فن

القاهرة.. مدينة السينما

في ظل تصاعد الجدل بين السينمائيين والمسؤولين عن مدينة القاهرة حول كيفية تصوير الأعمال الفنية في شوارع المدينة ومبانيها الأثرية وما إذا كان هذا ينبغي أن يكون بمقابل مادي أم لا٫ قد يكون من المفيد إلقاء نظرة ولو خاطفة على أبرز الأعمال السينمائية التي كانت القاهرة محورها ومركزها.

قاهرة “يوسف شاهين”

ولعل أول اسم يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن علاقة الفن السابع بالقاهرة هو المخرج الراحل يوسف شاهين حيث كانت ” قاهرة المعز ” محوراً لعدد كبير من أفلامه.

ففي فيلمه “باب الحديد” عام ١٩٥٨ يخرج شاهين بالكاميرا من الاستديوهات المغلقة إلى شوارع القاهرة وتحديداً إلى محطة القطارات  “محطة باب الحديد” التي  تستقبل الوافدين إلى العاصمة من الأقاليم ويجعل من البسطاء أبطالاً لفيلمه من أمثال قناوي بائع الجرائد المحروم والمعاق جسدياً الذي  جسّد  شاهين شخصيته ً وهنومه بائعة المياه الغازية (هند رستم) والعامل الحالم بإنشاء نقابة تتبنى قضايا العمال  (فريد شوقي).

وفي فيلم “فجر يوم جديد” عام ١٩٦٥ يعود شاهين الى شوارع قاهرة الستينات ليرصد ما حدث فيها من تغيير من خلال رؤية سيدة برجوازيه (سناء جميل) تلتقي صدفة بالشاب طارق (سيف عبد الرحمن) المنتمي إلى الطبقة العاملة الذي يصحبها عبر الأزقة والطرقات في العاصمة ليريها ملامح مدينة تتغير بشكل يكاد يكون يومياً.

وفي “العصفور” عام ١٩٧٢ يعود شاهين ليتغنى ببسطاء القاهرة الذين رفضوا الخضوع للعدوان في عام ١٩٦٧ وخرجوا الى الشوارع مرددين “هنحارب” تتقدمهم المصرية  الأصيلة بهية (محسنة توفيق) التي جعل منها شاهين رمزاً مجسداً لمصر التي تأبى الانكسار.

ومع مطلع التسعينات٫ يختص شاهين القاهرة  بفيلم تسجيلي من إنتاج التلفزيون الفرنسي هو فيلم “القاهرة منورة بأهلها” ٫ يرصد من خلاله أبرز التغيرات التي حدثت لتلك المدينة التي هام بها حباً٫ فالمباني باتت تقام على حساب الرقعة الزراعية ، والعمارات الشاهقة تُخفي وراءها أحياء عشوائية يقطنها البسطاء في حين ينفق الأثرياء أموالاً طائلة في سهرات حافلة ب”هز البطن” على حد تعبير الفيلم.

أبو سيف وتلاميذه ..حالة عشق

أما المخرج الراحل صلاح أبو سيف فقدم وجوها متعددة للقاهرة في أفلامه٫ بداية من السوق وما يكتنفه من صراعات في “الفتوة” عام ١٩٥٧ الى طموح شاب رومانسي في “الوسادة الخالية” في العام ذاته٫ بل انه في فيلمه “بين السماء والأرض” يضع المجتمع المصري برمته في مصعد واحد موضحاً التناقض والتباين بين شخوصه.

وعلى نفس النهج يسير أكثر من تلميذ لأستاذ الواقعية صلاح أبو  سيف لعل أبرزهم الراحل عاطف الطيب الذي اختار القاهرة مسرحاً لفيلم يروي من خلاله معاناة جيله٫ الجيل الذي حارب٫ وكافح من أجل الوطن  في فيلم “سواق الأتوبيس” عام ١٩٨٢ الذي يرى فيه المشاهد القاهرة بعيني سائق الحافلة حسن (نور الشريف) المقاتل السابق في حروب مصر المعاصرة والذي عاد من الجبهة ليجد مدينة قاتل من أجلها لا يكاد يتعرف عليها.

وفي فيلم “الهروب” يجعل الطيب من شوارع القاهرة خلفية لمطاردات مثيرة تلاحق فيها أجهزة الأمن “منتصر” (احمد زكي) الصعيدي الذي تعرض لظلم فادح ويسعى للانتقام ممن ظلموه.

أما صديق الطيب وابن جيله محمد خان فتتبدى في أغلب أفلامه حالة عشق لشوارع وميادين القاهرة بداية من فيلمه الأول “ضربة شمس” عام ١٩٨٠ الذي غلب عليه الطابع البوليسي مروراً بتعاونه الوحيد مع عادل امام في “الحريف” عام ١٩٨٤ والذي استعرض فيه خان القاهرة من خلال رحلة فارس لاعب “الكرة الشراب” راصداً قدرة العمال البسطاء من أمثال فارس على انتزاع لحظات من الفرح من خلال تحويل الساحات الى ملاعب.

اما في “زوجة رجل مهم” فنحن بصدد قاهرة  أواخر السبعينات٫ قاهرة لازال يزينها صوت عبد الحليم حافظ رغم رحيله ورغم تبدل زمنه الذي ألهمه أغانيه.

وفي كل من “أحلام هند وكاميليا” و”مستر كاراتيه” يستكمل خان ما بدأه في الحريف حيث يقدم القاهرة كمدينة تمثل حلماً للبسطاء لا سيما القادمين منهم من الأقاليم لكنها في الوقت ذاته المدينة التي تسحق احلامهم تلك٫ لانها باتت كما يوضح خان في “سوبر ماركت” سوقاً ضخماً كل شي فيه معروض للبيع مثل “السوبر ماركت” بما في ذلك البشر.

اما في فيلم “في شقة مصر الجديدة” فتظهر من جديد حالة العشق التي يتعامل بها المخرج مع شوارع وميادين القاهرة ، فالمكان من مصر الجديدة إلى ميدان رمسيس رغم كونه من أكثر مناطق القاهرة ازدحاما ، إلا أن المخرج يقدمه كخلفية لرحلة رومانسية، بل إن محطة مصر المرتبطة في ذهن كثيرين بالزحام والضوضاء حوَّلها خان الى مكان ولادة طفل وسط مشاعر من الحب المتبادل بين الأب والأم.

أما  خيري بشارة فقد ذهب خطوة أبعد في أفلامه عن القاهرة٫ حيث استعاض عن الديكورات بشوارع حي المعادي الراقي في فيلمه “ايس كريم في جليم” مبرزاً حياة الشبان البسطاء الذين يعملون في هذا الحي الراقي ولا يملكون العيش فيه ويجدون ملاذاً في الموسيقى بمختلف ألوانها فيكونون فرقة تحمل اسم الشارع “شارع ٩” بقيادة سيف “عمرو دياب”.

ومن الطريف حقاً أن بشارة تمكن من جعل شوارع القاهرة خلفية لكافه الأغنيات التي يفضلها أبطال فيلمه٫ فنستمع إلى أغاني الفيس بريسلي بينما يقود سيف دراجته في ميادين العاصمة وإلى الموسيقى الكلاسيكية بينما يتجول الملحن اليساري زرياب (علي حسنين) في الشوارع متأبطاً عوده إلى وطنيات عبد الحليم حافظ بينما يرتاد سيف الشوارع مع صديقه الشاعر الناصري التوجه نور (أشرف عبد الباقي).

 وفي فيلمه “اشارة مرور” تتحول إشارات مرور القاهرة نفسها الى ديكور٫ حيث أن الفيلم برمته تدور أحداثه في إحدى هذه الإشارات التي تم إغلاقها لمرور موكب لا يعرف السائقون ولا المارة عنه شيئا وفي قلب الزحام تولد قصص الحب وينسج المنتظرون علاقات انسانية جديدة.

 غير أن الأمر اختلف كثيرا منذ مطلع الألفية الجديدة  إذ تراجع  الاهتمام بتصوير القاهرة في الأفلام التي أُنتجت بداية من الالفية  وهو ما يشكل مفارقة إذا ما علم المرء أن القاهرة في الفترة ذاتها كانت مسرحاً لانتفاضة الخامس والعشرين  من يناير عام ٢٠١١ الشعبية الكبيرة .

وهو ما يطرح التساؤل حول ما إذا كانت الرسوم المالية الجديدة المفروضة على تصوير الأفلام ستقود إلى مزيد من التراجع في الاهتمام السينمائي  بالقاهرة وضواحيها ؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock