رؤى

مفكرون غربيون في مواجهة المشروع الصهيوني

في  المقال الماضي تناولنا استقالة البروفسير “كورنيل ويست” من جامعة هارفارد اعتراضا على التوجهات المعادية للفلسطينيين الصادرة عن إدارة هارفارد، وأمور أخرى استهدفته بشكل شخصي بسبب لونه وآرائه السياسة المعلنة، ومناصرته للحق الفلسطيني، وقد تضمن المقال الإشارة إلى البيان الذي أصدره باحثون في جامعة هارفارد يدينون فيه الممارسات الصهيونية والعنف الاستعماري في الأرض المحتلة، ويدعون فيه إلى وقف كل أشكال الدعم الأمريكية لإسرائيل، كما أدانوا قائمة المحاذير الأكاديمية الأمريكية بشأن القضية الفلسطينية، وربط الانتقادات العلمية لانتهاكات حقوق الإنسان الإسرائيلية؛ بمعاداة السامية التي يحظرها القانون.

القدس 1945
القدس 1945

لقد أثارت الاستقالة والبيان موضوع موقف المفكرين والأكاديميين في الغرب من القضية الفلسطينية، ومن المشروع الاستعماري الصهيوني.. بالقطع هناك العديد من الأسماء المعروفة التي تبنت مواقف إيجابية تجاه القضية وضد المشروع الاستعماري الاستيطاني مثل: عالم اللسانيات “نعوم تشومسكي” والمفكر الفرنسي “روجيه جاروديه” والفلاسفة “جاك دريدا” و”حنه أرندت” و”سارتر” و”دولوز” وآخرين.

لقد أسست كتابات هؤلاء المفكرين تيارا مناوئا للسياسات الصهيونية في الغرب، وداعما للحق الفلسطيني ما فرض على الكيان الغاصب إنفاق الكثير من الأموال لإجهاض هذا التيار ووصمه والتنديد بالمشاركين فيه.. لكن ذلك لم يكن مجديا إذ انتشرت تلك الأفكار بين قطاعات عديدة خاصة في الأوساط الأكاديمية، وطلاب الجامعات ما جعل من الواجب البحث في تاريخ ذلك التيار وإبراز  رموزه والتعريف ببعض مفكريه ممن ليس لهم نفس شهرة السابق ذكرهم.

 هؤلاء  الأمناء .. الشجعان

في العام 1950، نشرت مجلة “ريدر دايجست” مقالا للدكتور ألفريد ليلنثال تضمن تحذيرا شديد اللهجة من ازدواج الولاء لدى اليهود الامريكيين المتصهينين، والاستخدام المفرط للمحرقة كوسيلة للدعاية الصهيونية.. كان هذا المقال ضمن نقاش موسع حول الحركة الصهيونية أفردت له المجلة ملفا كاملا على صفحاتها.

ألفريد ليل نثال
 ألفريد ليلنثال

لفت المقال الأنظار بشدة للقانوني النابه الذي لم يكن قد جاوز السابعة والثلاثين من عمره، وكان قد عاد من منطقة الشرق الأوسط منذ نحو ثلاث سنوات بعد رحلة استمرت لعامين ضمن مهام عمله بالخارجية الأمريكية.. يقول ألفريد عن تلك الرحلة: “عندما زرت مدينة القدس صدمني ذلك التعدد العرقي الهائل في المدينة، وكان بسبب الهجرات اليهودية. لقد رأيته أمرا ناتئا وغير مقبول؛ إذ بدت لي المدينة عربية إلى أبعد حد”.

بعد نشر المقال بثلاث سنوات نشر د. ليلنثال كتابه “ما سعر إسرائيل؟”  عرض فيه تاريخا موجزا للحركة الصهيونية في أوروبا والولايات المتحدة، وحلل التصويت الأولي للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين. وقد أحدث الكتاب جدلا كبيرا في الصحافة الأمريكية، وتمت ترجمته إلى العربية دون علمه، فأحدث شهرة كبيرة لكاتبه في العالم العربي، خاصة لدى الحكام والزعماء العرب.

 وفي عام 1956، أسس وترأس ليلينثال اللجنة الوطنية للأمن والعدل في الشرق الأوسط، وفي عام 1960، أسس الجمعية العربية الأمريكية للتجارة والصناعة.. مع استمراره في إصدار الكتب إذ صدر له “الذهاب إلى الشرق الأوسط” عام1957، و”الوجه الآخر للعملة” عام 1965، و”علاقات صهيونية: ما سعر السلام؟” عام1978، والجزء الثاني من الكتاب نفسه (1982). بالإضافة إلى تقديم المحاضرات في الإذاعة والتليفزيون، والعديد من المقالات في الصحف والمجلات، كما شارك كمصور في تحرير فيلم وثائقي بعنوان “الشرق الأوسط المضطرب”.

ثمن إسرائيل

سعى “ليلنثال” بقوة لإدانة الحركة الصهيونية كحركة عنصرية. وكان قرار الأمم المتحدة  الصادر في 10 نوفمبر 1975، بهذا الشأن بمثابة انتصار كبير لـ”ليلينثال”. وعندما تحرك الإعلام الأمريكي المدفوع لرفض القرار كان د. ألفريد  في أول صفوف المناهضين للحملة الموجهة.

تمحورت أفكار د. ألفريد ليلنثال حول عدة رؤى أهمها أن إنشاء دولة إسرائيل ألحق ضررا بالغا باليهود؛ لأن الدولة أعطت مبررا كافيا لمعاداة السَّامِيَّة، واتهام اليهود بازدواجية الولاء، أكد “ليلينثال” على صعوبة أن تكون دولة إسرائيل دولة ديمقراطية، كما نصح الدول الغربية الداعمة لإسرائيل بتوجيه مساعداتها الخارجية للبلاد العربية لتحويلها لمجتمعات ديمقراطية لأن ذلك سيكون أكثر جدوى في إقرار سلام عادل في الشرق الأوسط. منبها إلى خطورة استمرار “إسرائيل” في استجداء المساعدات من يهود العالم؛ لأن إسرائيل إذا كانت دولة بحق فإنها ستكون قادرة على الوقوف من تلقاء نفسها.

وكان ألفريد أحد 500 مفكرا وقعوا عريضة دعم للكاتب روبرت فوريسون الذي أنكر الهولوكوست، لدخول هذا الإنكار تحت الحرية الأكاديمية وحرية التعبير.

أما الحاخام اليهودي “إلمر بيرجر” الذي أسس وترأس المجلس الأمريكي لليهودية، فقد كان من أبرز من تصدى للصهيونية بفضح ادعاءاتها ومزاعمها وتحذير اليهود الأمريكيين من خرافاتها وأخطارها.

الحاخام إلمر برجر
الحاخام إلمر برجر

كان هدف المجلس التصدي لإنشاء الدولة الصهيونية على اعتبار أنها لا يمكن أن تمثل جميع اليهود بأي معنى قومي أو سياسي. وعندما زار “إلمر بيرجر” مدينة القدس الشريف عام 1955؛ كتب رسالة واصفا البؤس الذي سببته الصهيونية قال فيها: “أشعر شعورا عميقا مذلا بالخجل من كوني يهوديا”، كما أكد أن إسرائيل تضطهد الجميع بما فيهم اليهود أنفسهم.

أصدر “إلمر” العديد من الكتب والدوريات والنشرات لتوضيح وجهة نظره الرامية إلى كشف حقيقة أن الصهيونية حركة عنصرية معادية لليهودية. وبعد حرب عام 1967، قام بجولة في أوروبا الغربية وألقى العديد من المحاضرات ضد السياسات الإسرائيلية، كما أدلى بتصريح للنيويورك تايمز قال فيه صراحة أن إسرائيل هي المعتدية؛ ما أثار سخط الصهاينة في كل مكان، وأخذ أقطاب المجلس الأمريكي لليهودية يضغطون عليه، الأمر الذي أدى إلى استقالته عام 1967، ليعمل بعدها على إنشاء لجنة “بديل يهودي للصهيونية”. مؤكدا على أن ” دولة إسرائيل الحالية ليس لها أي حق في ادِّعاء تحقيق النية الإلهية بزعم الانتصار لإله صهيون؛ لأن ما تقوم به إسرائيل هو “محض غوغائية التراب والدم”.

كما أوضح أن الصهاينة استغلوا قلق اليهود الأمريكيين مما حدث في أوروبا على يد هتلر للوصول إلى أغراضهم. وكان يرى أن الصهيونية تهدف إلى قلب الدين إلى مبدأ سياسي، كما كان من أوائل من نددوا بالعنصرية الصهيونية وهو من صاغ مصطلح «إزالة الصبغة الصهيونية عن إسرائيل» آملا في إقامة دولة تضم اليهود والمسلمين والمسيحيين تكون نموذجا للتعايش.

 وكان إلمر بيرجر قد أحرز في عام 1964 أحرز  أعظم انتصاراته في إطار صراعه ضد الصهيونية، وذلك عندما حصل بالاشتراك مع البروفسور “ميليسون” على رفض رسمي من وزارة الخارجية الأمريكية لمقولة “القومية اليهودية” وذلك في إطار خطاب من “فيلبس تالبوت” ينص على أن هذا المفهوم ليست له قيمة قانونية في نطاق نصوص القانون الدولي.

هذا ويعتبر البروفسير الأمريكي المعاصر “نورمان فينكلشتاين” من أهم مناهضي العنصرية الصهيونية، وقد انتشرت له عدة مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يرد فيها على المزاعم الصهيونية بشأن حق اليهود في إقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين.. وكان “فينكلشتاين” قد حُرم من حقه في الترقية والتثبيت على منصب أكاديمي بجامعة ” دي بول” الامريكية، عقب عقده مناظرة مع الصهيوني “آلان ديرشوفيتز” أثبت “نورمان” خلال تلك المناظرة التي ذاع صيتها تهافت وسقوط كل الدعاوى الصهيونية، معريا كل الممارسات الإجرامية لقوات الاحتلال واصفا إياها بالممارسات النازية.

دكتور نورمان فينكلشتاين
دكتور نورمان فينكلشتاين

بعد حرمانه من حقوقه الأكاديمية قرر “فينكلشتاين” الاستقالة من الجامعة.. على إثر ذلك خرجت الجامعة ببيان هزيل يبرر هذا العمل المنحاز وغير الأكاديمي بمبررات واهية؛ بينما يعلم الجميع أن السبب الحقيقي هو مناصرة البروفسير للحق الفلسطيني ومناهضة الصهيونية.

بعد استقالته عكف د. “نورمان” على فضح عدد من الكتاب البارزين الذين دأبوا على تحريف وتزوير الوثائق دفاعا عن السياسات والممارسات الصهيونية  في الارض المحتلة، وقد تحلى “فينكلشتاين” بأقصى درجات الشجاعة العلمية في تناوله لموضوعات مثل: الهولوكوست والتاريخ الديموغرافي لفلسطين، والابتزاز الذي تمارسه إسرائيل على بعض الدول.

في العام 2008، زار “فينكلشتاين” لبنان، والتقى قيادات من حزب الله، وفي معرض تصريحاته وصف نورمان الحزب بأنه يمثل “الأمل” كما دعا “فينكلشتاين” الفلسطينيين إلى هدم جدار الفصل العنصري بالمعاول والمطارق؛ تنفيذا لحكم محكمة العدل الدولية.

ومازال الدكتور “فينكلشتاين” ينتقل بين جامعات أوروبا خاصة الجامعات البريطانية؛ ليلقي المحاضرات مفندا دعاوى الصهيونية، ومطالبا باستعادة الحقوق الفلسطينية ، وإن كان يرى أن الحل يكمن في إقامة دولتين.

وماتزال مناهضة الصهيونية اتجاها حاضرا بقوة داخل الأوساط الأكاديمية في العديد من الجامعات الأمريكية، باعتبارها حركة صهيونية ذات توجهات لا إنسانية.. بينما خفت ذلك التوجه – وياللعجب والغضب- كثيرا في جامعاتنا العربية مع دعاوى التطبيع التي تتبدد أدراج الرياح مع استمرار الاحتلال الصهيوني الوحشي للأرض العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock