رؤى

خارطة طريق لمستقبل السودان (2)

عرض وترجمة: أحمد بركات

في جميع الأحوال، يجب مطالبة البرهان بالتنحي عن منصبه كرئيس لمجلس السيادة الانتقالي. كما يجب أن يتم على الفور تنفيذ نقل هذا المنصب إلى مدني، كما كان مقررا في مايو 2021، قبل أن يتم تأجيله منذ ذلك الحين إلى موعد غير مؤكد في الفترة بين أبريل ويوليو 2022. كما يجب على الجهات الخارجية الفاعلة التأكيد على هذا المطلب بشكل مباشر في أجندتها الخاصة.

وبالنسبة للقوات المسلحة السودانية، سيمثل الخضوع لوزير دفاع مدني سيرا عكس التيار. ولنزع فتيل المعارضة داخل القوات المسلحة السودانية، يصبح من الأهمية بمكان خلق بُنَى تحفيزية لتشجيع جيل جديد من القادة، ومن ورائهم أصحاب الرتب المتوسطة والصغيرة، لرؤية فوائد العمل في ظل قيادة مدنية، بدلا من العمل ضدها. ويمكن صياغة هذه البُنَى على أنَّها شكل من أشكال المهنية والحداثة ومعالجة الفجوات وأوجه القصور.

في السياق ذاته، تقع القوى الخارجية في موضع جيد للغاية للتأثير على مسار الأحداث في السودان في حال قامت بمواءمة سياساتها ومواردها. ويجب أن يكون ثم هدفٌ مباشرٌ يتمثل في البدء في تشكيل التوقعات والبُنَى التحفيزية للهياكل العسكرية والمدنية على السواء. ويمكن تنفيذ ذلك بثلاث طرق.

عبد الفتاح البرهان
عبد الفتاح البرهان

أولا، يجب أن تؤكد الجهات الخارجية على ضرورة احترام الجدول الزمني للمرحلة الانتقالية، بدءا من نقل مجلس السيادة الانتقالي إلى رئيس مدني. يعني هذا أيضا وضع جدول زمني للجنة التي يُفترض بها صياغة دستورٍ دائمٍ ووضع أُطرٍ النظام الانتخابي الذي سيحكم الانتخابات البرلمانية التي كان مقررا، قبل الانقلاب، إجراؤها في يوليو 2023.

كما يتعين على القوى الخارجية أيضا، إضافة إلى ما سبق، أن تشير بجلاء إلى استعدادها لتفضيل العنصر المدني في حال تردد الجيش السوداني، بما في ذلك خيار تقديم أي من التواريخ السابقة. ويتمثل الغرض من ذلك في حمل القوات المسلحة السودانية على اعتبار الالتزام بذلك أقل تكلفة من جميع البدائل الأخرى.

ثانيا، يمكن أن تساعد القوى الخارجية أيضا في نزع فتيل الأزمة السياسية بطرق تستنزف دعم التدخل العسكري، إذ يمكن أن تؤدي زيادة الدعم الاقتصادي، وتخفيف أعباء الديون التي تثقل كاهل الاقتصاد السوداني، والمساعدات الاجتماعية الموجهة إلى التقليل من حدة المشكلات المالية التي تواجهها الحكومة، فيما سيقلل من تأثير رفع المعونات وغيرها من تدابير التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي والدائنون الثنائيون على السكان.

كما أنَّ المساعدة في تسديد الفاتورة التي تبلغ قيمتها 13 مليار دولار لتنفيذ اتفاق “جوبا” للسلام، إلى جانب تقديم المساعدات الفنية في تفكيك أو دمج الجماعات المتمردة من شأنه أن يحد من التوترات، وأن يقضي على المناهضين المحتملين.

إضافة إلى ذلك، يجب أن تسعى الفصائل المدنية إلى تحسين مواقفها من الجماعات المتمردة التي تدعم الجيش في الوقت الراهن، وذلك عن طريق اقتراح عدد أكبر من بنود تقاسم السلطة، والاستيعاب الفعال للجماعات الإثنية التي كانت تعاني من التهميش في السابق.

أخيرا وليس آخرا، يجب أن تضغط الولايات المتحدة والداعمون الأساسيون الآخرون، للمعسكر الديمقراطي بقوة للاستفادة من القوى الإقليمية المجاورة التي لم تحسم موقفها بعد، حيث سيسهم إظهار الرغبة الغربية في التصعيد في ذاته في تشكيل تصوراتها ومواقفها.

في هذا السياق، يمكن لكل من المملكة العربية السعودية، التي لها مصلحة خاصة في فرض حالة من الاستقرار في البحر الأحمر، والإمارات العربية المتحدة التعبير عمليا عن رغبتيهما في التعاون مع الولايات المتحدة في تخفيف حدة التوترات الإقليمية، حيث تمتلك هاتان الدولتان، ومعهما مصر، الأسهم الأكبر في تحقيق الاستقرار في السودان.

كما يجب بذل الجهود لإنهاء فكرة أنَّ السبيل لتحقيق الاستقرار يمر عبر مزيد من التدخل العسكري. وحتى الحياد النسبي من قبل هذه الدول الثلاث؛ سيساعد في إقناع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بضرورة تعديل مواقفهما.

وإجمالا، فإنَّ السودان لم تكن محصنةً على الإطلاق ضد عوامل الجغرافيا السياسية الإقليمية طيلة ثلاثة عقود من حكم البشير، لكنَّ إخضاع البلاد للعقوبات الدولية؛ تركها نسبيا بمعزل عن بقية العالم.

البشير
البشير

لكنَّ هذه العزلة انتهت الآن. وتمر السياسات المحلية في الوقت الراهن بحالة غير مسبوقة من السيولة والتدفق والتقلب لم تعهدها من قبل منذ استعادة السودان ـلفترة وجيزةـ للحكم المدني المنتخب في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

رغم ذلك، يكمن الاختلاف الرئيسي اليوم، في الدور المتعاظم للحكومات الغربية. فإذا تمكنت هذه القوى الخارجية من المساعدة في التوصل إلى نتائج أفضل والمحافظة عليها هذه المرة، فإنَّ عليها أن تقوم بذلك.

ولكي يحدث ذلك، فإنَّها بحاجة إلى أن يكون لديها فكرة واضحة عما يجب عليها أن تسعى إليه، وكيفية تحقيقه، إذ سيؤدي الفشل في أن تضطلع هذه الدول بدور استباقي في الدفع قدما بعجلة التحول الديمقراطي في السودان في هذه اللحظة إلى الزج بالبلاد في هوة أزمة أكثر سحقا.

(انتهى)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock