رؤى

كيف سيرسم انتصار طالبان ملامح الديناميات الإقليمية في آسيا الوسطى

عرض وترجمة: أحمد بركات

سيؤدي انتصار طالبان في أفغانستان إلى تغيير جذري في المشهد الإقليمي في الدول المجاورة، وسيثير الكثير من التوترات؛ فدول آسيا الوسطى تواجه موجات هجرة عاتية، وتحديات إنسانية وحالة من الضبابية وعدم اليقين السياسي.. كما تمنح أفغانستان –ما بعد الولايات المتحدة– لكل من موسكو وبكين، إلى جانب العديد من القوى الإقليمية الأخرى، مثل طهران وإسلام أباد، فرصا مواتية لتعزيز مشاركاتهم الإقليمية، في الوقت الذي يتجه فيه العالم صوب التعددية القطبية.

ورغم أنَّ الصين وروسيا والقوى الإقليمية الأخرى تحرص جميعها على زيادة نفوذها في آسيا الوسطى إلا أنَّها ترمي من وراء ذلك إلى تحقيق أهداف متباينة؛ كما لا توجد قوة بمفردها قادرة على الاضطلاع بالدور الأمني الذي كانت تضطلع به الولايات المتحدة قبل الانسحاب.

لم يكن لاجتياح طالبان للمشهد الأفغاني وقع المفاجأة على القوى الإقليمية والعالمية، حيث دفعت المظالم الشعبية في جميع أنحاء أفغانستان، الناجمة عن الحكم الفاسد وغير الكفء، إلى نزع الشرعية عن حكومة الرئيس المخلوع “أشرف غني” ولكن أكثر ما يثير قلق قادة دول آسيا الوسطى هو أنَّهم يواجهون مظالم مماثلة في بلدانهم، وهو اتجاه يدفع بالحكومات إلى تقويض المعارضة وحالة الغضب العام والاستعراض العلني للدين.

أشرف غني
أشرف غني

في هذا السياق، قامت كل من طاجيكستان، وتركمانستان، وأوزبكستان، وهي دول متاخمة لأفغانستان بتحصين مناطقها الحدودية، كما حرصت على تجنب تدفقات الهجرة الكبرى والحركات المسلحة عبر حدودها.

وتعاني هذه الدول من معدلات فقر مرتفعة بالإضافة إلى انعدام الأمن، وقد تفاقمت هذه المشكلات بدرجة كبيرة مع أزمة تفشي فيروس كوفيد ـ 19.. وفي ظل تراجع الخدمات في قطاع الكهرباء وعجز الطاقة، تواجه عواصم آسيا الوسطى في الوقت الراهن مسألة قطع صادرات الكهرباء عن أفغانستان، التي لم تعد قادرة على سداد فاتورتها، ما قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني في المناطق الحضرية هناك، ومن ثم زيادة موجات الهجرة.

وتعد أوزبكستان الدولة الأكثر استعدادا للتعاون مع طالبان. فباعتبارها واحدة من الدول غير الساحلية استثمرت أوزبكستان بقوة في البنية التحتية للنقل الإقليمي للوصول إلى الأسواق العالمية عبر منطقة جنوب آسيا، ما يجعلها تسعى حثيثا إلى حماية هذه الطموحات.

من جانبها، طالما كانت حكومة طاجيكستان حذرة من طالبان، ومن ثم فقد تحولت إلى ملاذ آمن للمعارضين الأفغان المناهضين للحركة الإسلاموية. وبالنظر إلى الأقلية الطاجيكية الكبيرة في أفغانستان، أوضحت طاجيكستان أيضا أنَّ أي اعتراف بطالبان سيكون رهنا بتشكيل حكومة شاملة لجميع الإثنيات.

في سياق مواز، يمنح انتصار طالبان موسكو فرصة محتملة لإعادة تأكيد نفوذها في آسيا الوسطى، حيث تسعى روسيا بلا كلل إلى استغلال الانسحاب الأميركي، وترسيخ صورة للولايات المتحدة على أنَّها دولة لا تتمتع بأي التزام تجاه حلفائها أو شركائها الإقليميين.

انتشار طالبان في كابول
انتشار طالبان في كابول

في المقابل، تسعى موسكو بقوة إلى تقديم نفسها كقوة رئيسة، وجهة وثيقة لتجذير ونشر الأمن في منطقة آسيا الوسطى التي تنظر إليها روسيا باعتبارها جزءا من “مجال نفوذها” حيث تمتلك –هناك– قاعدتين خارجيتين.

وقد شاركت أوزبكستان في أغسطس الماضي، في قمة افتراضية لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي وهي تحالف عسكري لدول الاتحاد السوفيتي السابق، الذي انسحبت منه مرتين بسبب خلافات مع موسكو.

وثمة تكهنات بطرح عودة عضوية الأوزبك على الطاولة. كما أجرت القوات الروسية تدريبات مشتركة مع نظرائها الأوزبك على طول الحدود الأفغانية الأوزبكية، وتدريبات أخرى مشتركة مع طاجيكستان.

لكن جهود روسيا لتوسيع نطاق نفوذها الأمني في آسيا الوسطى لا يخلو من خطر داهم. فروسيا تعاني من ضغوط شديدة بسبب عمليات الانتشار في أرمينيا وأذربيجان وسوريا وأوكرانيا. كما تمتلك موسكو أيضا سجلا فقيرا في الوفاء بالتزاماتها الأمنية تجاه حلفائها.

مثال لذلك.. وقوفها مكتوفة الأيدي عندما اندلع العنف الإثني في قيرغيزستان في عام 2010، برغم مطالبات الحكومة القرغيزستانية بالمساعدة. وتكرر السيناريو ذاته في عام 2021، عندما دارت رحى أعمال العنف الطائفي على طول الحدود القيرغيزية الطاجيكية.

على الجانب الآخر، تنظر واشنطن إلى آسيا الوسطى، وبخاصة الدول المتاخمة لطاجيكستان وأوزبكستان، باعتبارها شركاء لها في جهود المحافظة على استقرار المنطقة بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان.

في هذا الإطار، سعت إدارة “بايدن” للحصول على إذن لإجراء عمليات عسكرية محدودة، على الأرجح بطائرات بدون طيار، من كلتا الدولتين، ولتأمين ملاذ آمن للمهاجرين الأفغان. كما بعث “بايدن” نائبة وزير الخارجية “ويندي شيرمان” إلى طشقند لإجراء مباحثات، في إشارة إلى أنَّ الولايات المتحدة تنظر إلى أوزبكستان تحديدا باعتبارها محورا إقليميا استراتيجيا.

بايدن
بايدن

لكن الحصول على إذن بتواجد عسكري أميركي جديد بالمنطقة ليس سهلا على الإطلاق، حيث تستخدم موسكو وبكين نفوذهما الاقتصادي والسياسي، إلى جانب التضليل المعلوماتي لتشويه صورة الولايات المتحدة بين شركائها، وتشجيعهم على عدم السماح بأي وجود أمني أميركي على أراضيهم.

وتنظر بكين إلى آسيا الوسطى باعتبارها منطقة عازلة بين حالة عدم الاستقرار في أفغانستان وشينجيانغ (تركستان الشرقية). في الوقت نفسه تعمل الصين على توسيع نطاق نفوذها الأمني تدريجيا في وسط وجنوب آسيا لحماية استثماراتها المالية والحيلولة دون أن تتحول المنطقة إلى ملاذ للإيغور.

كما عززت بكين دورها في التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وذلك من خلال إقامة منشأة عسكرية صغيرة في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وطاجيكستان كبنية تحتية أمنية إضافية، وضغطت على الحكومات المحلية لإعادة المواطنين الصينيين الإيغور.

رغم ذلك تتمتع الصين بسمعة “مزدوجة” في المنطقة. فالحكومات المحلية ترغب في جذب الاستثمارات الصينية، لكن الشعوب تتخوف من سوء معاملة الصين للمواطنين المسلمين، بما في ذلك العرق الكازاخي والقرغيزي. ومن ثم تواجه المشروعات الصينية في آسيا الوسطى ردود فعل شعبية سلبية بسبب نقص الشفافية في عملياتها التجارية وسياساتها التوظيفية.

وبرغم ما يتيحه انتصار طالبان في أفغانستان من فرص لتعزيز آفاق التعاون بين روسيا والصين وحكومات آسيا الوسطى، إلا أنَّه لا يضمن ذلك تماما. فكل من بكين وموسكو تتمتعان بنفوذ اقتصادي وطيد في آسيا الوسطى يفوق أي دولة غربية. ورغم أنَّ ذلك يرجع بصورة جزئية إلى التقارب الجغرافي، إلا أنَّ دول المنطقة لا تزال حذرة من بكين وموسكو، وتسعى إلى إيجاد طرق للبقاء على مشاركة الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة في المنطقة.

كما تتواصل دول آسيا الوسطى مع القوى الإقليمية الأصغر، مثل الهند وإيران واليابان وباكستان وكوريا الجنوبية، ما يشير إلى أنَّ النخبة الإقليمية تأمل في أن تواصل سياستها الخارجية المتوازنة.. بالرغم  من ذلك فإن مصالح هذه القوى تتباين بدرجة كبيرة.

يمثل هذا المشهد الناشئ في وسط وجنوب آسيا نموذجا واضحا للتحول صوب عالم متعدد الأقطاب تسوده الفوضى، وتتصادم فيه القوى العظمى والصاعدة والجهات المحلية الفاعلة بصورة متزايدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة.. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock