في تحديد مآلات المشهد الأفغاني. تتمثل هذه السيناريوهات الرئيسة في:

  • المحافظة على المحاصصة السياسية القائمة.
  • الاتفاق على تشارك السلطة بين طالبان ووسطاء السلطة الرئيسيين في أفغانستان من دون إراقة المزيد من الدماء.
  • تحقيق مكاسب سريعة من قبل حركة طالبان، سواء في ميدان المعركة، أو على مستوى عقد الصفقات السياسية.
  • اندلاع حرب مدنية قديمة جديدة.

وتعتبر السيناريوهات الأخيرة الأكثر قتامة الأقرب على الأرض. فالأول، “المحافظة على المحاصصة السياسية القائمة”، بما في ذلك الانتخابات التنافسية والالتزام الدستوري بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وحقوق المرأة، بما يعني المحافظة على الدستور الأفغاني المعمول به حاليا، غير مرجح على الإطلاق.

YouTube video

كما أن القوة العسكرية والبراعة في المساومة السياسية اللتين تتمتع بهما طالبان تجعلها قادرة على تجاوز تحقيق نتيجة التشارك في السلطة، والطموح إلى إجراء تغيرات اجتماعية وسياسية عميقة على الأرض. وتبقى أوجه عدم اليقين محصورة في حجم الخسائر التي يمكن أن يتحملها النظام الحالي، وكمية الدماء التي يمكن أن تراق في هذه العملية.

لكن هذه السيناريوهات المنمطة لا تقصي بعضها البعض، ويمكن أن يتطور مزيج منها على المستوى الوطني وفي مناطق بعينها من أفغانستان.

ما يمكن توقعه مع تكشف هذه الاحتمالات المستقبلية هو، على الأقل، عام من القتال المكثف بدرجة كبيرة، حيث من المرجح أن تشن طالبان هجوما قويا بدءا من نهاية صيف عام 2021 وحتى عام 2022 على أقل تقدير.

وفي حال تمكنت قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية من المحافظة على أعداد كافية من الأفراد والجنود، وتجنب التشظي خلال هذه الفترة، تصبح احتمالات بدء مفاوضات أفغانية أفغانية ممكنة وقابلة للتحقق على الأرض.

أما الإجابة على سؤال أي هذه السيناريوهات أقرب للتحقق فتعتمد بالأساس على قدرة المجموعات المتعددة من اللاعبين والجهات الفاعلة على المحافظة على أنفسها بعيدا عن مآلات التشرذم والتفكك.

طالبان-والقاعدة
قوات طالبان

عوامل داخلية تؤثر في مستقبل أفغانستان

يتمثل العامل الأول والأكثر حسما فيما إذا كانت قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية قادرة على عدم الاستسلام والتفكك تحت وطأة الضغوط المحتملة من قبل الآلة العسكرية الطالبانية القوية في نهاية صيف 2021، عندما تتم جميع القوات العسكرية وقوات الناتو ومعظم، ما لم يكن جميع، المتعاقدين العسكريين خروجها من أفغانستان.

فبرغم ما حققته  قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية من تطورات على مدى العقد الماضي، تظل جميع المشكلات المنهكة التي كانت معروفة منذ عقد من الزمان قائمة، وربما ملحة حتى اليوم. ويأتي على رأس قائمة هذه المشكلات الفقر اللوجستي، وإعادة الإمدادات، والصيانة، بما في ذلك في القوات الجوية الأفغانية.

فقوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية مكبلة، ليس فقط بنقص القدرة، وإنما أيضا باستشراء الفساد، والتحزب حول قيادات بعينها، وضعف قيادة الوحدات، والكفاح للسيطرة على الأقاليم والمناطق، ونقص بعض عوامل التمكين مثل المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع والإخلاء الطبي، والنقص الجوهري في الاستعداد والرغبة في شن الهجمات ضد طالبان، وضعف القدرة على الاحتفاظ بالأفراد، وزيادة أعداد الضحايا.

وباستثناء قوات الأمن الخاصة الأفغانية التي تم استخدامها على نحو مفرط، قلما تضطلع القوات   التقليدية والشرطة الأفغانية بالقتال ضد طالبان. وتحت وطأة الضغوط التي يفرضها مقاتلو طالبان، تلجأ العديد من الوحدات إلى عقد صفقات تسوية مع الجماعة المسلحة.

القوات الأفغانية
القوات الأفغانية

وقد تزداد وتيرة هذا التوجه، خاصة إذا تمكنت طالبان من المحافظة على قدر كاف من الانضباط لتجنب وقوع أي ضربات انتقامية ضد وحداتها التي تجري مثل هذه الصفقات.

ويساعد التمويل الأميركي على المحافظة على قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية من الانهيار. لكن هذا ليس بعيدا عن الخطر في هذا العام، أو في العام القادم، ويجب استمرار هذا التمويل في المستقبل. ويوجد دعم من كلا الحزبين في الولايات المتحدة لاستمرار تدفق الأموال.

لكن الأكثر إثارة للشكوك فبتمثل فيما إذا كانت قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية قادرة على التكيف، حتى على المستوى النفسي، مع توقف دعم القوات الأميركية على الأرض، برغم أن خيارات تقديم النصائح عن بعد تخضع حاليا للدراسة في الولايات المتحدة.

ويمثل نوع الضغط العسكري الذي تمارسه طالبان عاملا حاسما آخر. لقد استولت طالبان مرارا على عدد من عواصم الأقاليم والمناطق، وتحاصر حاليا عددا آخر، وبمقدورها أن تفرض سريعا ضغوطا على  المزيد من هذه العواصم.

علاوة على ذلك، فإن سيطرة حكومة كابول على بعض عواصم الأقاليم والمقاطعات غالبا ما تنحصر في المستوى الإسمي فقط، حيث يحتمي القادة في مجمعات سكنية، وحيث تخضع  عمليات دخولهم وخروجهم إلى المدن وإلى الشوارع لطالبان.

إحدى التفجيرات التي وقعت في كابول وتبنتها حركة طالبان
إحدى التفجيرات التي وقعت في كابول وتبنتها حركة طالبان

ولا يحول دون سيطرة طالبان على عواصم الأقاليم التي كانت تسيطر عليها من قبل، مثل قندوز وغزني، سوى القوات الجوية الأميركية. السؤال الأهم هو ما إذا كان بإمكان طالبان الانقضاض على العديد من عواصم الأقاليم والولايات والسيطرة عليها في وقت واحد، وإذا كان الأمر كذلك، فسيتعين على قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية المواجهة بضراوة  ومجابهة ضغوط التفكك المتزايدة.

بالطبع قد يفرض انسحاب القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضغوطا استقطابية داخل طالبان. فقد كان الدافع الرئيسي لتمرد الحركة هو طرد القوات الأجنبية. ومع تحقق هذا الهدف، قد يفضل بعض مقاتلي طالبان وقف القتال.

ويمثل الخوف من هذا الانفصال عن ميدان المعركة أحد عوامل امتناع طالبان عن وقف إطلاق النار لأكثر من أيام معدودات. رغم ذلك، تمكنت طالبان من الاحتفاظ بقدر كاف من السيطرة منذ تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا برغم تعرضها للضربات العسكرية الأميركية على مدى عقدين من الزمان.

وربما يتمثل العنصر الأكثر غموضا فيما يتعلق بالتماسك الداخلي لحركة طالبان في علاقات القوة بين القادة العسكريين الميدانيين للحركة وأعضاء مجلس شورى ببيشاور وكويتا.

وتمثل النخبة السياسية الأفغانية عنصرا حاسما آخر. ولا يكمن السؤال فيما إذا كانت هذه النخبة المتشرذمة بالفعل ستتعرض لمزيد من التشرذم والانقسام، وإنما فيما إذا كانت يمكن أن تتحد في اللحظة الأخيرة، وفي ظل وضع النظام السياسي الحالي على المحك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock