رؤى

جلال أمين وأنا.. والمسيحية في أوروبا!

أصوات:”بالرغم من أنَّه بات من المستقر؛ حدوث القطيعة ووقوع العداء بين الحداثة الغربية، والدين المسيحي.. ما جعل الأمر لا يحتاج إلى مزيد من الأدلة.. وكانت مقولة “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”. مقولة متحققة وواقعية في التأريخ للفكر الغربي.. كما يحفل تاريخ أوروبا بالعديد من وقائع ازدراء رموز المسيحية بشكل تجاوز كل الحدود، كم حفلت آراء كثير من الفلاسفة الغربيين بتفنيد أسس المعتقد المسيحي؛ وصولا لفكرة “موت الإله” عند “نيتشه” وعبادة “السوبرمان” وتجليات ذلك في شتى مناحي الحياة والفكر الغربي.. حتى أصبحت الزراية بهذا المعتقد مادة يومية لصحف معروفة كـ “شارل إبدو” ومثيلاتها على امتداد القارة العجوز.. إلا أن الكاتب في هذا المقال “يجادل” حول فكرة وجود الدين المسيحي بصورة مستترة وكامنة في “لاوعي” الحضارة الغربية، كما يذهب إلى أنَّه يقف وراء الموقف العام لتلك الحضارة من الحضارات والثقافات الأخرى وفي القلب منها الحضارة الإسلامية”.

منذ بداية التسعينيات، بدأت الكتابة في جريدة الحياة اللندنية، وهي جريدة النخبة في العالم العربي، وشُغلت كما شُغل الآخرون، بظاهرة الإسلام السياسي، إذ كانت تلك الفترة تمثل ذروة الصدام بين الإسلاميين (خاصة الجماعة الإسلامية والجهاد) والسلطة في مصر.. وبالتزامن لم تخلُ دولة عربية أو إسلامية، من وجود الدين، كتحدٍ جديد للحداثة على تنوعها واتساعها.

لم تشغلنِي أخطاء الإسلاميين في ذلك الوقت، رغم أنَّها مثلت عبئًا ثقيلاً، على الوعي العام، وعلى أية جهود حقيقية للتحول الديمقراطي، وأحالت الإسلام كـ”دين” إلى مشروع سياسي “الخلافة” يبدو وكأنه معادٍ للعالم وللنظام الدولي، عزز من التوقعات التي استشرفت صدامًا كونيًا محتملاً بين الحضارتين المسيحية والإسلام.

لم يعد “الإسلام” موضوعًا للنقاش العام في العالم العربي وحسب، بل بات أكثر القضايا جدلاً داخل مراكز الأبحاث في العالم الغربي.

وتقاطع المساران العربي والغربي عند نقطة “إدانة” التدخل الديني في صوغ الحياة بشقيها الاجتماعي والسياسي في العالم الإسلامي.. والذي تبجح لاحقًا، بإدانة الإسلام ذاته، بوصفه “معاديًا” للحداثة.

كان الخطاب المعادي للإسلام شديد الاستفزاز، وكان يقدم خطابًا ذا نزعة استعلائية، تشعر المسلمين بالدونية وأنهم بـ”دينهم” صنعوا التخلف بأيديهم.

أصابني ـ كمسلم ـ حظ من هذا الاستفزاز.. ما حملني على البحث عما إذا كان لا يزال للدين “المسيحية” دور سياسي في أوروبا أو في العالم المسيحي الغربي في عمومه.

ونشرت بعدها سلسلة من الدراسات في الحياة اللندنية تحت عنوان “المكبوت الديني في أوروبا”.. استخدمت فيها المنهج “الأركيولوجي ـ الحفري” على ذات المنهج الذي اتبعه المفكر الراحل محمد عابد الجابري، في موسوعته الكبيرة “نقد العقل العربي”.

توصلت إلى نتيجة استقرت في ضميري، بأنَّ المسيحية، تم قمعها بقسوة في عصور التنوير، ولكنها لم تختف.. وإنَّما أحيلت إلى اللاوعي الجمعي “اللاشعور” الغربي، واستقرت مختفية بين تلابيبه.. ولكنه ـ أي المسيحية ـ تُستدعى وقت الأزمات، والمواجهات مع الآخر، المخالف ثقافيًا وحضاريًا ودينيًا.. خاصة إذا بلغت الأزمة مبلغ الصدام العسكري أو الثقافي العنيف.

تلك المقالات التي نشرت في منتصف تسعينيات القرن الماضي، نالت استحسان كثير من المثقفين والمفكرين بمن فيهم العلمانيون الذين جلدوا الإسلاميين بألسنة حداد..

فوجئت في تلك الأيام بالدكتور جلال أمين يتصل بي، وكنت حينها صحفيًا في قسم التحقيقات بجريدة الشعب (إبراهيم شكري ـ عادل حسين).. وجرى بيننا نقاش جميل بشأن ما كتبته في دراسات “المكبوت الديني في أوروبا”.. ونصحني أن أجمعها في كتاب حتى لا تضيع وتنسى بمضي الوقت والسنين.

وعملت بنصيحته ونشر الكتاب عام 1997، وحاز حينها على أفضل كتاب في ذلك العام.. وبعد كل هذه السنين، لا يُذكر اسم هذا الكتاب إلا وتذكرت معه مفكرنا الكبير الأستاذ الدكتور جلال أمين رحمه الله تعالى.

كانت الرسالة التي شِئت إبراقها، إنَّه إذا كان الدين عندنا في الشرق مُشهَّرًا في “الواجهة” وحاضرًا في تفاصيل كل شيء.. فإنَّه عندكم في “الغرب” أُحيل إلى ما وراء الجدار متخفيًا مقموعًا، خلف واجهات “ميك أب” الحداثة والتنوير والحريات وحقوق المرأة وما شابه.. ولكنه يُستدعي مع كل مواجهة مع الآخر المخالف ثقافيًّا ودينيًّا وحضاريًّا!.

والحال أنَّ هذا كان هو الرأي الذي توصلت إليه عام 1997، وما قبله.. وكما قلت تحت تأثير الاستفزاز ومن قبيل الدفاع الغريزي عما اعتقدت بأنَّه استعلاء دينيّ غربيّ على الإسلام كمكون أساسي لقوام حياة الإنسان العربي.

ولكن بمضي الوقت، وبمتابعة رد فعل عدد من العواصم الغربية، على تنامي انتشار “الإسلام الرمزي” “المساجد، الحجاب، النقاب.. وغير وذلك”، تبيَّن لي أنَّ القضية في الغرب، تتجاوز ما يعتقد بأنَّه تمترس بالمسيحية كدين ضد الإسلام أيضًا كدين.. القضية أكبر وأعمق وأبعد من هذا التفسير البسيط والساذج، الناتج إما عن الكسل المهني والتثاؤب في التأمل والبحث، وإما رغبة “خفية” للتوظيف الدعائي للدين، كمصدر لتغذية الغوغائية وتغييب الوعي وحشد العامة وغيرهم، خلف دعاة ومشايخ وحركات وتنظيمات، تعيد رسم العالم في إطار، ردة حضارية إلى العصور القديمة، وتقسيمه إلى “دار حرب” و”دار سلام”!.

المسلمين في أوروبا
المسلمين في أوروبا

اللطيف أن الحالة “الطائفية” في مصر، لم تكن بعيدة عني، كأداة للمقاربة، وولوج الحالة الغربية وتفسيرها وفهمها بعيدًا عن ديماجوجية “الإسلام السياسي” التي شوشرت ولعقود على أية محاولة محايدة لفهم مكانة المسيحية في أوروبا ووظيفتها الثقافية وعلاقتها بالإسلام في طبعته الجديدة.

اكتشفت في ذلك الوقت، أنَّه مثلما لكل دولة “هوية حضارية”.. فإنَّها أيضًا لها هويتها المعمارية ولها أيضًا هويتها الثقافية، وأنَّه أي عبث أو “لعب” في هذه الهويات يعتبر تهديدًا لأمنها القومي، يمتد في تفاصيله؛ ليمسي تهديدًا لوجودها ذاته ولتمايزها الثقافي والحضاري.. ويعكس تغيرًا في الأوزان النسبية للطوائف والتي بدورها ستنعكس على هوية الدولة.. وقد يحيلها إلى “أثر” تاريخي لا مكان له إلا في متاحف الآثار.. كيف ذلك؟!.

** مقدمة تمهيدية لكتابي الجديد “الإسلام الأوروبي” قيد النشر

محمود سلطان

كاتب وصحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock