مدونة أصوات

الفاترينة!

غادرت مكتبي بالجريدة بعد الرابعة عصرًا، مشيت بضعة أمتار تبعد قليلًا عن دار القضاء العالي، رافقني زميلٌ لي، لبثت بعض الوقت أتفقد المعروض من الصحف، على أكثر من فرشة بناصية شارع طلعت حرب، لم أظفر بواحدةٍ، وعندما وقعت عيني على صحيفتي، ظهر لي تابوت فرعوني من خشب السنط، مُسجى في جوفه نفرتاري، وأنا الملك العاشق إخناتون، لا حيلة لي، إلا القعود في مدرجات المشاهدين، وقد نزع قلمي من غمده، إله الشمس أتون، وأوصى رئيس كهنة المعبد، بإدراجي “عدوًا” في السجلات الأرشيفية.

لا أدري لم  ألتفت ـ هذه اللحظة ـ إلى هذا المبنى القلاعي، أتأمله بطرازه البازليكى الروماني وبأعمدته الشاهقة، رغم أنني اعتدت رؤيته يوميًا في غدوي ورواحي، فهو أول ما يستقبلني، وأول ما يودعني!.

 وقف زميلي بمحاذاتي ينظر إلى حيث رأى عيني تتفحصه، وطفق يروي قصة المبنى، حتى عام 1959. نظرت إليه مبتسمًا، حدق في عيني برهةً، قبل أن يشاركني بابتسامة خبيثة، هكذا رأيتها جليّة على صفحة وجهه، آثرت السلامة، ولذت بعدها بالصمت؛ فالصحفيون يجيدون فنون اصطياد المصدر الثرثار، وتوريطه مع كل ذي يد طويلة.

أسندت ظهري إلى عمود إنارة، خرجت من أمعائه الغليظة، أحشاؤه المميتة. لم أنتبه.. فزميلي مشغول بتفقد فاترينة متجر أحذية بجوارنا. وأنا حملتني عيني على متنها، وهي تركض مستمتعة في شارع 26 يوليو، يا لروعة القاهرة الخديوية، كأنني في حي “وست إند” في لندن، أو حي “البوليفار” في باريس.

وسط البلد

أصابني مس من الحزن، حين تأذت عيني، بصور الفوضى، وهي تمضي مزهوة بقبحها، في كل مكان، بدوت وكأني بسحنتي المكفهرة غريبًا، بين كل الوجوه التي تبلدت ملامحها، وهي ترى كل يوم، وفي كل ساعة، القبح وهو يقضى وطره من هذا الجمال الباريسي بوقاحة.

 إذ ذاك، تحسست هويتي، فربما أثير ـ أنا الغريب ـ شكوك شرطي المرافق، الرابض مثل تمثال الثلج، على ناصية شارع شريف.

تشبثت أذني بصوت أم كلثوم، يصدح من محل “كشري” ملاصق، يغالب أزيز محركات السيارات، وأصوات احتكاك عجلاتها بحصى الإسفلت الناتئ، وطقطقة الشكمانات المثقوبة. لاحقتني وشوشة مرحة، لا تكاد تغسل أدران روحي المتعبة، تركت ما يشبه البلل ثم غادرت: يا  للمصادفة إنها “رجعوني عينيك”!.

اختلط عليّ ما تبقى من النهار، سماء القاهرة تمضغ الدخان الأسود، ثم تبصقه سحابًا ثقالًا، فيبدو وقت المغيب مثل الفجر الكاذب، وأنا وحدي الذي أرى الشفق حناء منقوشة على كواعب النساء الجميلة.

شارع عماد الدين بين الأمس واليوم
شارع عماد الدين بين الأمس واليوم

إشارة المرور معطّلة، أمسكت بيد زميلي، وعبرنا بحذرٍ إلى الرصيف المحاذي، انعطفنا يسارًا، دخلنا شارع عماد الدين، التفت إليه وسألته: ما علاقة الدين بالمشايخ؟! ضحك مستغربًا، وقال متهكمًا: ثمة علاقة بالتأكيد! ثم أردف بدليله: سيد درويش، كان ينادى عليه بـ”الشيخ سيد”!.

طوقت كتفه بيدٍ وأشرت بالأخرى: هناك يرقد في ضريحه الولي الشيخ عماد الدين، تركه العثمانيون ورحلوا، فلاذ يرفل في الأنس بنور المسارح ودور السينما المجاورة.

 يشرد خيالي برهة. تلهث عيوني وهي تتعقب سيد درويش يخرج مذعورًا من مقهى “بعرة” يحمل عوده تحت إبطه، يتبعه الريحاني ويوسف وهبي والدقن وأم كلثوم وعبد الوهاب وعلي الكسار وشكوكو وغيرهم، يلاحقهم حريق جائع، يقضم عظم الشارع الشفيف.

فجأة قطعت الكهرباء، ووثبت أحذية الظلام الثقيلة، تطأ الرؤوس وتفقئ العيون. إذ ذاك.. فقدت أثر زميلي، وتحسّست بأطراف أصابعي جدران الشوارع المطفأة، عساي أجد كُوَّة تسع رأسي فأرى النور.

محمود سلطان

كاتب وصحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock