رؤى

المهتدي بالله.. زفرة العباسيين الأخيرة

كان العصر العباسي الثاني النقيض التام لما كان عليه العصر العباسي الأول.. ففي حين كان الأول عصر خلفاء أقوياء أقاموا دولة مترامية الأطراف مُهابة الجانب؛ فإن الثاني قد اتسم بالضعف الشديد نتيجة لسيطرة قادة الجُند من الأتراك على مقاليد السلطة وتحوّل منصب الخليفة العباسي إلى منصب اسمي أو إلى لقب لا أكثر.

وبلغت استهانة القادة التُرك بمنصب الخليفة حد قتلهم للخليفة إن خالفهم أو عارضهم أو حاول أن ينتقص من أموالهم.. كما حدث مع الخليفة العباسي المتوكل. وباتوا يخلعون الخليفة متى شاءوا ويولون من شاءوا من أبناء البيت العباسي.

وهذا تحديدا ما حدث مع الخليفة العباسي الرابع عشر.. وهو أبو إسحاق محمد بن الواثق المُلقب بالمهتدي بالله.. فهذا العباسي الشاب المعروف بين أهله وقومه بالزهد والتقوى لم يتول أمر الخلافة لا ببيعة الرعية ولا بالوراثة وإنما اختاره القادة العسكريون بعد أن عزلوا ابن عمه محمد بن المتوكل الملقب بالمعتز حين حاول أن يسيطر على مقاليد الحكم ومقدرات الجُند.

ويشير الباحث العراقي أحمد طه عبد علي؛ في دراسة مقدمة إلى جامعة البصرة عن هذا الخليفة إلى أن المهتدي بالله تم اقتياده من سامراء الى بغداد على يد القادة الأتراك لمبايعته بالخلافة. ومما يدل على سمعة المهتدي الطيبة بين العامة أن أهل بغداد حين علموا بعزل المعتز حدثت في أوساطهم أعمال شغب، وطالبوا ببيعة أحمد بن المتوكل أخي المعتز خليفةً عليهم إذ لم يدروا ما حدث في سامراء.. فلما علموا ببيعة المهتدي سكنوا وسكتوا لعلمهم بتقواه وصلاحه.

ويشير الباحث إلى أن المهتدي كان ورعا تقيا شديد الرغبة في الإصلاح؛  فبدأ بنفسه فتجرد من أبهة الحياة وزخرفها، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وحرم الشراب ونهى عن القيان –الجواري العازفات على الآلات الموسيقية- وأظهر العدل وكان يحضر كل جمعة الى المسجد الجامع فيخطب بالناس ويؤمهم، وأشرف على الدواوين، وأخذ ينظر في مظالم الناس، فبنى قبة لها أربعة أبواب سماها قبة المظالم، فكان يجلس فيها؛ ليحكم في قضايا العامة والخاصة.

وكان المهتدي شديد الإعجاب بالخليفة الأموي العادل عُمر بن عبد العزيز، كما أكد غير مرة للمقربين منه أنه يسعى أن يماثله في الزهد؛ حيث ينقل عنه أحد المؤرخين قوله: “فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز، وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك ، فغرت على بني هاشم آلا يكون في خلفائهم مثله؛ فأخذت نفسي بما رأيت”.

ورغم محاولاته إقرار العدل؛ إلا أنه كان يدرك تماما أنه بلا سلطة حقيقية؛ فقد سلبه القادة هذه السلطة، كما سلبوها ممن سبقه من خلفاء؛ فسعى إلى استرداد بعض من سلطته وهيبته كخليفة.

سعى المهتدي إلى ضرب القادة التُرك بعضهم ببعض لكي تضعف شوكتهم، حيث حاول أن يستميل أحد كبار القادة ويدعى “بابكياك” وأن يقنعه بقتل قائد الجيش موسى بن بغا على أن يوليه قيادة الجيش بعده.

إلا أن “بابكياك” لم يثق بالخليفة ووعوده، وسار إلى موسى بن بغا، وعرض عليه الكتاب الذي أعطاه إياه المهتدي؛ فلما أدرك القادة الأتراك أن المهتدي يتلاعب بهم ثاروا عليه وحاصروه.

رفض المهتدي الاستسلام لمن ثاروا ضده وقرر المقاومة حتى النهاية فخرج اليهم وبيده السلاح، معلقا المصحف في عنقه، ودارت معركة دامية بينه وقوات التُرك حتى انفض أنصاره عنه رويدا رويدا وأصيب بعدة جروح مميتة.

فلما أدرك التُرك ذلك حملوه على دابته وجراحه تنزف دما فدعوه أن يخلع نفسه فأبى، ومات بعد يومين.. وكانت وفاته يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنه ٢٥٦ للهجرة، وكانت خلافته سنة إلا أحد عشر يوما.

كانت تجربة المهتدي بمثابة محاولة صادقة لا لاستعادة هيبة الخلافة العباسية فحسب، وإنما العودة بها إلى سيرة دولة الخلافة الراشدة وما كان يميزها من عدل وإنصاف إلا أن المهتدي لم يدرك أن الزمن لم يعد زمن الراشدين ولا أن رعيته لم تعد كالصحابة، فراح ضحية محاولته.. وظلت دولة بني العباس على ما هي عليه من الضعف حتى سقطت تماما على يد المغول الذين اجتاحوا بغداد عام ٦٥٦ للهجرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock