رؤى

المرأة الإنسان.. عودة إلى الأصول

بعيدًا عن صخب النسوية وضجيج الذكورية جلستُ مع مجموعة من الفتيات نتحاور حول المرأة في ذاتها، بجوهرها الإنساني لا بصورتها الأنثوية. ربما يكون من الصعب الفصل بين النفس والصورة في كثير من الأحيان، خاصة عند الحديث عن المرأة، لكنى أرى أنه لا بد من المحاولة خاصة إذا كنا في مرحلة تأسيسية حول مشروع يتعلق بالمرأة الإنسان، وبدورها في إنتاج المعرفة ومساهمتها في صناعة الحضارة. بالطبع ليس المقصود من هذا الطرح مناقشة إنسانية المرأة في حد ذاتها؛ لأن هذا السؤال ليس مطروحًا لدينا أصلا، ولا نقبل الكلام فيه، ليس تحكمًا؛ وإنما موافقة لإرادة الله تعالى وآياته. بل مقصودنا مناقشة ما يترتب على كونها إنسان كامل الأهلية خلقها الله لحكمة وغاية، وكلّفها بتكاليف عامة وخاصة. ومن ثم فإنه من الضروري لكل امرأة أن تفكر  في هذا الدور الذي خُلقت من أجله، بعيدًا عن تلك الشعارات الرنانة التي تطلقها النسويات، وخارج ذلك الإطار الأنثوي الضيق الذي وضعته لها بعض التيارات سواء الاجتماعية منها أو الثقافية أو الدينية. لكن قبل تقرير هذا الدور الأساس وما يتبعه من أدوار فرعية، علينا أن نؤسس لهذا الطرح.

في الأصل كانت النفس:

افتتح الله عز وجل سورة سماها “النساء” بخطاب الناس جميعاً، ودعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، منبّهاً لهم على قدرته في خلقهم من نفس واحدة قائلا: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا”. وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلّفين تنبيههم إلى أمرين:

الأول: وحدة العقيدة؛ بأن ربهم واحد هو الذي خلقهم وأنعم عليهم بالإيجاد الذي هو غاية الإنعام ونهاية الإحسان. يقول الإمام القشيري في لطائف الإشارات: “تعرّفَ إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة حيث خلق جميع هذا الخلق من نسل شخص واحد، على اختلاف هيئاتهم، وتفاوت صورهم، وتباين أخلاقهم، وإنّ اثنين منهم لا يتشابهان، فلكلٍ وجه فى الصورة والخلق، والهمة والحالة، فسبحان من لا حدّ لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته”.

والثاني: وحدة النفس؛ إذ الناس جميعا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد. وفى إنشاء جميع البشر من ذلك الأصل آيات بينات على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته وفى التذكير بذلك إيماء إلى ما يجب من شكر نعمته، وإرشاد إلى ما يجب من التعارف والتعاون بين البشر.

المساواة بين الرجل والمرأة

الأصل الواحد بين أقوال شتى:

اذا استعرضنا أقوال المفسرين في مسألة الأصل الواحد المذكور في الآية السابقة، سنجد بينهم اختلافًا كبيرًا حول معنى “نفس واحدة”، أوردها الإمام الرازي  في تفسيره كما يلي:

قوله: ” خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ” المشهور أنها نفس آدم، وقوله: ” وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا” المراد حواء. قالوا: ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم تبعا للقصة المعروفة. لكنه في الوقت نفسه يرى هذا الكلام مشكلا؛ لأنه تعالى لما كان قادرًا على أن يخلق آدم ابتداء، فما الذي حملنا على أن نقول إنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم؟ ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء ابتداء؟ وأيضا الذي يقدر على خلق إنسان من عَظْم واحد، فلم لا يقدر على خلقه ابتداء؟

كما جاء في زهرة التفاسير انه نُقل عن القفال وغيره في تأويل هذه الآية أنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب المثل، والمراد خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، فقد خُلقت حواء من بقية الطين الذي خُلق منه آدم خلقا مستقلا، وارتضى أن يكون هذا أحد التأويلات. وعليه يكون الترتيب في الآية ترتيب إخْبَار لا ترتِيب وجُود. ويوافق الإمام محمد عبده هذا الاتجاه الأخير؛ فيرى أنه ليس المراد بالنفس الواحدة آدم، لا بالنص ولا بالظاهر. ويتابعه تلميذه الشيخ رشيد رضا في المنار قائلًا: هذا وإن المتبادر من لفظ النفس -بصرف النظر عن الروايات والتقاليد المسلّمات – أنها هي الماهية أو الحقيقة التي كان بها الإنسان هو هذا الكائن الممتاز على غيره من الكائنات، أي خَلَقَكم من جنس واحد، وحقيقة واحدة.

الشيخ الإمام محمد عبده
الشيخ الإمام محمد عبده

نفس واحدة وأدوار متنوعة:

خلق الله الرجل والمرأة وأراد لهما أن يتحركا في عمق التجربة الحية الصعبة، وجعل لكل منهما دورًا ومجالًا ينشط فيه لخيرهما ومصلحتهما معا. هذه الإرادة التي جاءت بهما إلى هذا العالم، وخطّت لهما طريق الحياة فيه، ومنحتهما القدرة على التعامل معه، هي وحدها التي تملك لهما كل شيء، وهي وحدها التي تعرف عنهما كل شيء، وهي وحدها التي تدبر أمرهما خير تدبير. وإنها لهي وحدها صاحبة الحق في أن ترسم لهما حياتهما، وأن تشرّع لهم الأنظمة والقوانين التي تحكمها، وبحسب هذه التصورات وتلك القوانين فان االطريق مفتوح أمام نهضة المرأة بفكر متزن؛ يرى أنها مع الرجل قد خلقا من نفس واحدة، وتساويا فى الحقوق والواجبات، واختلفت وظائف كل منهما إختلاف تنوع وتكامل، كتكامل خصائصهما الطبيعية من أجل عمارة الدنيا وعبادة الله الواحد الأحد.

لقد قرّر القرآن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في التكليف والمسئولية، وفي نتائج سعي كل منهما في قوله تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” النحل:97. وهكذا تتوطد في القرآن المساواة بين الرجل والمرأة في الاستعدادات والمسئوليات الدنيوية والدينية والأخروية، فهما متساويان في أصل النشأة، متساويان في الخصائص الإنسانية العامة، متساويان في الجزاء والمصير، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” الحشر:18. وقوله: “وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” البقرة: 281.

التكاليف الشرعية موجَّهة لـ”الإنسان”:

جعل الإسلام الناس موزعين إلى مجموعات نسبية، على الرغم من اتفاقهم فى الأصول، وذلك ليتميز بعضهم عن بعض، ولتُعرف الحقوق وتُحدد الواجبات، ويسهل تنظيم أمر الناس، فهذا الإجراء تنظيمى بحت، لا يمس جوهر المساواة الحقيقية المذكورة، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” الحجرات:13.

يقول الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير: ثم إن الله لما خلق نوع الإنسان أراده ليكون أفضل الموجودات في هذا العالم الأرضي، فلا جرم أن يكون خلقه على حالة صالحة للكمال والخير قال تعالى: ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” التين: 4. فآدم خُلق في أحسن تقويم يليق بالذكر جسمًا وعقلًا، وألهمه معرفة الخير واتباعه ومعرفة الشر وتجنبه.. وحواء خُلقت في أحسن تقويم يليق بالأنثى خلقا مشابهًا لخلق آدم، إذ أنها خُلقت كما خُلق آدم. فنبّه على سبيل الإجمال أن في وجود كل واحد منهما حكمة عالية ومنفعة شريفة. ولا شك أن أقوى عنصر في تقويم البشر عند الخلقة هو العقل المستقيم، فبالعقل تأتّى للبشر أن يتصرف في خصائصه، وأن يضعها في مواضع الحاجة إليها. فكان الاستنباط الفكري أُس الحضارة البشرية. ومع ذلك فإننا نرى الكثير من العلماء قد أهملوا أكثر ما أرشد إليه القرآن، وجعلوا الدين كله أو جله محصورًا في الأحكام العملية التي هي أقل ما ورد فيه لا سيما الأحكام الدنيوية كالبيوع والشركات والمخاصمات. كما جعلوا دور المرأة مقصورًا على كونها أنثى، فانتقصوا من إنسانيتها، وبالغوا في الحديث حول لباسها ومظهرها.

الطاهر بن عاشور
الطاهر بن عاشور

التقوى أساس التفاضل:

إن الرسالة الإسلامية تخاطب الإنسان لأن مادتها الأساسية الإنسان ذاته، فالخلق جميعا خلق الله، والناس كلهم عباده، خلقهم جميعا من نفس واحدة، فكيف يكون بينهم تفاضل عنده، بغير ما يستوجب الفضل. لقد أمرنا الله بتقواه في مستهل سورة النساء “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ”، وجعل هذه التقوى هي معيار المفاضلة بين الناس، فلا فضل لرجل على أمرأة ولا لامرأة على رجل إلا بها. أما التفضيل الذي فهمه الكثيرون من آية القوامة التي وردت بعد ذلك في نفس السورة، ففيها تخصيص بمنظومة الزواج فقط، وليست بين عموم الناس، قال تعالى: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ” النساء: 34. قد يتبادر إلى الذهن أن هذه القضية “كلية” تشمل كل الرجال وكل النساء، لكن الحقيقة أنها قضية “مهملة”، وكما هو معروف منطقيًا أن القضية المهملة في حكم الجزئية فيكون المعنى إذن: بعض الرجال قوّام على بعض النساء بموجب عقد الزواج. أما وأننا نتحدث عن المرأة مطلقا، فلا يلزمنا الدخول في تفاصيل هذه الآية وأحكام هذا الباب الآن.

بهذا الفهم الواسع وأمام تلك التنوعات يمكن للمرأة أن تشق طريقها في الحياة متمسكة بإنسانيتها التي خلقها الله عليها، مُعلية لقيمتها التي منحها الله إياها، مؤدية لدورها الذي أرادها الله لها، دون انتظار لمخلوق مثلها أن يمنّ عليها به، أو أن يتدخل في تحديده وتأطيره. ولن يتمّ لها ذلك إلا من خلال التشابك المعرفي وفتح مساحات جديدة لدراسة قضاياها بهذا المنظور الأصيل الواسع، وطرحها للنقاش المجتمعي البنّاء، مع بحث ما يتطلبه من اجتهاد ديني وفكري وثقافي واجتماعي. وأيضًا ضرورة العمل على توفير بيئة أكاديمية فعّالة لبلورة نخبة تدفع للتفكير وطرح التساؤلات الأساسية والعميقة حول هذه القضايا، بعيدًا عن القولبة والتفكير النمطي المعتاد.

د.عزة رمضان العابدة

مدرس العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock