رؤى

جنازة عبد الناصر.. نهار/خارجي

الزمان هو الأول من أكتوبر عام 1970، حيث ملامح الخريف الحزين تضيف على الوجوه مزيدا من الفقد والتوتر.. بدت السحب كأنها تحاصر سماء الوطن والأمواج على سواحله تتلاطم، ورحلات الطيور من الشمال إلى الجنوب كثيفة ومتلاحقة، وكأنها تريد أن تلقى نظرة الوداع على طائر الشرق الذى وصل محطته الأخيرة دون أي مقدمات.

كل شوارع المدينة تحولت إلى كتل بشرية متلاصقة، وغرق الجميع في طوفان من الدمع.. ملامح سمراء أرهقها السفر سيرا على الأقدام فوق قضبان السكك الحديدية وصولا إلى المرفأ الأخير.

تبدو أشعة الشمس حنونة لا تقسو أبدا على المخلصين.. وصور بالأبيض والأسود تعلو الرؤوس.. إنها صور الفتى الأسمر في مراحل مختلفة من حياته.. بزيه العسكري.. ثم بهذا الزى المدني الذى رافقه غالبية رحلته مع الناس والوطن.

يظهر وجه ريفي بملابسه التقليدية وهو يصرخ باكيا: بيدي هذه صافحته وهو يسلمني ملكية خمسة أفدنة، جعلتني إنسانا له قيمة بعد سنوات من العمل أجيرا ذليلا، ومنحت أسرتي رزقا حلالا ورفعت رأس أبنائي، وأنقذتهم من ذل العمل بالأجرة لدى الغير.. وبيدي هذه –مشيرا إلى يسراه– رافقت طفلي إلى مدرسة القرية بعد أن أصبح التعليم مجاني.. لمن تتركنا ونحن مازلنا نحتاج إليك؟.

لماذا تتركنا فجأة دون أن نتهيأ للرحيل؟ كم هو قاس هذا الوداع المباغت!.

صوت يشرخ الجموع بصرخة مدوية: لم يمت من وهب حياته لنا.. أسمع أنين كل تلك المصانع التي زرعها كالشموس في ربوع البلاد؛ فهي لن تنساه ولن ينساه ملايين العمال الذي صعدوا نحو الحق في الحياة بدعمه ومؤازرته وانتصاره لهم.

كانت الإذاعة التلفزيون تبثان آي الذكر الحكيم والأغنيات الوطنية.. اتشحت النساء بالسواد وخرجن يحملن مناديل الوداع الأخير.. صرخاتهن كانت خلفية صوتية للمشهد؛ كتعبير طبيعي عن لوعة فراق الأب.

في قرى مصر ومدنها نظم الملايين جنازات رمزية، وتلقوا العزاء في مصابهم الجلل.

في مدن دمشق والجزائر وطرابلس وعمان وفى بيروت وبغداد وصنعاء كان المشهد لا يختلف عنه في القاهرة.

ليل / داخلي

كان جثمان “جمال عبد الناصر” ما زال في بيته هكذا يروى “محمود فيهم” السكرتير الخاص للرئيس في كتابه “عبد الناصر.. هذا المواطن” قائلا:

“لم أجد في بيت الرئيس شخصا لم يكن يبكي، بدءا من أفراد الحرس وانتهاء بأعضاء مجلس قيادة الثورة، وكان أبناء الرئيس يحاولون دخول الغرفة التي يرقد فيها جثمان والدهم، فكان الجميع يحاول منعهم، وكانت السيد تحية زوجة الرئيس هي أكثر الموجودين في تلك اللحظة حزنا ولوعة”.

ويضيف فهيم: “لقد حاولت دخول غرفة النوم لألقى عليه النظرة الأخيرة، لكنى لم أتمكن من ذلك، كان الزحام شديدا، الكل في حالة ذهول، ولا أذكر من الذى اقترح نقل الجثمان إلى الثلاجة بقصر القبة، ريثما يتم الانتهاء من الإعداد اللازم لإجراءات الجنازة”.

ويكمل: “… رغم انتقال الجثمان في نفس ليلة الوفاة إلى قصر القبة، إلا أن البيت ظل على حالة من الزحام الشديد، أناس يدخلون وأناس يخرجون، معزون من كل مكان، من العائلة ومن غير العائلة، ولم يعد في مقدور أحد السيطرة على شيء، أي شيء، حتى نفسه”.

في منزل الرئيس كان الأطباء يحاولون إنقاذه بينما يقف على باب الغرفة المتسعة عدد كبير من رفاق دربه وكبار المسئولين في الدولة.. كان الملمح الأساسي على كل الوجوه، هو ذلك الشعور بالدهشة، وذلك الإحساس المختلط بين القلق والحزن الشديد.

هل آن أوان رحيل ناصر؟ أنه شيء لا يمكن تصديقه! صحيح أن الموت حق لكن ماذا نحن فاعلون؟ إذا رحل ناصر في ذلك التوقيت، وتلك الاوضاع السياسية المرتبكة.

في صحيفة الأهرام كان الوصف دقيقا: “وقف الشعب المصري وأمته العربية والعالم كله أمام فجيعة بغير حدود، مفاجأة كأنها الصاعقة وذلك بانتقال الرئيس جمال عبد الناصر بطل هذه الأمة وقائدها ومعلمها إلى رحاب الله.. وكان ذلك إثر نوبة قلبية مفاجئة أحس بأعراضها، وهو في مطار القاهرة الدولي يودع أمير الكويت الذي كان آخر من غادر القاهرة من الملوك والرؤساء العرب الذين شاركوا في اجتماع القاهرة الكبير لبحث أزمة الأردن”.

“ودخلت السيارة بسرعة إلى جوار الطائرة، وركب عبد الناصر متوجها إلى بيته، ودخل غرفته ولحق به طبيبه المقيم الدكتور “الصاوي حبيب” وبعد كشف أولي وكانت الساعة الرابعة إلا ثلث، وجد الدكتور أن الأمر خطير فطلب استدعاء الدكتور “منصور فايز” الذي يُشرف على علاج الرئيس، كما طلب الدكتور “زكى الرملي” والدكتور “طه عبد العزيز”، ثم لحق بهم جميعا الدكتور “رفاعي محمد كامل”.

“وكان التشخيص الفوري أن هناك جلطة شديدة أحدثت أزمة قلبية حادة وهناك عدم انتظام يثير الإزعاج في دقات القلب، وبدأت الإسعافات السريعة بأجهزة الأكسجين وأجهزة الصدمة الكهربائية وغيرها من أنواع العلاج”.

الميادين … تتشح بالحداد

الزمان: هو السابعة صباح الخميس الأول من أكتوبر.

المكان: سماء مدينة القاهرة.

حيث تحلق إحدى طائرات الهيلكوبتر، وهى تحمل نعش الرئيس البطل من القصر الجمهوري بالقبة، تتجه به إلى مبنى مجلس الثورة المطل على المنيل في الجزيرة، حيث سيتم إنزال الجثمان فوق منصة خاصة تقام داخل مبنى المجلس ووضعه فوق عربة مدفع محاطا بعلم مصر.. في حين كان عدد من طائرات الهيلكوبتر والمقاتلات تطير على ارتفاع منخفض.

فرقة بروجي عسكرية تعزف “نوبة وداع” وتطلق المدفعية إحدى وعشرين طلقة.

كل المداخل المؤدية إلى الميادين التي تجتازها جنازة الرئيس أغلقت تماما.. حركة المرور متوقفة منذ الصباح لا شيء في الشوارع سوى طوفان من البشر.

بدأت الجنازة الرسمية لكنها سرعان ما ذابت بعد عشرة أمتار فقط بين الجموع المحتشدة.

تستمر الجنازة لما يزيد عن أربع ساعات.. كان الكل يردد هتافا واحدا بصوت باكٍ “يا جمال يا حبيب الملايين”.

الملايين لا يحتملون رؤية نعش عبد الناصر.. يحاولون الاقتراب منه.. ربما لم يمت!.

محاولات مضنية من رجال الجيش والشرطة لتأمين الجنازة التي خرجت -بدافع الحب والحزن- عن أي سيطرة.. فالأعداد غير مسبوقة والانفعال يتجاوز الاحتمال

بللت الدموع الحروف وجرفت الآهات الحلوق واكتست الشوارع بلون الحداد.

لقد مات ناصر …

وزاد حجم القلق بقدر كل هذا الحزن المقيم في الصدور.. مات في لحظة صعبة ووضع سياسي معقد.

رحل جمال عبد الناصر وما زال جرح الوطن غائرا، وسيناء في قبضة المحتل، والقضية العربية في أزمة حادة عقب أحداث أيلول الأسود، وصراع الدم الفلسطيني/الأردني.

رحل ومرارة الهزيمة في يونيو ما تزال ساكنة في الحلق، رغم بطولات حرب الاستنزاف، وبسالة جنود أوجعتهم الهزيمة القاسية، لكنها لم تكسرهم، وانهيار معنوي أصاب عشرات المثقفين الذين بُشّروا بالجنة والنصر وبساتين الاشتراكية.”

جاءت الهزيمة لتكسو الوجوه سواد العار، وتملأ العيون الشاردة بالدموع الحبيسة، وها هي تنطلق حرقة على وداع ناصر، لتنفجر براكين الحزن المكبوتة منذ الخامس من يونيو 1967.

رحل المُلهم الجريح وحزن الوداع المفاجئ أبكى حتى من اكتوى بنار سجنه، وقسوة حراسه.. رحل ناصر البسطاء والمقهورين لتنفجر الأرض بشرا من كل صوب وحدب يبكونه بحرقة، ويودعونه بحسرة وكأنهم يودعون أحلامهم التي صنعها معهم ويزرفون الدمع على أنفسهم.. تبدو المشاعر مختلطة ومتشابكة، فمن يبكى من؟ ومن الذي ودعته الملايين؟ هل هو جثمان عبد الناصر أم هو وطنهم الذى عاشوه معه؟! وقد يأتي من يصنع وطنا ليس لهم أو بهم!.

هل انتابهم شعور بأن ما بعد عبد الناصر ليس لهم أم أنهم فقط يمسكون بتلابيب مكاسب منحها لهم الرجل، ويخشون أن تتبدد مع القادم الغامض؟.

هو المشهد الأعظم في القرن العشرين.. مشهد الحزن الصادق والوداع الاستثنائي الذى شهده العالم في الأول من أكتوبر 1970.

عاد الملايين بعد أن ودعوا ناصر يغلقون أبواب منازلهم ويحتضنون جهاز الراديو ذو البطارية الصغيرة وعيونهم معلقة على صورته وهو يبتسم لهم ويشد على أياديهم بينما وضع النسوة رؤوسهن بين أيديهن؛ ليواصلن البكاء متشحين بالوجع وعيونهن تتفحص صغارهن في قلق القطة التي تخشى على صغارها وتحتويهم بعيونها وهى ترقب خطرا داهما يحيط بهم.

قطع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock