رؤى

الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة كتابة سيناريو سياستها الخارجية

مشكلة السياسة الخارجية الأميركية الآن ليست وزير خارجيتها، ولكن طريقتها في التفكير في بقية أنحاء العالم

النهاية السعيدة بدون صراع يبدو أنه حتمي بين الولايات المتحدة والصين تلوح في الأفق، لكن يجب على الولايات المتحدة أن تبدأ بإعادة صياغة ’الكتاب الإرشادي‘ الخاص بها

عرض وترجمة: أحمد بركات

تبدو السياسة الخارجية منذ أحداث 11 سبتمبر كحيوان وقع في مرمى الأضواء الأمامية للتاريخ المعاصر الذي يتحرك بأقصى سرعة، ولن يهدِّئ من سرعته من أجل أي شخص أو أي شيء. إذا اتفقنا على هذه الصورة العامة، فيجب أن نتفق أيضا على أنه لا يجب الإلقاء باللائمة على أي أميركي، سواء كان جو بايدن أو دونالد ترمب؛ فالرؤساء الأميركيون أيا كان الحزب السياسي الذي ينتمون إليه، أو الكفاءة المهنية التي يتمتعون بها، يرثون دائما نفس رياح الماضي السيئة، ويواجهون نفس عواصف المستقبل المنذرة.. فمنذ 20 يناير، ارتكب الرئيس بايدن بعض الأخطاء، لكنه لم يبلغ معشار ما بلغه ترمب من عيوب، إذ سيحكم التاريخ على ترمب بأنه مهندس الكثير من الصفقات بالغة السوء، خاصة فيما يتعلق بالصين. 

ويحاول أنتوني بلينكن، وزير خارجية بايدن المثير للإعجاب، التصدي لهذا النسيج الممزق؛ فقد اصطحب بلينكن إلى مكتبه المرموق مستوى فائق من الذكاء، وقدرة بالغة على التحمل، وعزوفا عن الرقص في منتصف فترة تاريخية تتطلب براعة حركية أكثر من المعتاد. 

بايدن
بايدن

وعلى عكس سلفه المتهور، مايك بومبيو، يبدو بلينكن مهيَّأً على نحو جيد لإدارة ملف السياسة الخارجية بحكم ما يحظى به من تعليم وتفان وبراعة، مثل ليندا توماس جرينفيلد، سفيرة بايدن في الامم المتحدة، حيث يمثل كلاهما منتجا لمنظومة الدبلوماسية الأميركية، التي تعرضت للتقليل من شأنها قبل أن تستعيد قيمتها مؤخرا. 

ومع ذلك، فإن وزير الخارجية، مهما كانت موهبته وكفاءته، لا يصنع سياسة خارجية جديدة بمفرده من دون رئيس. وعلى المستوى الدستوري، تمتلك السلطة التنفيذية اليد الطولى في صناعة القرار. 

وتعد جميع قرارات السياسة الخارجية الكبرى قرارات رئاسية بالأساس، كما اعتاد تيد سورينسن، مساعد الرئيس جون كينيدي، أن يقول لتلاميذه. 

وحتى الرئيس يكون بحاجة إلى بذل جهود هائلة على العديد من المستويات، إذ يبدو تغيير السرعة، أو تحويل الاتجاه، ولو على نحو طفيف، وقبوله من جانب المؤسسات العسكرية والصناعية والإعلامية الأميركية القوية سؤالا بالغ الأهمية في هذا السياق. 

وأفضل ما يمكن أن تفعله الإدارة الأميركية هو أن تلهم المواطنين الموهوبين قبول مهام السياسة الخارجية ذات الطبيعة الأكثر صرامة، ومحاولة تحقيق نتائج أفضل، اعتمادا على المعقولية السياسية، والعمل الجماعي الوثيق.

فهل يثبت بلينكن أنه غير بعيد عن هنري كسينجر، مهندس السياسة الخارجية الأميركية، وليس مجرد مُصَرِّف لشئون يومية، خاصة وأن كلاهما درس في هارفارد، ويتحدثان لغتين، من بين قواسم مشتركة أخرى كثيرة؟.

يأتي بلينكن على رأس مؤسسة السياسة الخارجية في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة حالة استقطاب مرير في الداخل. وسواء كان هذا يعني أنها اللحظة الأمثل أو الأسوأ ليصبح فيها المرء وزيرا لخارجية الولايات المتحدة، تبقى هذه لحظة بلينكن بكل المقاييس. 

هنري كيسنجر
هنري كسينجر

وسعى جوزيف ناي، العميد السابق لكلية جون كينيدي لعلوم ودراسات الحكم، بجامعة هارفارد، والوجه البارز في السياسة الخارجية الأميركية، للتصدي لهذا المد المتصاعد من حالة الشك في الذات عبر مقالات ومحاضرات أكاديمية محكمة، والتي أكد فيها أن التغير التطوري لا يشبه في شيء الكارثة التي تحل بين عشية وضحاها. 

وكما كتب “ناي” بوضوح في كتابه الذي ألفه في عام 2015، تحت عنوان “Is the American Century Over” (هل انتهى القرن الأميركي؟): “مما يتعارض مع الحس السليم وحركة التاريخ أن تعتقد أن الولايات المتحدة ستحتفظ بنصيب الأسد في القوة العالمية إلى الأبد”. لكن الحس السليم لا يتوافر كثيرا هذه الأيام. 

لم يستطع بلينكن السير بمحاذاة منعطفات الحكم السيِّئ لأميركا، ما جعله يرتكب أخطاء جسيمة. وكما كتب “ناي”: “يمكن للمؤرخين تقديم حجة ذات مصداقية على أن فترات الإفراط في الالتزام ألحقت اضرارا بقدرات التحول في القوة الأميركية أكثر من الفترات التي تراجع فيها هذا النوع من الالتزام”. 

وتتجاوز الشكوك الأخيرة لأميركا بشأن هويتها العالمية الصحيحة انزعاجها من غطرسة الصين. فحتى لو تراجعت الصين غدا عددا من النقاط، وكافحت من أجل إيجاد الحلول لمشكلات القيادة السياسية الداخلية المتعسرة، فستظل تشكل منافسا عنيدا لقرون من الزمان.

عرض العلمين الأمريكي والصيني معًا في بكين عام 2018

إن مشكلة السياسة الخارجية الأميركية لا تكمن على الإطلاق في شخص وزير خارجيتها، وإنما في طرق التفكير الأميركة في سائر أنحاء العالم. وهي في ذلك تشبه فيلم قديم جيد يعاد تقديمه مرارا على شاشة التلفاز؛ حتى يبدو أنه لن يختفي أبدا. وكما كتب “ناي” أيضا أن “الاعتقاد في حتمية الصراع يمكن أن يصبح أحد أسبابه الرئيسية”. 

ومن ثم، فإن الضجيج المثير للقلق حول حتمية الصراع العسكري، الذي يصدر إلى حد ما عن طرفي المحيط الهادئ، يثقل كاهل الحرية الأميركية في العمل للخروج من تحت أطناب هذا الفيلم القديم. وبرغم أن نهاية هوليودية سعيدة لهذا الفيلم تلوح في الأفق، لكن يجب أن تعيد الولايات المتحدة قبل أي شيء صياغة ’الكتاب الإرشادي‘ الخاص بسياستها الخارجية. 

لذلك، يجب على الجميع تجنب ’الكليشيهات‘ المعتادة والمتكررة، واستهداف الوصول إلى النهاية الهوليوودية السعيدة. كما ستستفيد الصين أيضا من إعادة كتابة السيناريو الخاص بها مجددا، والتخطيط على نحو أفضل. ومن ثم، فإن كلا الطرفين بحاجة ماسة إلى تزويد العالم بصورة أفضل بكثير، لا يكون فيها بلينكن جيمس بوند، كما لا يكون فيها أيضا دارث فيدر. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock