رؤى

علي مصطفى مُشَرَّفَة.. العلم في خدمة الوطن

في دمياط حيث يتعانق النيل العظيم والبحر المتوسط عند مجمع البحرين في مشهد فريد تشرَّف بذكره في كتاب الله.. هناك في أحضان أنشودة الماء الثلاثية النهر والبحر والبحيرة.. مع اختلاط أصوات الصيادين بالنداء في ليالي البرد، بأغاني الصناع في حارات المدينة، بأناشيد الفلاحين في حقول الأرز.. حيث يصنع الإنسان بكفاحه اليومي البسيط صورة مدهشة عامرة بالتفاصيل تضج بالحياة وتزخر بالمعاني المبهرة للإيمان والصبر والرضا بالحكمة الربانية البالغة.. هناك في المدينة المنفى كما عينها الباشا- شاءت الأقدار أن يولد أنبغ أهل زمانه. بل نابغة كل الأزمنة، كما شهد بذلك كبار علماء عصره- علي مصطفى مشرفة.

طفولة بائسة عاشها “علي” في بيت تعصف به الخلافات في وجود أب دمرته تقلباته العقلية والدينية والنفسية؛ فأسلمته لحالات من العصبية الرهيبة، كان يحطم فيها كل ما تطاله يداه معتديا على الكل.. ثم تَحِلُّ بالأسرة نائبة كبرى بفقدان الأب كل ما يملك في بورصة القطن؛ فيسقط طريح الفراش، ليموت كمدا بعد أيام قليلة؛ تاركا أسرته بين الأنواء دون طوق نجاة؛ فتضطر الأم للزواج لتنفق على أبنائها؛ فيوقعها حظها العاثر في زيجة توفرت لها كل أسباب الفشل، لتعود لبيت أهلها حيث تركت أولادها، بعد أن صارت حطام إنسان.. لتفارق الحياة تاركة لـ “علي” مسئولية رعاية إخوته، وهو بعد في الثالثة عشرة من عمره، مع دخل ضعيف لا يكفى لحياة كريمة قدره أربعة جنيهات شهريا هو ريع لميراث بسيط خلَّفته الأم.

بعد استقراره في القاهرة مع إخوته عند جدته لأمه؛ يضطر “علي” لتركهم للالتحاق بمدرسة العباسية الثانوية بالإسكندرية في قسمها الداخلي؛ لكنه يعود بعد عام ليكون ضمن طلاب المدرسة السعيدية التي سيحصل فيها على شهادة البكالوريا بمجموع حلَّ به في المركز الثاني على عموم القطر المصري.. ولم يكن “علي” قد جاوز السادسة عشرة.

ربما مثّل اختيار “مشرّفة” لمدرسة المعلمين العليا صدمة لرجالات التعليم في مصر.. كيف يترك ثاني القطر مدارس الطب والهندسة، ويفضّل مدرسة المعلمين؟! ربما دفعت الظروف الفتى لهذا الاختيار الذي سيمكنه من إنهاء دراسته الجامعية في غضون ثلاث سنوات فقط، يستطيع بعدها الحصول على وظيفة وراتب ليرعى إخوته الصغار.. لكن الأقدار كان لها رأي آخر.

جاء ترتيب “علي” الأول على دفعته، ما أهله للسفر في بعثة علمية إلى جامعة “نوتنجهام” ليحصل منها على شهادة البكالوريوس في الرياضيات في ثلاث سنوات فقط.

تندلع الثورة في مصر عقب اعتقال الزعيم “سعد زغلول” ونفيه. بمجرد أن وصلت أخبار ذلك الحراك الشعبي الواسع ضد المحتل إلى أسماع “علي” يقرر على الفور العودة إلى مصر ليكون بين أبناء وطنه الثائر.. وفي أثناء انتظاره انتهاء إجراءات العودة يصله خطاب من صديقه المقرب محمود فهمي النقراشي، وكان قد استشاره في أمر عودته؛ فإذا بالنقراشي يرد عليه بكلمات تقطر صدقا ووطنية ووعيا: “إن مصر تحتاج إليك عالما أكثر مما تحتاج إليك ثائرا، وإن وجودك الآن في جامعات إنجلترا أكثر نفعا من أن تكون في شوارع مصر”.. فيقرر البقاء، وعندما يبلغه نبأ اعتقال أخيه الأصغر الذي كان منه بمثابة الابن يشكر الله الذي شرَّف آل مشرفة بهذا البطل الذي أدى عن إخوته ضريبة الوطن.

ثم يلتحق مشرَّفة بالجامعة الملكية بلندن، ويحصل منها على دكتوراه فلسفة العلوم بإشراف العالم الفيزيائي الشهير تشارلز توماس ويلسون، الحائز على جائزة نويل، ويعود إلى القاهرة، ثم ما يلبث أن يعود إلى إنجلترا لينال دكتوراه العلوم من نفس الجامعة في أقل وقت تسمح به قوانين الجامعة، وكان جملة من حصل على هذه الدرجة من العلماء على مستوى العالم أحد عشر عالما فقط.

ثم يعود مشرفة إلى مصر ليصبح عضوا في هيئة التدريس بكلية العلوم جامعة القاهرة؛ بعد أن عُين أستاذا لمادة الرياضيات التطبيقية، ثم يحصل على درجة الأستاذية وهو بعد في الثامنة والعشرين، في سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ الجامعة المصرية، وربما لن تحدث أبدا، ثم ينتخب عميدا لنفس الكلية في عام 1936، ليكون أول عميد مصري لهذه الكلية العريقة، وعندما ينعم الملك عليه برتبة الباشوية، لا يذهب الدكتور مشرفة إلى الحفل الذي أقامته السراي ليقدم المُنعَم عليهم أسمى آيات الشكر لمليك البلاد؛ وذلك لأنَّه رأى أن الرتبة الممنوحة لا قيمة لها إذا قيست بالدكتوراه التي يشرف بحملها؛ وعندما يُدعى إلى السفارة البريطانية، ويحاول المندوب السامي لورد “كليرن” السير “مايلز لامبسون” استفزازه بقوله “أحقا يا دكتور مشرفة أن غالبية الشعب المصري تكرهنا؟” فيجيبه الدكتور مشرفة في أنفة لم يستغن عنها طوال حياته “وهل هي الأغلبية فقط؟ الأقلية أيضا لها نفس الشعور!”.

وليس بغريب عليه وهو من هو أن يكون أول المنادين بدخول مصر مجال الطاقة النووية؛ كي تمتلك سلاحا رادعا تحفظ به موازين القوى، كما حذَّر من محاولة صنع القنبلة الهيدروجينية؛ لأن ذلك إن حدث سيكون سببا في دمار العالم في يوم من الأيام.

قدم الدكتور مشرفة  أكثر من مئتي بحث علمي في نظريات الكم والنسبية والذرة والإشعاع، كذلك كان أول من قام ببحوث علمية حول إيجاد مقياس للفراغ؛ حيث كانت هندسة الفراغ المبنية على نظرية “أينشتاين” تتعرض فقط لحركة الجسيم المتحرك في مجال الجاذبية، كما صاغ نظرية علمية جديدة حول علاقة المادة بالإشعاع.

وعلى الرغم من اهتماماته العلمية التي تجل عن الحصر كان الدكتور مشرفة من المحبين للموسيقى، إذ أنشأ الجمعية المصرية لهواة الموسيقى التي كان من ضمن أهدافها تعريب المؤلفات الموسيقية العالمية، كما كان عازفا للكمان، ومجيدا للعزف على آلة البيانو.

كما كانت له اهتمامات أدبية وفلسفية حيث كتب ما يقرب من 30 مقالا و35 بحثا علميا ومن أهم مؤلفاته العلمية “النظرية النسبية الخاصة” و”نحن والعلم” و”الذرة والقنابل الذرية”.

علي مصطفي مشرفة في صورة تذكرية بالجامعة
علي مصطفي مشرفة في صورة تذكرية بالجامعة

“إن على مصر أن ترعى مشرفة كما ترعى أهرامها؛ إنه موسوعة بشرية حَوَت الكثير من النبوغ الذي قلَّ مشابهته في العالم بأسره”. هكذا تحدث عنه أينشتاين الذي كان يراه مستودع أسرار الذرة التي أراد القدر لها ألا تذاع كاملة عندما اختطف الموت هذا العالم الفذ وهو في عامه الحادي والخمسين، وكان ما زال في قمة عطائه العلمي، حتى إن شبهات ثارت حول دور للصهيونية العالمية في وفاته، بينما ذهب البعض إلى تورط القصر، وهذا كله مما لم يثبت منه شيء..  وقد نعاه العالم ألبرت آينشتاين قائلا: “لا أصدق أنَّ مشرّفة قد مات، إنَّه مازال حيا بيننا من خلال أبحاثه”.

وقد خصصت حكومة المملكة المتحدة منحة تعليمية لدراسة الدكتوراه تحت اسم منحة نيوتن-مشرفة في جامعة لندن تقديرا لما حققه عالمنا الجليل من منجزات علمية غير مسبوقة. رحم الله العالم النابغة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock