ثقافة

ابن باجة فيلسوف العزلة المغبون

اعتبر ابن باجة أول فلاسفة الأندلس لأسباب عديدة، منها أنه أول من تمرد على سطوة مقولات أرسطو حيث خالفه في تصوره فيما يخص “نظرية المعرفة” و”الإنسان الاجتماعي” وبهذا كان له الفضل في تحرير الفكر العربي، ودفعه لتشكيل طروحاته الفلسفية الخاصة.

كما كان ابن باجة أول من نظر من الأندلسيين في الفلسفة المشرقية- نظر الباحث المحقق.. وهو ما جعله يستدرك على الفارابي في إمامة المدينة الفاضلة، فقال باستحالة توفر الصفات التي اشترطها الفارابي في شخص واحد ليكون الإمام.. وأنه لا مناص من القبول بالقيادة الجماعية التي تتمثل في النخبة الفكرية العليا التي يملك كل فرد فيها تصورا فلسفيا وصل إليه بالنظر الحِكَمي المنفرد في حال من العزلة أو الانغلاق على الذات.

ابن باجة الأندلسي

ومن آرائه التي عدمت النظير جرأة في عصره- قوله أن “القضايا الاجتماعية وخصوصا الأخلاقية منها ليست مستمدّة من أوامر الدين والنواهي التي يقول بها، ولا حتّى من قوانين المجتمع والدولة، بل هي مبنية على التفكير ومستمدّة مباشرة من العقل”. وكان هذا الرأي مخالفا لكل ما يروج من أفكار في هذا الوقت بهذا الخصوص، إذ عُدَّ الشرع أساسا للقيم والأخلاق الاجتماعية، وبالقطع فإن هذا الرأي كان كافيا وحده بأن يُنعت صاحبه بالزندقة والإلحاد من قبل فقهاء عصره الذين أرادوا أن يخضعوا الحياة بما تعتمل به من متغيرات لأهوائهم، ولما جبلوا عليه من جمود وبغض لإعمال العقل.

أما عن مفهوم العزلة أو التوحد الذي صاغه ابن باجه وأطلق عليه آخرون أسماء أخرى كالاغتراب.. فالأرجح أنه كان محاكاة لتجربة أو فرضية الغزالي حول مفهوم الصوفيّ الذي يحاول في عزلته أن يتصل بالمدارج العلويّة، إلا أن ابن باجة ينقل هذه التجربة من المستوى الروحي – الصوفي إلى المستوى العقلي/ الفلسفي.. وهو ما حاول تفسيره بعد ذلك الفيلسوف الوجودي “كيركيغارد” بقوله: ” إنّ الفيلسوف متوحّد لأنه يعي أنه الاستثنائي بامتياز”.

كيركيغارد
كيركيغارد

وهذا ينقلنا إلى الحديث عن الأثر الواضح لفلسفة ابن باجه في فلاسفة أوروبا مثل: إكهارت” و”سبينوزا” لكن هذا لا يقال ولا يعترف به “فتاريخ الغرب حافل بمثل هذا الإنكار، منذ أن تنكّرت أوروبا لأصولها المرجعية في الثقافة العربية الإسلامية لتقفز فوقها، وتزعم أن مرجعيتها مباشرة بالثقافتين اليونانية والرومانية، وكأنّها حالة إعجازية خاصة تخرق سُنن تتابع المدنية البشرية”.

يرى الدكتور جورج زيناتي أن الإنجاز الأكبر لابن باجه هو تمهيده لمشروع ابن رشد الفلسفي والعلمي الذي يبدو في تاريخ السياق العلمي الوضعي العربي، أشبه بلحظة ضائعة أو محاولة عقيمة لم يكتب لها التناسل، فمثّل ذلك انتكاسة حضارية هائلة رَجَحَت فيها كفة الميزان لصالح الثقافة الغربية التي أحسنت استثمار الإنجاز الحاصل في الفكر الفلسفي في دَفع تقدّم الأبحاث في العلوم الوضعية، فكان لها ما وصلت إليه اليوم من مدنية وتحضّر وهيمنة.

وقد استفاد ابن رشد  بشكل مباشر من  فلسفة ابن باجة التي وضعها وفق قيمتين أساسيتين لم يسبقه إليهما أحد.. أولاهما أنه بنى الفلسفة العقلية على أسس الرياضيات والطبيعيات فنزع عن الفلسفة الإسلامية سيطرة الجدل، وخلع عليها لباس العلم، وثانيتهما أنه أول فيلسوف في الإسلام فصل بين الدين والفلسفة في البحث، وانصرف إلى العقل، وبالقطع فإن ذلك قد فتح عليه بابا من أبواب الجحيم.

الدكتور جورج زيناتي
الدكتور جورج زيناتي

وقد شدد ابن باجة على أهمية العقل بل رفعه إلى مرتبة القداسة وجعله العنصر الحاسم في خيارات الإنسان واختياراته والمصدر الأساس الذي تتوقف عليه سعادة الإنسان، فيقول في هذا الأمر موضحا في تدبير المتوحد:” ولما كانت الأفعال الإنسانية هي الاختيارية كان كل فعل من أفعال هذه القوى يمكن أن يكون للناطقة فيها مدخل. والنظام والترتيب في أفعال الإنسان إنما هو من أجل الناطقة، وهما للناطقة من أجل الغاية، التي جرت العادة أن يقال لها العافية والسعادة…وكل ما يوجد للإنسان بالطبع ويختص به من الأفعال فهو باختيار. وكلّ فعل يوجد للإنسان باختياره فلا يوجد لغيره من أنواع الأجسام، والأفعال الإنسانية الخاصة به هي ما تكون باختيار، فكل فعل إنسانيّ هو فعل باختيار. وأعني بالاختيار الإرادة الكائنة عن روية، أمّا الإلهامات والإلقاء في الروع وبالجملة الانفعالات العقلية – إن جاز أن يكون في العقل انفعال يشارك الإنسان- فإنّ الإنسان مختص بها. وإنما احتيج إلى اشتراط الاختيار في الأفعال التي من جهة النفس البهيمية، فإنّ الحيوان غير الناطق إنما يتقدم فعله ما يحدث في النفس البهيمية من أفعال”.

كما يذهب ابن باجة بخصوص العقل إلى أبعد من ذلك إذ قال بخلود العقل والصور العقلانية من جهة، وفساد كلّ خصائص الإنسان الأخرى بما فيها الصور الجسمانية والروحية من جهة أخرى.

ولابن باجة إسهامه الهام في  نظرية المعرفة إذ حصرت من قبل التقليدين في زمانه، بالإلهيات والروحانيات، بينما قال هو بالمبادئ الفلسفية التي تفترض أنّ العقل هو وحده مصدر المعرفة الإنسانية، وهو الذي يحقّق الإنسان بواسطته كماله الطبيعي، بل إن سائر الأفعال الإنسانية والقيم والفضائل ليست سوى وسيلة وآلة في خدمة هذا العقل وترجمة لأفعاله.

فلسفة ابن باجة وأثرها

ولإعطاء هذا العلم موقعه الذي يستحقّ، يرى ابن باجة ضرورة أن يكون بعيدا عن المادة للوصول إلى مرتبة العقل المستفاد حيث يقول في رسالة الوداع: “…فلأنّه واحد من كلّ جهة، فهو في غاية البعد عن المادة. لا يلحقه التضادّ كما يلحق الطبيعة، ولا العمل عن التضاد كالنفس البهيمة، ولا يرى التضادّ كالناطقة. فهو أبدا واحد أو على سنن واحدة، في لذّة فرح وبهاء وسرور”.

كما اعتبر أنّ من يدرك هذه المرتبة من العلم يكون قد ظفر برضى الله ونعمته، إذ ليس أحبّ عند الله من هذا العقل، وإثباتا لذلك يستشهد بما جاء في بعض الآيات القرآنية  كقوله تعالى”… وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (7)آل عمران ، وقوله سبحانه”… إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) فاطر.

كما يستشهد ببعض الأحاديث النبوية لتأكيد أهمّية العقل ولدحض رأي الفقهاء الذين يشنّون الحملات ضدّ الفلاسفة، فيقول: “خلق الله العقل فقال له : أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر. فقال وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أحبّ إليّ منك”.

وقد مارس ابن باجة شيئا من المداراة في آرائه المعلنة التي كانت تتوافق وما يعتقده الحاكم الذي استوزره، بينما كانت قناعاته تتسلل عبر كتاباته الفلسفية، بأساليب لا تخلو من تحايل، وهو ما يعكس جزءا هاما من أزمة ابن باجه الفيلسوف.

المعرفة والسياسة عند ابن باجة

ولعل ابن باجة قد أهدى إلينا بنموذجه هذا تفسيرا لأزمة المثقف الذي لا يستطيع أن يحل تلك الإشكالية بين طوقه للتفكير بحرية مطلقة بعيدا عما يفرضه الواقع من اعتبارات، ومسئوليته حيال مجتمعه الذي يطمح أن تنفذ إليه أفكاره ورؤاه؛ فتدفعه نحو التقدم والنهوض، تلك الحالة الحرجة التي ربما لا يحافظ عليها باتزان حقيقي كثير من مثقفي هذا العصر، فتراهم يدجنون في حظائر السلطة بالكلية، أو أنهم يؤثرون الانزواء بعيدا مكتفين بتعاطي الأفكار والأطروحات الفلسفية الخاصة بهم، أما أندرهم فهم من يرون ضرورة العمل على تثوير العقل الجمعي ليتخلص من قيوده الزائفة انطلاقا نحو إدراك أنبل الغايات.

وبالرغم من محاذرته، وحرصه- ابتداء- على عدم المواجهة المباشرة مع من جعلوا من أنفسهم حراسا للعقيدة وحماة لها، إلا أن ذلك لم يمنع  من تعرضه لعدة محاولات للاغتيال من قبل هؤلاء الذين جعلوا دين الله سلعة يأكلون بها، وممن حقدوا عليه المكانة والمنزلة الرفيعة وما وصل إليه في علم الطب تحديدا؛ حتى نجحوا في قتله بالسم في مدينة فاس  ببلاد المغرب نحو عام1138م. وقد ترك ابن باجه مؤلفات وصلت عددا إلى نحو المئة بين كتاب ورسالة ضاع منها الكثير، لكن بقي منها ما يكفي لإعطاء فكرة حقيقية عن فلسفته. وتشكّل كتب تدبير المتوحد، ورسالة الوداع، ورسالة الاتصال أبرز المؤلفات التي يشرح فيها فلسفته وتأملاته.

هوامش

– ابن باجة هو أبو بكر محمد بن يحيى الملقب بابن الصائغ أو ابن باجة، ولد في سرقسطة عام 475هـ على الأرجح.. كان أول المشتغلين من عرب الأندلس بالفلسفة المشرقية هاجر إلى إشبيلية بعد سقوطها في يد ألفونس الأول عام 512 هـ، وسكن فترة في مدينة المرية وغرناطة، ثم رحل إلى فاس المغربية، وفيها عانى من المحنة واتهم في دينه.

– تولى الوزارة مرتين الأولى في سرقسطة في عهد ابو بكر ابن إبراهيم المعروف بابن تيفلويت في الفترة من 1109 إلى 1106وسجن في آخر هذه الفترة في سجن المستعين بن هود.. وعاد إلى السجن مجددا في شاطبة على يد إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، بعد أن اتهم بالزندقة؛ لكنه خرج إلى الوزارة مجددا مع ولاية يحيى بن إبراهيم بن تاشفين.. وورد أن الوزارة الثانية طالت لنحو عقدين.

– توفي ابن باجه في رمضان سنة 533هـ على أرجح الأقوال بعد أن دس له الطبيب أبو العلاء بن زهر السم عن طريق خادمه ابن معيوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock