ثقافة

يوم غائم في البّر الغربي.. رائعة «المنسي قنديل» التاريخية (2 – 2)

على مدى ٥٦٠ صفحة  من العمل الروائي الجميل ، من إبداع ” محمد المنسي قنديل ” ظل السؤال الذي يُلِح على فكري وذهني هو :

ما دلالة العنوان الذي اختاره  المؤلف عنواناً لروايته ” يوم غائم في البر الغربي ” ؟؟

الأستاذ ” نجيب محفوظ ” مثلاً ، عادة ، ما  تحمل أسماء عدد من أحياء القاهرة الفاطمية عنواناً للكثير من أعماله الإبداعية ، مثل ” بين القصرين وقصر الشوق والسكرية ” و ” خان الخليلي ” كذلك أماكن سكن وحياة مثل ” ميرامار ” أو ” هضبة الهرم ” أو اسم مقهى ” قُشتُمر ” ، لكنه كتب عددا كبيرا  من أعماله أخذت عناوين مختلفة مثل ” السمان والخريف ” و ” اللص والكلاب ” و ” باقي من الزمن ساعة ” و” حضرة المحترم ” و” الحرافيش ” و” أولاد حارتنا ”  وهكذا …

 كل عنوان  جاء على ذكره الأستاذ ” نجيب محفوظ ” وغيره من المُبدعين الكبار ، القُدامىّ والمُحدثين ، كان العنوان يحمل من حظه نصيب ، إلاّ  أنني  طوال الصفحات التي قرأتها من رواية ” يوم غائم في البر  الغربي ”  ، أبحث عن مّغزى العنوان وارتباطه بوقائع النص فلا أجد !!

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

 ورغم إحساس مُبكٍرْ أن ثمة صلة ” للبر الغربي ” من نيل الأقصر بصعيد مصر  ، والذي يُسمىّ ” وادي الملوك ” ويضم العدد الأعظم من مقابر الفراعنة  العظام  ”  في بناء الرواية ، إلاّ أنني لم أصل إلى مغزى ودلالة العنوان صراحة وبوضوح إلاّ في الصفحة الأخيرة من الرواية  ، ربما يكون ذلك التكنيك الفني مّقصوداً ليكون باعثاً للترّقُب والتشوق والإنتظار ، ومن هنا أحسبها ميزة تُحسب للرواية وصاحبها ، غير أنني كنت أترقب دلالة العنوان ، وانتظره بقلق لتعدد الأماكن وكثافة الأحداث ، فالأماكن تشمل :

أسيوط والمنيا  ومقابر بني حسن وحي السيدة زينب بالقاهرة ونجع بني خلف وتل العمارنة وغيرها من الأماكن …

تلك الأماكن والمواقع التي توزعت في الرواية على أحد عشر فصلاً ، كانت مُثقّلة  بالأحداث ، مُزدحمة بالوقائع وغنية إلى حد الثراء بالأشخاص والدلالات ، حتى يغيب عنك العنوان تماماً ..

ذهبوا  ولم يعودوا

وبسبب تعدد الأماكن ، وتنوع شخوصها ، يمكن أن يوجه  بعض النقد الى تلك الرواية ، ففي الفصل الأول ، وهو أساس الرواية الذي تُفتح بها مغاليق  العمل الإبداعي ، ويقوم عليها المعمار القصصي ،  نتابع  عددا من الشخصيات التي ظلت على مسرح الحدث لنحو ثمانين صفحة مُتصلة ، بيد أن أبطالها جاؤوا في تلك الصفحات وذهبوا دون عودة ، فالأم  الرئيسة ، تلك الراهبة التي ترأس المدرسة / الكنيسة ، التي دخلتها ” عائشة ” بطلة الرواية ،  والتي لها تأثير كبير في إدارة تلك المدرسة ، لقوة شخصيتها وصلابة ايمانها وتشددها ، جاءت في مُفتتح الرواية ثم ذهبت ولم تّعُد إلى العمل مرة أخرى ، كذلك الوضع بالنسبة ل ” مرجريت ” تلك الراهبة الأمريكية التي تركت بلدها لتُعلٍم بنات من غير بني جلدتها ، وجسدت شخصية صاخبة للغاية بقدر ماهي رقيقة وحالمة ، ماتت عندما أدركت أنها صاحبة معنى جديد للرهبنة والتسليم القدري لمن رأت فيه روحاً للمسيح  … ” رزق ” ذلك الحارس الصعيدي القوي العفي والذي يعمل بالمدرسة  والذي أنقذها من موت مُحقق وغرق أكيد من فيضان غاضب ومدمر غمر المدرسة ، فأسلمت له روحها بعد أن أسلمت له جسدها ، وهي الراهبة المؤمنة بالفضيلة والخاضعة لمشيئة المسيح !!!

وادي الملوك.. أحد الأماكن التي يقع بها أحداث الرواية
وادي الملوك.. أحد الأماكن التي يقع بها أحداث الرواية

فقد وصل تسليمها بقدرة ” رزق ” على منحها الحب ، وهو الفلاح الجاهل ، إلى حد التماهي مع شخصه ، وتصوره أنه روح المسيح ، حتى وجدت  أن حياتها بعد موته – قتلاً وتعذيباً – بعد افتضاح أمره معها عبثاً لا طائل منه ولا معنى !!!

اذ أصرت  على ترك الحياة وإسلام روحها إلى الموت ، فبمثل ما أنقذها ” رزق ” من الغرق من فيضان النيل ، أصرت أن تكون نهايتها مع نهايته ، فقد تركت جسدها المُثقل بالخطيئة  من ناحيتنا ، والمُتطهر بالخلاص من ناحيتها ، وديعة في أحضان نيل غاضب وصاخب !!.

تلك الشخصية ذهبت ولم تعد ….

الأمر ذاته يتعلق ب ” إيزيس ” زميلة ” عائشة ” في السكن الداخلي بالمدرسة وصديقتها الحميمة ، إبنة الباشا أحد أهم الشخصيات الثرية والإقطاعية في صعيد مصر ، أدت دورها ولم يأت ” المنسي قنديل ” على ذكرها بعد ذلك إطلاقاً !!

الأمر نفسه جّرى على شخصيات أدت أدواراً بارزة وهامة في حياة” عائشة ” مثل ” أم عباس ” صاحبة المنزل الذي أقامت فيه خلال حياتها في القاهرة ، و مّثّال مصر العظيم ، ” محمود مختار ” صاحب تمثال ” نهضة مصر ” والذي أحبته عائشة من كل قلبها ، وأول من منحها حباً نقياً عفيفاً طاهراً ، ذهب إلى باريس وجاء بعلمه وإبداعه بعد سنوات من التحصيل دون أن يعود إلى من أحبها ، فلا نجد له حضوراً في الرواية على مدى زمني طويل ، سوى صورة له منشورة في إحدى الصحف اليومية  بمناسبة وضع تمثال ” نهضة مصر ” في ما يعرف الآن باسم ميدان ” رمسيس ” ، فقد وجدت ” عائشة ” في ملامح وقسمات تلك الفلاحة المصرية الشامخة برأسها إلى أعلى الحانية بالحب والإستنهاض لتمثال ” أبي الهول ” حاملة  لملامحها الفرعونية الأصيلة ، وكأنها إشارة وفاء من ” مختار ” لأول من أحب …

وقياساً على ذلك يمكن سوق عشرات الأمثلة  والشخصيات  الحية في الرواية ، غير أنني أرى في البناء المعماري للرواية بعض النقد ، فتلك الرواية التي  لا أجد حرجاً من وصفها بأنها عمل إبداعي جميل جداً على صعيد اللغة والإطار المعرفي ، وقعت في خطأ ما يسمى ب ” الجزُر البعيدة عن بعضها” ، حتى يُهيئ لأي قارئ ، أنها عدة روايات في رواية واحدة ، رغم أن الإطار العام والزمني والمعرفي موجود !!

تمثال نهضة مصر
تمثال نهضة مصر

فالزمن الروائي يقع في بداية القرن الماضي أو قل الأعوام الأخيرة من القرن التاسع عشر حتى اكتشاف ” هوارد كارتر ” باحث الآثار البريطاني ، مقبرة ” توت عنخ أمون ” في نوفمبر من عام ١٩٢٢ ، حتى أن ” عائشة ” العمود الفقري للرواية غابت تماماً في أكثر من فصل من فصول الرواية ولعدد كبير من الصفحات ، فالفصل الثالث مثلاً وهو تحت عنوان ” مقابر بني حسن ” وهو  أثر تاريخي عريق يقع في البر الشرقي لمحافظة  المنيا ، يُكّرّسْ بكامله ل ” هوارد كارتر ” وعدد من الباحثين عن الآثار ، فضلاً عن لصوص  وسماسرة وتجار جاؤوا من أوروبا وأمريكا لسرقة ما تبقى من أمجاد الأجداد ….

الأمر نفسه تكرر بصورة واضحة في كل من  الفصلين  التاسع والعاشر من الرواية ، واللذين يقعان في نحو مائة صفحة ، فالفصل التاسع عنوانه ” طيبة “و العاشر عنوانه ” تل العمارنة ”  ف ” طيبة ” مدينة الأقصر الآن ، والتي هجرها الفرعون ” إخناتون ” لكفره بعبادة ” آمون ”  … رأى فيها تجسيداً لمعاني الحرب والقتل والعنف والقوة والبطش والضلال ، داعياً لتوحيد العبادة في رب واحد ، نابذاً  تعدد الآلهة كعهد أبناء مصر منذ توحيد شمالها وجنوبها كما تركهم ” الفرعون الأول ” مينا مرمر ” في بداية تأسيس الدولة القديمة …

أما الفصل الذي يأخذ عنوان ” تل العمارنة ” فقد كُرِسّ بالكامل للحياة في تلك المدينة التي أسسها ” إخناتون ” بديلاً ل ” طيبة ” الكافرة التي تركها هارباً لتعدد آلهتها !!

تحدث هذا القسم من الرواية وعلى مدى يزيد عن ثمانين صفحة عن معاناة ” إخناتون ” الإنسانية و الإيمانية والعائلية والسياسية في تلك المدينة التي اعتبرها جنته الطاهرة ، فقد وجد فيها صراعاً فكرياً وثقافياً مع قائد جيوشه ” حور محب  ” المؤمن بالحرب وقوة السلاح في ترويض الأعداء وقهر الخصوم ، في حين يرى ” إخناتون ” في الحب والسلام وسيلته الوحيدة بإقناع الأعداء وقهر الخصوم ، فضلاً عن  ألم  مكتوم من  عجز واضح ، جسدي وإنساني ، مع زوجته الوفية ” نفرتيتي  ” وقدرة محدودة على ترويض بناته ، خاصة ابنته الكبرى ، فضلاً عن فُقدان الحشود المُناصرة  لدينه الجديد ، إلى الدرجة التي ينقلب فيها ” حور محب ” قائد جيوشه عليه وعلى سلطانه ، فيعود إلى ديانة ” طيبة ”  ، ويدخل بعد ذلك ” تل العمارنة ” غازياً وفاتحاً ، فلا يجد ” إخناتون ” إلاّ وهو طريح الفراش  ، وفي النزع الأخير من الحياة ، مُستقبلاً الموت اثر تناوله سُماً بمحض وكامل إرادته بعد انهيار حلمه العقائدي ، وسقوط مشروعه  السياسي ، واحباط دعوته بالسلام مع أعدائه  !!

تل العمارنة
تل العمارنة

وهو عَلى فراش الموت ، لم يعد يحلم بشئ سوى أن يوصي ، ” حور مّحب ” قائد جيشه السابق بزوجته وبناته ، وابنه بالتبني ” توت عنخ آمون ” مُدرٍكاً وهو في نزعه الأخير ، أن مدينته ” تل العمارنة ” ستكون قبض ريح وشاهداً على فشل محاولات ” الفرعون المارق ” كما كان يُلّقب  بالخروج على شريعة  ” آمون ” شريعة ” طيبة ” المقاتلة الكافرة …

هذا البناء المعماري للرواية ، يدفع القارئ ، إلى التعامل مع الرواية ، بوصفها عدة روايات ، لا رواية واحدة !!!

ويصل بك الأمر ، على نحو ما حدث معي ، أن ” تأخذ راحتك ” في القراءة ، ولا يضيرك شئ إذا انتهيت  من القراءة  اليوم أو الغد أو حتى بعد أسبوع !!!

 لا أُنكِرْ أن كل فصل قمة في الثراء اللغوي الجميل ، والمعرفي والتاريخي الرائع ، بل والمُدهش ، فأنت تتعامل مع النص كمجموعة من القصص المُنفردة والقائمة بذاتها ، فالترابط المعماري مفقود في مواضع كثيرة ، و” عائشة ” البطلة تغيب عن المشهد ، ثم تعود ، ولسان حالك يقول لها ” كنت فين ياست عائشة ، نحن نشتاق إليك ، رجاءً لا تطيلي الغياب ” !!

ورغم ذلك كله ، لا أرىّ في هذه الملاحظات نُقصاناً لعمل روائي رائع  وجميل ، فما رأيته نقداً ، قد يراه البعض اكتمالاً وجمالاً ، ويكفيني أن تلك الرواية قد جئت على قراءتها اثر قراءتي لرواية لواحد من المُبدعين  الجُدُد ،إذا جاز وصفه بذلك . !!! لم استطع من فرط سخفها وثقل ظلها ودورانها في حلقة مفرغة  أن أتم قراءتها ، وأنا المعروف عني الصبر مع ” البشر والكتاب ” !!

تحياتي ل ” محمد المنسي قنديل ” الذي أعادّ إليَّ الثقة في جيل ما بعد الستينيات ، وهو ما يمكن تسميته بجيل السبعينيات والذي يٌحسب له أنه جيل بلا أساتذة ، فقد دفع الكثير منهم ثمناً باهظاً لحالة التّجاهُل من الجيل الذي سبقهم ، باستثناء   الرائع ” بهاء طاهر ” الذي اعتبرهم أصدقاء واخوة بل وأشقاء ، فنهلوا  من نبعه الصافي ما أقام إبداعهم عَلى أُسس صحيحة وصحية ، وغاية أمنياتي لهم ، أن يأخذوا منه ، فضيلة التواضع الجّمْ ، والثقافة الموسوعية ، ومحبة الجميع ، حتى أقرانهم من المُنافسين .ثم أن يأخذوا من سيرة ” بهاء طاهر ” مّسلكُه النبيل ، بالنظر بعين الإهتمام والرعاية لمن يأتي بِعدهم من المُبدعين الجُدد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock