رؤى

يزيد الناقص.. الأمل الأموي الأخير

كانت وفاه الخليفه الأموي هشام بن عبد الملك نقطه تحول في مسيرة الدولة التي حكمها نحو عشرين عاماً بلغت فيه أوج قوتها٫ بل يمكن القول أن بداية الانحدار نحو الانهيار في تاريخ بني أمية بدأ منذ هذه النقطة تحديداً.

إذ آلت الخلافة بعد وفاة هشام الى ابن أخيه الوليد بن يزيد والذي كان النقيض التام لشخصية عمه٫ اذ كان شاباً لاهياً عابثاً لا يملك حزم عمه ولا قوته وقدرته على إدارة دولة مترامية الأطراف.

وكانت بداية عهده وبالاً على أقاربه من اولاد البيت الأموي وتحديداً على أولاد هشام بن عبد الملك لادراكه ان بعضهم تواطأ في مخطط لعزله عن ولاية العهد في حياة أبيهم٫ فبدا الوليد انتقامه منهم بكبيرهم سليمان بن هشام فأمر بجلده ١٠٠ سوط وزاد في إهانته بحلق شعر رأسه ولحيته ونفيه بعيداً عن عاصمة الدولة دمشق.

ضاق بنو أمية ذرعاً بولاية الوليد ولم يكد يتم عامه الأول في السلطة حتى سعوا إلى خلعه وبداوا يدبرون لذلك بمعاونة القبائل اليمانية اي عرب جنوب الجزيرة العربية الذين شكلوا اغلب الجنود في بلاد الشام في ذلك الوقت.

واختار بنو أمية بديل الوليد وهو ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك٫ حيث اجتمعت فيه عدة صفات جعلته موهلاً لهذا الاختيار فهو ابن الوليد بن عبد الملك٫ الخليفة الذي بلغت الفتوح في عهده أوجها من الأندلس الى الصين وهو ولده من امرآه اجتمعت فيها دماء اكاسرة الفرس وقياصرة الروم وكان يزيد يتباهى بنسبه فيقول : “أنا ابن كسرى، وأبي مروان … وقيصر جدي، وجدي خاقان”٫ وهو فوق هذا وذاك ذو سمعة طيبة بين الخاصه -بني أمية- والعامه ايضاً.

وفي عام ١٢٦ هجريه وبينما الوليد بعيد عن دمشق٫ اقتحم بنو أمية من انصار يزيد وجنود اليمانيه دمشق واعلنوا عزل الوليد ومبايعه يزيد بالخلافه بدلاً منه.

وتستحق خطبة يزيد في هذه المناسبة كما اوردها الامام جلال الدين السيوطي في كتابه عن الخلفاء التوقف عندها٫ حيث تكشف عن ملامح سياسة تختلف عمن سبقوه من حكام بني أمية وتكشف ايضاً تاثراً واضحاً من جانب يزيد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز لا سيما فيما يتعلق بسياساته المالية.

بدا يزيد خطبته بالتأكيد على أنه لم يخرج “أشَرًا ولا بطَرًا ولا طمعًا ولا حرصًا على الدنيا ولا طمعاً في الملك” وانما خرج “غضبًا لله ولدينه، وداعيًا إلى كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- حين درست معالم الهدى، وطفئ نور أهل الهدى”.

ثم يقر يزيد بمبدأ افتقدته الأمة منذ عصر الخلافة الراشدة وهو حق الأمة في المال العام والا يكون حكراً على فئة دون أخرى حيث يؤكد “إن لكم عندي إن وليت أموركم ألا أضع لبنة ولا حجرًا على حجر ولا أنقل مالًا من بلد حتى أسد ثغره، وأقسم بين مصالحه ما تقوون به؛ فإن فضل رددته إلى البلد الذي يليه”.

اي ان الخليفه هنا يتعهد الا يبني قصوراً او دوراً لذاته واهله كما عكف من سبقوه إلا إذا أنفق اولاً ما يكفي في كل قطر من أقطار الدولة لحمايته من أي تهديد خارجي وبعد أن يوزع المال العام على الناس بما يضمن لهم الحد الادنى من الحياة الكريمة وإن فاض بعد ذلك شيء من المال العام٫ فإنه ينظر أي الأقطار يحتاج هذا الفائض فيرسله إليه.

بل ان يزيد يذهب الى ما هو ابعد من ذلك في خطابه حيث يؤكد على حق الأمة في تولية وعزل حكامها بعد سنوات طوال من حكم بني أمية الوراثي فيقول “فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدًا أقوى مني عليها فأردتم بيعته فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته، وأستغفر الله لي ولكم”.

ومن الملاحظ ايضاً كما يذكر المؤرخ ابن عبد الحكم أن يزيد قرب إليه أصحاب غيلان الدمشقي٫ وهو الفقيه الذي عهد إليه عمر بن عبد العزيز برد مظالم من سبقه من أمراء بني أمية فقام ببيع ممتلكاتهم وكان ينادي على الناس ويقول “تعالوا إلى أموال الظلمة، تعالوا إلى أموال الخونة” وهو الأمر الذي أدى إلى مقتله لاحقاً على يد هشام بن عبد الملك.

وتقريب أصحاب غيلان الدمشقي أمر ذو دلالة إذا أدركنا أنه كان يرفض فكرة “القدرية” التي كان يقول بها بعض الفقهاء في عصره وكان يدعمها حكام بنو أمية وكان يؤكد على ايمانه التام على  أن الإنسان مختار، وأنه سوف يحاسب على اختياره.

ويشير السيوطي إلى أن يزيد كان ينهى بني أمية عما اعتادوه من متع الحياة والترف مثل مجالس الأغاني والمعازف.

الا ان محاولة يزيد الذي لُقب بالناقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم أي من رواتبهم٫ لخلق نموذج جديد مغاير لما ألفه الناس في عهد بني أمية لم تدم طويلاً٫ إذ لم تستمر ولايته سوى بضعة أشهر وتوفي في ظروف غامضة في نفس عام توليه الحكم.

كانت تجربة يزيد الناقص محاوله اخيره لإصلاح ما يمكن إصلاحه في بنيان بني أمية المتصدع٫ ولم يكتب لهذه التجربة النجاح وكانت النتيجة الطبيعية هي انهيار هذا البنيان في عهد خليفته مروان بن محمد امام الطوفان العباسي القادم من الشرق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock