رؤى

القاعدة بعد الربيع العربي.. عقد من التمدد والخسائر والتطور (4)

ماذا عن شبكة القاعدة اليوم

عرض وترجمة: أحمد بركات

يمتلك تنظيم القاعدة اليوم عددا أكبر من المقاتلين النشطين في عدد أكبر من الدول، أكثر من أي وقت مضى، وقد قويت شوكة التنظيم دون أن تُقرع أجراس الخطر في العواصم الغربية، وذلك من خلال بناء قاعدة شعبية عبر جهود اكتساب الطابع المحلي للدول التي ينشط فيها، فيما واصلت الجماعة السعي من أجل تحسين قدراتها لشن هجمات إرهابية عابرة للحدود.

وبقي التنظيم الشبكي العالمي متحدا تحت قيادة أيمن الظواهري، الذي قدَّم التوجيهات الاستراتيجية لأتباعه في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وانتشر كبار قادة تنظيم القاعدة في المسارح المختلفة لمقاومة جهود الاستئصال عبر عمليات مكافحة الإرهاب الغربية التي قضت على أكثر من اثني عشر قيادة بارزة في عام 2020. ولم يبق على قيد الحياة من الأعضاء القدامى سوى عدد قليل.

في هذا الوقت شهد التنظيم بروز جيل جديد من القادة لحمل لواء التنظيم والدفع قُدُمًا برسالته. وذاق هؤلاء القادة الجدد طعم النجاح، وتولوا –على نحو ما– الحكم في مالي والصومال وسوريا واليمن.. وتركوا بصمة جلية في الصراعات الناشبة في أوطانهم، بدلا من الذهاب إلى ميادين بعيدة في أفغانستان، وهيَّئوا أنفسهم لقيادة تنظيم يحفل بالتعددية الإثنية، ويتميز بالتمدد الجغرافي، ويصل إلى الأركان القصيَّة في العالم الإسلامي، ويخوض معاركه في العديد من الجبهات والميادين.

ويعد تنظيم القاعدة شبكة عالمية من الأفراد الذين بايعوا أيمن الظواهري، واتحدوا على هدف الجهاد في جميع أنحاء العالم. وتبقى تراتبية القيادة ذات دلالة خاصة في رسم معالم المسار الاستراتيجي للتنظيم، حيث يقدم مجلس الشورى وكبار القادة المشورة للظواهري، كما يقدمون التوجيهات لسائر الأعضاء.

ويصنف الإطار الذي يشكل جماعة القاعدة “الأساسية” في أفغانستان وباكستان، كعقدة مركزية والجماعات التابعة، كامتدادات شبكية ومرؤسين بشكل خاطئ عن البنية التراتبية داخل الموقع الجغرافي الواحد، حيث نظم القاعدة نفسه عبر مسارح محددة تقوم على مناطق إقليمية تتمثل تحديدا في أفغانستان وباكستان، وشبه القارة الهندية، وسوريا، واليمن، وشرق أفريقيا، والمغرب، ومنطقة الساحل الأفريقي. وتشكل كل مجموعة إقليمية من هذه المجموعات فروعا للقاعدة “الأساسية”، بما في ذلك قوات القاعدة المحلية التي تقاتل في أفغانستان.

يأتي هذا على عكس ما كان معمولا به من قبل. ففي السابق، تركز القادة الكبار في أفغانستان وباكستان، ما أضاف إلى تأثيرهم المباشر على القوات المحلية هناك. أما اليوم.. فينتشر هؤلاء القادة عبر جميع الجماعات الفرعية وفي إيران، ويواصلون تقديم التوجيهات الاستراتيجية لقادة تلك الأفرع. ويعد قادة الأفرع مجرد أعضاءٍ في التنظيم يمتلكون بطاقات عضوية، بمن فيهم هؤلاء الذين ظهروا وراء القادة الأصليين.

رغم ذلك، تبقى هذه الأفرع قوية، وفي حالات كثيرة أقوى من نظرائها في تنظيم الدولة الإسلامية. ففي أفغانستان، يتمدد تنظيم القاعدة إلى ما وراء معاقله التاريخية، وينشط في الوقت الراهن فيما لا يقل عن 11 ولاية، مستغلا ضعف ولاية خراسان التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، وحالة التراخي التي أصابت جهود مكافحة الإرهاب العالمية. وتعمل طالبان أفغانستان وطالبان باكستان بشكل وثيق مع تنظيم القاعدة في هذه المنطقة.

ويكمل تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية جهود اجتذاب “الباشتون” في أفغانستان عن طريق استهداف “البنجابيين”. وفي سوريا، تهيمن هيئة تحرير الشام، التي خَلَفَت جبهة النصرة القاعدية، على محافظة إدلب، حيث تسيطر على مساحة شاسعة من الأرض، فضلا عن التجارة المحلية. وبرغم ما اصاب جماعة حراس الدين من وهن، إلا أنها لا تزال أكثر تقاربا وانسجاما مع الأهداف العالمية للقاعدة، وتنسق نشاطاتها مع جماعات سلفية جهادية يسيطر عليها مقاتلون أجانب.

وفي اليمن، بات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أكثر ضعفا بكثير مما كان عليه قبل عقد من الزمان، لكنه بدأ يتعافى من بعض الانتكاسات الخطيرة التي حلت به نتيجة عمليات مكافحة الإرهاب الإماراتية الأميركية التي استنزفت قيادته بشدة.

أما في الصومال، فلا تزال حركة الشباب تحتفظ بتأثير قوي، حيث تسيطر على أراضي في أجزاء من جنوب ووسط الصومال، وتشن هجمات منتظمة في العاصمة مقديشيو، وفي الجارة الشمالية كينيا.

وفي المغرب، تمكنت الجهود الفرنسية والجزائرية من للقضاء على تنظيم القاعدة، ومن تعطيل عمليات تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وأسفرت تلك الجهود عن مقتل أمير التنظيم “عبد المالك دروكدال” في يونيو 2020. وتتمركز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في شمال ووسط مالي، وتتوسع في الدول المطلة على خليج غينيا.

رغم ذلك، يصبح تحديد أعضاء تنظيم القاعدة خارج دوائر القيادة العليا، وقيادة الأفرع –أمرا بالغ الصعوبة. كما أنَّه من غير الواضح ما إذا كان جميع أعضاء الجماعات التابعة للقاعدة أعضاءً مكتملي العضوية في تنظيم القاعدة؛ فالتمسك برسالة القاعدة وأهدافها الاستراتيجية الكبرى المتمثلة في استعادة دولة الخلافة الإسلامية عبر الجهاد العنيف، يمثل مطلبا أساسيا للعضوية القاعدية، أما العزم على تتبع هذا الهدف عبر الجهاد العالمي، وليس الجهاد المحلي، فلا يمثل شرطا جوهريا لتحقيق هذه العضوية.

وتعمل العديد من الجماعات المرتبطة بالقاعدة –وبعضها على علاقة مباشرة بالقيادة العليا في القاعدة، مثل جماعة حراس الدين– من دون تفويض علني من التنظيم. ويأتي نشطاء القاعدة المخضرمون ضمن قادة جماعة حراس الدين، كما جذبت هذه الجماعة مقاتلين من جبهة سوريا المنتسبة إلى القاعدة.

رغم ذلك، لم يعترف الظواهري بعد بهذه الحركة كفرع عن القاعدة في سوريا. ويحتمل أنَّ هذه التغيرات في تحديد الهويات الذاتية تشير إلى تحالف أوثق للجماعات مع القاعدة. على سبيل المثال، المقاتلون الذين عرفوا أنفسهم في الماضي على أنهم أعضاء في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في منطقة الساحل، يعرفون أنفسهم حاليا، وبصورة متزايدة، على أنهم أعضاء في تنظيم القاعدة.

(انتهى)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock